الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
قام كفار قريش بإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم بوضع سلاء الجزور على ظهره وهو ساجد، وحاول عقبة بن أبي معيط خنقه بردائه، بينما عجز الصحابة عن منعه. دعا النبي على رؤوس الكفر فاستجيب دعاؤه بقتلهم في بدر ونزلت آيات العلق تحذيراً لأبي جهل.
تآمرت قريش على قتل النبي قبل الهجرة وأراد أبو جهل قتله فتراجع بعد رؤية فزع، وحاول بنو النضير إلقاء حجر عليه فأخبره جبريل بمكرهم. باءت جميع المحاولات بالفشل بفضل حفظ الله وعصمته.
يستمر أعداء السنة في التآمر على قتل العلماء والدعاة لإسكات الدعوة إلى الله، مكررين أساليبهم القديمة في استهداف حملة العلم. هذا النهج يمتد من عصر النبوة إلى زماننا الحاضر كسنة كونية في محاربة الحق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، أيضًا كذلك من الأساليب التي استخدمها كفار قريش، ويستخدمها أيضًا عامة الكفار في عدائهم لدين الإسلام، كما ذكرنا: الإيذاء بالقول والفعل. وذكرنا أمثلة من إيذائهم النبي عليه الصلاة والسلام بالقول، وأما بالفعل فهو أيضًا كثير، وأعظم ما خططوا له أنهم يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى يتخلصوا منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكنهم لم يستطيعوا، ولم يجعلهم الله عز وجل يتسلطون على نبيه، بل عصمه الله، وقال جل وعلا: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الحجر: 95-96]. فمن هذه أنهم اعتدوا على النبي عليه الصلاة والسلام في بداية دعوته في عدة مواضع، من ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن كفار قريش اجتمعوا في ناديهم، فقال بعضهم لبعض، وجاء في رواية أن أبا جهل هو الذي قال، فقال: «مَن يذهب إلى يأتي بسلاء جزور بني فلان؟» السلاء: الجزور، بمعنى المخلفات التي تخرج من الإبل بعد ذبحها، بمعنى الذي يخرج من بطنه. فقال: «مَن يأتي بسلاء جزور بني فلان فيضعها على محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذا سجد؟». فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «مَن يذهب؟» فقال أشق القوم، جاء في رواية غير البخاري أنه عقبة بن أبي معيط، وعقبة بن أبي معيط هذا رجل سوء، كان جارًا للنبي عليه الصلاة والسلام، لكنه جار سوء، وكان يحب النبي عليه الصلاة والسلام في بداية الأمر، حتى جاء الرجل من المشركين من أصحابه فحرّشه على النبي عليه الصلاة والسلام حتى صار من ألد أعدائه، فكان يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام أشد الأذى، وكان يحنق عليه حنقًأ شديدًا. فمن ذلك أنه هو الذي ذهب يأتي بسلاء جزور بني فلان، فلما سجد النبي عليه الصلاة والسلام جاء هذا الشقي فوضعه على رقبة النبي عليه الصلاة والسلام. قال عبد الله بن مسعود: «وأنا أنظر إلى ذلك، ولكن ليس لي منعة، أنا ما أستطيع»، لأنه كان أولًا صغيرًا، وأيضًا ما أحد سيمنعه من هؤلاء، ممكن أنهم يقتلوا. حتى ذهبت إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، قد كانت صغيرة، فجاءت وسبّت المشركين، وأخرجت هذا السلاء، ونظفت النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد، ثم رفع، ثم رفع، فالتفت إليهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش». فجمدوا بعد أن كانوا يتضاحكون، وكانوا كما قال عبد الله بن مسعود يظنون أن الدعاء عند الكعبة يستجاب، فلذلك لم يستطع أحد منهم أن يتكلم، فجمدوا واتسكتوا عن الضحك. ثم قال: «اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبي جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط». قال الراوي: «وذكر سادسًا أو سابعًا ولم يحفظه النبي عليه الصلاة، أو لم يحفظه الراوي». فهؤلاء، قال عبد الله بن مسعود: «كل من سماهم النبي عليه الصلاة والسلام كان قد قتل مشركًا في بدر، كانوا صرعى في بدر، صرعهم الله عز وجل في بدر». وأيضًا من هذه الأفعال التي فعلوها، ما جاء في صحيح البخاري أن عروة بن الزبير قال لعبد الله بن عمر: «ما أشد ما رأيت من المشركين على رسول الله صلى الله عليه وعلى عليه وسلم؟» فقال: «كان المشركون في حجرهم أو في ناديهم يكلم