المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبي الحسن علي بن راجح السمحي، والتي كانت بمسجد الروضة بمنطقة قصيعر يوم السبت 7 شوال 1446هـ الموافق 5 أبريل 2025م ألقاها منوع
يتناول المحور كمال أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع التركيز على عدلِه الشامل مع ربه في التوحيد والعبادة، ومع نفسه، ومع جميع الناس بمن فيهم الأعداء. ويُستشهد بموقف قسمة الذهب من اليمن حيث رد النبي على معترض بقوله: «ومن يُطِع الله إن عصيته، ومن يعدل إن لم أعدل»، مؤكداً أمانته التي يأمنه الله بها على أهل الأرض.
يبرز المحور عدل النبي صلى الله عليه وسلم وإنصافه في تعامله مع الناس حتى مع المنافقين والكفار، مستشهداً بآية القسط. كما يوضح دفاعه عن حقوق الحيوانات في مواقف متعددة كناقته في الحديبية وجمل في بستان الأنصار وطائر أُخذ فرخه، داعياً إلى التقوى في معاملة البهائم.
يستعرض المحور مواقف من عدل النبي صلى الله عليه وسلم مع الجميع، كإثنائه على كلمة حق لشاعر جاهلي وإشادته بحلف الفضول، وتعاملِه بالعدل مع عمه العباس أسير بدر رغم القرابة، ووضعه أول الربا الجاهلي ربا عمه وأول الدماء دم قريبه. ويختم بوجوب الاقتداء بعدله لعلاج اختلال الموازين القائمة على أسس طائفية أو قبلية باطلة.
يعتذر المتحدث عن الإطالة في الحديث، ويسأل الله التوفيق لكل خير ونصرة الإسلام والمسلمين.
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أيها الإخوة المؤمنون: بما أننا قد وقفنا هذا الموقف أمام إخواننا المشايخ والدعاة وطلاب العلم والمحبين والمستمعين، فلزم أن نشارك بما يسره الله سبحانه وتعالى. وإن كان في هذا المسجد المبارك، وفي هذا التجمع الكبير المبارك، من هو أولى وأحرى بأن يتكلم في هذا الوقت، وأن نستمع. أيها الإخوة المؤمنون: إننا حين نتحدث عن أخلاق نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فإننا نتحدث عن رجلٍ عظيم زكاه الله عز وجل وطهَّره ونقَّاه، وغسَل قلبه منذ طفولته ليقوم بحمل الرسالة الإسلامية العظيمة التي انتشرت في مشارق الأرض ومغاربها، وستنتشر في الأرض كلها، رسالة التوحيد والعقيدة الإسلامية. وأخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام كاملة وشاملة ووافية، وفي كل الاتجاهات وفي كل المجالات. والعدل يا عباد الله خلقٌ عظيم من أخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام. ومن ضمن أخلاقه الشريفة وخصاله النبيلة: عدلٌ مع ربه عز وجل في توحيده وعبادته، وفي ذكره وشكره وحسن عبادته. وعدل نبينا عليه الصلاة والسلام مع نفسه، وعدله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع الآخرين: مع القريب والبعيد، والصاحب والصديق، ومع الموافق والمخالف، ومع الناس جميعًا، حتى الأعداء. حتى الكفار أخذوا قسطهم ونصيبهم من عدل نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والمواقف كثيرة. فالنبي عليه الصلاة والسلام، كما يذكر لنا ذلك أبو سعيد الخُدري رضي الله عنه، من مواقف عدله عليه الصلاة والسلام أنه ذكر لنا الصحابي الجليل أن علي بن أبي طالب أرسل بذُهيبة من اليمن لم تُحصَّل من تُربتها، أرسلها في أديمٍ مقروض إلى النبي عليه الصلاة والسلام من زكاة أو زكوات أهل اليمن، فقسمها النبي عليه الصلاة والسلام بين أربعة، من ضمنهم الأقرأ بن حابس. فحصل من بعضهم الاعتراض على هذه القسمة، بل جاء رجلٌ كثُّ اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتِء الجبين أو الجبهة، محلوق الرأس، مُشمِّر الساعن الساعِدين إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، ويعترض عليه هذا الاعتراض، ويقول: «اعدل يا محمد»، أو «اتق الله يا محمد»، أو «اتق الله يا رسول الله». يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن يُطِع الله إن عصيته، ومن يعدل إن لم أعدل». وهكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «يأمنني الله عز وجل على أهل الأرض ولا تأمنوني». ويقول كما جاء في بعض الروايات: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء». هكذا النبي عليه الصلاة والسلام يستأذن عمر بن الخطاب، ويستأذن خالد بن الوليد، بأن يضرب عنق هذا الرجل، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لعله أن يكون يصلي». فقال خالد رضي الله عنه: «وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه». فيقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إني لم أمر أن أشق على قلوبهم»، أو «أن أنقب على قلوبهم»، أو «أشق بطونهم». فالنبي عليه الصلاة والسلام يصبر ويتحمل، ويتعامل بالعدل مع الناس، بل لا يتوقف عند العدل، وإنما يعفو ويصفح عليه الصلاة والسلام. كم من مواقف كثيرة التي يجب علينا أن نتعلم من سيرته وأخلاقه وعدله، كيف نكون من أهل العدل والإنصاف في كل شيء، مع الصغير والكبير، ومع القريب والبعيد، وحتى كما سمعتم مع الكفار. كيف لا يكون النبي عليه الصلاة والسلام من أهل العدل، وبلغ القمة في العدل، وقد أنزل الله عز وجل على قلبه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. حتى النبي عليه الصلاة والسلام، من عدله وإنصافه، يدافع عن حقوق الحيوانات، فكيف بحقوق البشر، وكيف بحقوق الصالحين والمؤمنين؟ على الحيوانات: لما كان النبي عليه الصلاة والسلام في عمرة الحديبية، وقد يعني بركت ناقته القصوى في هذا المكان، فزجرها الصحابة فلم تنزجر، فقالوا: «خلأت القصوى، حرنت القصوى»، يعني امتنعت أن تطيع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبركت وامتنعت عن المسير. فقام النبي عليه الصلاة والسلام مدافعًا عن ناقته، فيقول: «ما خلأت القصوى، وما ذاك لها بخلق، ليس من أخلاقها أبدًا أن ترفض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن حبسها حابس الفيل». فانظروا كيف يدافع عن هذه الناقة. وكما تعلمون جميعًا، ويكرر عليكم: حين دخل النبي عليه الصلاة والسلام بستانًا من بساتين الأنصار، فوجد جملًا فيه، فلما راه الجمل حنى وذرفت عيناه وبكى الجمل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من صاحب هذا الجمل؟ من رب هذا الجمل؟» فقال فتى من الأنصار: «أنا يا رسول الله». فقال: «اتق الله في هذه البهيمة، فإنها تشتكي إلي أنك تدئبها وتجيعها». فيدافع النبي عن حقوق هذا الجمل، ويدافع عن حقوق جمل آخر لما رأى جملًا قد لحق ظهره ببطنه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الله في هذه البهائم، فإنما فاكُلوها صالحة، واركبوها صالحة، وكلوها صالحة». ويدافع عن حقوق الطيور، عن الحُمَّرة التي أُخِذ ولدها، فيقول لهم: «رُدوا عليها ولدها، من شجع هذه بولدها». وكم من هذه المواقف الشريفة العظيمة في عدل النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. وكل هذا لكي نتأسى بعدله وإنصافه في كل شيء، مع المخالف والموافق، ومع العدو، ومع الصديق، ومع القريب. أيها المؤمنون، عباد الله: الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام أرسله الله ليرسي قواعد التوحيد والعقيدة، ويهدم ما كان عليه المشركون من الضلال والانحراف وغير ذلك مما كانوا عليه. ولكن مع هذا كان يعدل معهم، إذا كان هناك حق أو خير في الجاهلية كان يشيد به النبي عليه الصلاة والسلام. هو الذي قال عليه الصلاة والسلام: «أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد، على كل شيء ما خل الله باطل»، وهو جاهلي وشعره جاهلي. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام يثني على حلف الفضول أو الفضول. النبي عليه الصلاة والسلام وهو حلف تعاقد فيه أهل مكة، وتعاهدوا على أن لا يدعوا مظلوماً ولا مظلمة إلا وأخذوها من ظالمها، أو ما حصل منهم من التعاقد والتعاهد. والنبي عليه الصلاة والسلام يخبر عن هذا الحلف وأنه حضره وهو صغير قبل أن يبعث، ولو دعي إليه في الإسلام لأجاب. النبي عليه الصلاة والسلام لمثل هذا الحلف الذي فيه نصرة المظلوم، وقصته طويلة. نعم أيها المؤمنون، عباد الله: عمه العباس كان من ضمن الأسرى في غزوة بدر الكبرى، حين جاء بالأسرى إلى المدينة كان من ضمنهم عمه العباس بن عبد المطلب، الذي كان يحوط النبي عليه الصلاة والسلام ويدافع عنه، ويعتبر بعد أبي طالب، وحضر يعني بيعة العقبة ليستثبث لابن أخيه، وكان يحب النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه خرج مع القوم مكرهًا. ومع هذا لما أسر، وجاءت قريش بيفتدون أسراهم، أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يفتدي نفسه وبعض بني هاشم مثل بقية الأسرى، فقال له: «إني مسلم، وخرجت مكرهًا». عامله النبي عليه الصلاة والسلام على الظاهر، وقال له كلمة: «إن كنت مسلمًا فالله يجازيك»، أو بهذا المعنى. المهم: عدل النبي عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى كلمات وكلمات ومحاضرات وخطب. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كل ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب. وكل دماء أو دم من دماء الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه دم ربيعة ابن الحارث». وكم من هذه القصص الكثيرة في عدل نبينا عليه الصلاة والسلام. فيا أيها المؤمنون: خلاصة الأمر أننا ينبغي أن ندرس عدل النبي عليه الصلاة والسلام لكي نكون من أهل العدل في كل شيء. نعدل لأن الموازين اختلت في عصرنا وفي زمننا، فصار العدل، أو صار في الولاء والبراء والمحبة والبغض، على أسس باطلة ليست فيها عدل أبدًا، إما على أساس طائفي أو عنصري أو قبلي أو قومي: هذا من قريتنا نحب، وهذا ليس من قريتنا نبغض. تعالى، اعتذر عن الإطالة وعن أخذ الوقت على المشايخ والدعاء. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لكل خير، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، إنه على كل شيء قدير.