الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 301، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يروي البخاري عن ابن عباس أن أبا جهل توعد بوضع قدمه على عنق النبي صلى الله عليه وسلم أثناء صلاته، فأنذره النبي بأن الملائكة ستأخذه لو فعل ذلك. ويؤكد الحديث حفظ الله لنبيه بقوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}.
أراد عقبة بن أبي معيط وضع سلى جزور على النبي صلى الله عليه وسلم فرأى فحلاً من الملائكة فخاف وتراجع، وأخبره النبي أنهم كانوا سيخطفونه عضواً عضواً. ثم وضع الأذى على رقبة النبي ساجداً فأزالته فاطمة، وسبّهم النبي فلم يجبه أحد.
يبين المقطع أن الله عاقب أبا جهل فوراً لتهديده بالوطء على عنق النبي، بينما أخّر عقوبة عقبة إلى يوم بدر حيث قُتل مع سادة قريش. وتفسر الآيات ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ و﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ بأن الملائكة كانت ستأخذه عضواً عضواً لو دنا، وأن الناصية هي مقدمة الرأس التي يُسحب بها المعاند.
يشرح المقطع آية العلق التي تهدد بأخذ الناصية، مبيناً أن الناصية المذكورة هي ناصية كاذبة خاطئة لصاحبها الكافر. لأن تفكيره وعمله مبنيان على الكفر والكذب، فهي ناصية تستحق السفع والجر.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ». قال: حدثنا يحيى، ويحيى قد يكون ابن معين وهو أقرب، أو يحيى بن زكريا بن أبي عدي. قال رحمه الله: حدثنا عبد الرزاق، وابن همام وهو ابن همام الصنعاني، عن معمر وهو أبو عروة معمر بن راشد، عن عبد الكريم بن الجزري أو عبد الكريم الجزري، نسبة إلى الجزيرة وهي اليمامة وما حولها، هو عبد الكريم بن مالك الجزري. قال: عن عكرمة، وهو أبو عبد الله، مولى ابن عباس، أبو عبد الله البربري. قال ابن عباس: قال أبو جهل: «لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه». فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لو فعله لأخذته الملائكة». تابعه عمر بن خالد، عمر بن خالد العسكري البخاري أو الحراني. قال: تابعه عمر بن خالد عن عبيد الله، عن عبد الكريم. عبيد الله هو الرقي، عبيد الله بن عمر. قال: فهذا الحديث في قول الله جل وعلا: ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. فذكر حديث ابن عباس: لما قال أبو جهل: «لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه»، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو فعله لأخذته الملائكة». وأيضاً ذكرنا حديث ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم صلى عند الكعبة، فجاء، فقال أهل النادي -أي من الكفار من كبراء قريش-: «ألم تقل كذا وكذا؟» قال: «لئن جاء محمد يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه»، أي لا أدعسه على عنقه. والله عز وجل يحمي رسوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾، ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ». فجاء هذا المدبر الذي أخزاه الله، وأراد أن ينفذ ما قال، فلما قرب من النبي صلى الله عليه وسلم ابتعد، ولم يستطع أن يفعل شيئاً، حتى رجع إلى أصحابه بغير الوجه الذي ذهب، وهو خائف فزع. فقالوا: «ما لك؟ ألم تقل كذا وكذا؟» قال: «نعم، لكني لما قربت عنده رأيت فحلا عظيماً، فاحشاً، فما لو دنوت منه لأكلني». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك الملائكة، لو قرب لتخطفته عضواً عضواً». وجاء في رواية: «لو دنا، لو دنا، لاختطفته الملائكة عضواً عضواً». وذكر بعض أهل العلم أن هذه الحادثة حصلت من أبي جهل، وحصلت من عقبة بن أبي معيط، وهو أشقاهم. تلك الحادثة التي حصلت، التي رواها أيضاً ابن مسعود: لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة، فقال بعض القوم: «من يذهب إلى سلى جزور بني فلان، فيأتي بها ويضعها على محمد صلى الله عليه وسلم؟» فانطلق أشقاهم، وهو عقبة بن أبي معيط. وكان هذا الرجل جار النبي صلى الله عليه وسلم، كان يتلطف مع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى جاءه أمية بن خلف، فغره على النبي صلى الله عليه وسلم. ويقال أنها نزلت فيه قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. فهذا الرجل عقبة بن أبي معيط، وهو والد الوليد بن عقبة، وبنته أم كلثوم بنت عقبة قد أسلمت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأم كلثوم أسلمت أيضاً، وحسن إسلامها، وتزوجت بعض الصحابة. فقال: هذا الرجل الشقي أخذ سلى الجزور، وسلى الجزور: ما يخرج من الإبل من أحشائها، وكذا. فجاء به ووضعه على رقبة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي. قال ابن مسعود: فلم أستطع أفعل شيئاً، فذهبت إلى فاطمة وأخبرتها، وكانت لا تزال صغيرة، فجاءت وأخرجت ذلك الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، وهو ساجد، صلوات الله وسلامه عليه عند الكعبة. ثم سبّهم، فلم يتكلم منهم أحد. فلذلك قال أهل العلم: لماذا الله عز وجل عاقب أبا جهل ولم يعاقب عقبة؟ فقال بعضهم: لأن أبا جهل هدد وتوعد، وكأنه له الأمر، لأن جاء محمد إلى الكعبة يصلي لأطأ عنقه، هكذا كان يقول يتبجح أمام أصحابه، فخذله الله، ودافع الله عز وجل عن نبيه. وأما ما فعله عقبة فهو أمر حدث في ذلك الوقت، وأيضاً حكمة من الله عز وجل، وقيل أن وطء العلق أعظم من وضع شيء في الظهر وغيره، ولهذا اقتضت المبالغة في عقوبة أبي جهل. ولله عز وجل حكمة في أفعاله سبحانه وتعالى، فعاقب أبا جهل في الحال، ولم يحصل شيء من العقوبة لعقبة بن أبي معيط في ذلك الوقت، إلا أنه حصلت لهم العقوبة في بدر. فالنبي صلى الله عليه وسلم، كما قال ابن مسعود، لما انصرف من الصلاة قام ودعا، وقال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بأبي جهل، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف»، وذكر سادساً نسيه بعض الرواة. قال ابن مسعود: فرأيتهم، هؤلاء الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم صرعى في بدر، كلهم قتلوا في بدر. هؤلاء الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت عقوبتهم بعد ذلك في بدر. وأما هذا المدبر أبو جهل، فإن عقوبته كانت في الحال، عاقبه الله عز وجل في الحال، حتى لا يتوعد ويظن نفسه أنه يملك الأمر. وهذا كما قال الله عز وجل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. ناديه: أي من كان يجلس معه، لا يستطيع أحد أن ينصره. فأنزل الله عز وجل الملائكة، والزبانية هم الملائكة الشداد. فكان قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو دنا لاختطفته الملائكة عضواً عضواً»، وقال هنا: «لو فعله لأخذته الملائكة». فهذا ما يذكر في تفسير هذه الآية، أو سبب نزول هذه الآية، أو ما يفسر به هذه الآية: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. ولما توعد، توعده الله: ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، أي لنأخذنه بناصيته. والناصية هي مقدمة الشعر، والإنسان إذا مثلاً يؤخذ بناصيته، أو بحجزته، أو برجليه. فقال الله عز وجل هنا: ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، أي لنأخذ هذه الناصية، هذه الناصية التي هي ناصية كاذبة خاطئة، لأنها ناصية كافر، فتفكيره إنما يفكر على كفره وعلى كذبه. حسناً، إن شاء الله تعالى نكتب لهذا، والله تعالى أعلم.