بعضهم بعضًا أنهم يؤذون النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف النبي عليه الصلاة والسلام يأتي ويصلي عندهم وهو يسفه أحلامهم ويفعل ويفعل؟». فلما جاء، قام عقبة بن أبي معيط، وهو هذا الخبيث المجرم، فأخذ رداء النبي عليه الصلاة والسلام، وشد على رقبته، أراد أن يخنق النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء الصديق رضي الله عنه ودفعه بشدة حتى سقط، وقال: «أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ؟» [غافر: 28]. «أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ؟». وأيضًا كذلك ما جاء في البخاري في سبب نزول قول الله جل وعلا، أو في نزول قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ [العلق: 17-19]. نزلت في أبي جهل، لما جاء إلى ناديه وقال: «أيسجد محمد بين أيديكم ويعفر وجهه بالتراب وأنتم تنظرون إليه؟ والله لو جاء لفعلت وفعلت». فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام، على عادته أنه كان يصلي عند الكعبة، فقالوا له: «لقد جاء محمد عليه الصلاة والسلام». فذهب هذا الشقي لأجل أن يخنق النبي عليه الصلاة والسلام أو يفعل شيئًا، فلما قرب من النبي عليه الصلاة والسلام رجع القهقرة، والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد، رجع إلى الخلف، ثم جاء قومه، ورجع إلى قومه، فقالوا: «إن أبا الحكم قد جاء ووجهه غير الوجه الذي ذهب به». فقال: «والله رأيت أهوالًا، ورأيت فحلًا أراد أن يعضني». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تلك الزبانية، فلو قرب لتخطفته عضوًا عضواء». قال: «لو قرب لتخطفته هذه الزبانية عضوًا عضواء». وهكذا أيضًا حاولوا أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام في عدة مواضع، وآخرها في قبل هجرته، وهي قصة صحيحة رواها ابن إسحاق، وكذلك البيهقي في الدلائل، وأبو نعيم، وغيرهم من أئمة الإسلام، عندما تآمروا على النبي عليه الصلاة والسلام في كيف يقتلونه، حتى أشار إليهم الشيطان، وجاء هذا الشيطان بصورة رجل من أهل نجد، فأشار إليهم أن يخرجوا من كل قبيلة شابًا يافعًا حتى يتفرق دم النبي عليه الصلاة والسلام في القبائل، وفعلًا فعلوا ذلك، وجاءوا ليلًا، لكن النبي عليه الصلاة والسلام خرج من بينهم ولم يروه، لم يروه، وخرج من بينهم. وبعضهم يذكر في هذا المقام قوله جل وعلا: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [يس: 9]. فخرج النبي عليه الصلاة والسلام، فلما دخلوا رأوا عليًا رضي الله عنه في فراش النبي عليه الصلاة والسلام، والقصة كما قلنا جاءت من طرق وهي قابلة للتحسين. فهذا أيضًا كان آخر عهدهم بالنبي عليه الصلاة والسلام، فأرادوا أن يقتلوا النبي صلوات الله والسلام. وهكذا أيضًا كانت اليهود، اليهود عليهم لعائن الله، أيضًا في المدينة، أيضًا مع صلح النبي عليه الصلاة والسلام بينه وبينهم، إلا أنهم كانوا أيضًا يتآمرون على قتل النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يبالون أن يتآمروا مع أي أحد، تآمروا مع كفار قريش، وتآمروا مع بعض المنافقين، وتآمروا مع إخوانهم من خيبر وغير ذلك، لكن كلها باءت بالفشل. ومن أشهرها ما فعله بنو النظير، قوم حيي بن أخطب، والد صفية زوج النبي عليه الصلاة والسلام، فأرادوا أن يقتلوه، فقالوا لرجل، وقد كان جاءهم لأجل سداد دين أو كذا، فأرادوا أن يتخلصوا منه، فأمروا رجلًا أن يصعد على السطح ويضع الحجرة على رأسه، فأرسل الله عز وجل جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أخبره بذلك، فتحرك النبي عليه الصلاة والسلام من عندهم إلى بيته، جاءه جبريل، إلى أن يرجع إليهم ويحاصرهم، فحاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام حتى نزلوا على حكمه صلى الله عليه وعليه وسلم. فهذا كان دأب هؤلاء، العداء إلى يومنا هذا، فالعداء تجد أنهم يحبون، بل يتآمرون على قتل المسلمين، وعلى قتل العلماء خاصة، إن وجدوا فرصة في ذلك، فيقتلون أهل العلم، ويقتلون دعاة السنة، لأجل أن يتخلصوا منهم، حتى لا يدعوا إلى الله جل وعلا. فهذا شيء من هذه الأساليب التي كانوا يستخدمونها، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين.