كتاب النكاح من صحيح البخاري 91

كتاب النكاح من صحيح البخاري 91

الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 91، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ضوابط إذن المرأة في بيت زوجها وآداب الرد على من يكره الزوج دخوله

ينهى النبي ﷺ المرأة عن الصيام التطوعي أو الإذن بدخول أحد بيت زوجها إلا بإذنه، ويشمل الإذن الرجال والنساء ممن يكره الزوج دخولهم لأن ذلك يثير الغيرة وسوء الظن. على الزوجة إذا علمت كراهة زوجها لشخص أن تعتذر له بلطف وتمنعه من الدخول مع التورية وتجنب القطيعة.

أحكام إنفاق الزوجة وصدقةها من مال الزوج ومشاركته في الأجر

للمرأة نصف الأجر إذا تصدقت من مال النفقة وهي تعرف سماحته وعوائده، وتضمن ما أنفقته إن كان الزوج نهى عنها أو لم تكن تعرف رضاه. يشترط جواز الصدقة من طعام الزوج أو ماله المخصص للنفقة أن يكون بإذنه أو عُرف كرمه، ولا يجوز لها الأخذ من ماله الخاص دون إذن.

ملكية مال النفقة وحق الزوجة في التصرف فيه بالصدقة

المال الذي يعطيه الزوج لبيته وأولاده يصبح ملكاً للزوجة، ويجوز لها التصدق منه بالشروط المذكورة سابقاً. أما ماله الخاص الذي لم يجعله لها فلا يحق لها الأخذ منه ولا التصرف فيه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال البخاري رحمه الله تعالى: «باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها لأحد إلا بإذنه». قال: حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع الحمصي، قال: أخبرنا شعيب، وهو ابن أبي حمزة الحمصي كذلك، قال: حدثنا أبو الزناد، وهو عبد الله بن دكوان، أبو عبد الرحمن المدني، وأبو الزناد لقب، عن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز المدني، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، واختلف في اسم أبي هريرة إلى عشرة أقوال، ورجح النووي أنه عبد الرحمن بن صخر، لكن اشتهر بكنيته، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، وما أنفقت من نفقة من غير أمره فإنه يؤدى إليه شطره». ورواه أبو الزناد أيضًا عن موسى، عن أبي هريرة في الصوم. موسى: موسى بن أبي عثمان التبان، أبوه أبو عثمان التبان مولى المغيرة بن شعبة. إن ذكره البخاري هنا استشهادًا، وروى له أبو داود، وروى له أيضًا البخاري في الأدب، ويقال اسمه سعيد، وقيل عمران. وأيضًا قد أخرج الحديث جماعة عن أبي الزناد. وهنا قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا تأذن»؛ أما للجملة الأولى: «لا يحل امرأة تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه»، فقد تكلمنا عليها في الحديث الذي تقدم. وأما الإذن في بيته، فلا تأذن فيه لرجل ولا امرأة يكرهها زوجها، فإن ذلك يوجب سوء الظن، ويبعث أيضًا على الغيرة التي هي سبب القطيعة. ويشهد لهذا قول النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة: «انظري من أذن لنا من إخواننا، فإنما الرضاعة من المجاعة». فلهذا لا تأذن المرأة إلا لمن تعرف أن زوجها لا يكره الإذن له. وإن كان الإذن للنساء أخف من الإذن للرجال، فلا تأذن إلا لمن يرضى عنه زوجها. أما إذا كره، فمثلا يكره إنسانًا يدخل بيته، ولو كان قريبًا لهذه المرأة، أو امرأة أنها تكون امرأة نمامة، أو مثلا قوادة، أو لها شيء من هذه الأمور التي يكون فيها مجلبة للإثم، فيكره هذا الرجل أن تدخل مثل هذه المرأة إلى بيته. فهنا إذا عرفت المرأة أنه يكره ذلك، ولو لم يحذرها، لكن إذا عرفت أنه يكره، فلا تأذن لها، أن تعتذر لها بأي شيء، يقول لها مثلا: زوجي الآن غير موجود، أو تقول لها: الآن سأخرج إذا كانت ستخرج إلى مكان، أو أنها مشغولة، فتعتذر لها بأي شيء حتى تصرفها. وإن استطاعت لكن لا تكذب كذبًا صريحًا، لها أن تواري، أن تواري مثلا تقول: سأخرج الآن، وهي تريد أن تخرج، معنى تخرج من المكان الذي هو فيه إلى غرفة أخرى، أو إلى غير ذلك مما يدفعها عن الدخول والإذن. فتحاول أنها، ولو مثلا صرحت لها إذا استطاعت أن تصرح لها، فتصرح لها أنها لا تريد أن تأذن لها إلى الدخول. ولكن الأفضل أنها لا تصرح حتى لا تكون فيها قطيعة بهذه المرة، وخاصة قد تكون من أهلها. فالمهم أن المرأة إذا حست بذلك، أو أنه حذرها زوجها، يقول لها: خلينا لا تدخليها عندك، فهنا لا تدخلها بأي معنى، لا يجد لها أن تدخلها ما دام أنه قد حذرها أنها تدخلها. وهنا قال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا في الحديث: «وما أنفقت من نفقة عن غير أمره فإنه يؤدى إليه شطره». هذه المسألة قد تكلمنا عليها، فالنبي عليه الصلاة والسلام قد ذكر أن للخازن فيما أنفق أجرًا، وللزوجة فيما أنفقت أجرًا، وجاء بالمعروف، وجاء أيضًا كذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجر»، فلها نصف أجر. وهنا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يؤدى إليه شطره»، يؤدى إليه شطره. فكيف الجمع بين هذه الأحاديث؟ جمع العلماء أن هذا إذا كانت هذه النفقة خرجت على غير العادة وعلى غير المعروف، أو أن هذه الزوجة لم يأذن لها زوجها، بل قال لها: لا تخرجي شيئًا من الطعام، لا تخرجي شيئًا من كذا، فهنا ما طابت نفسه. لكن إذا كانت تعرف أن هذا الزوج كريم، وأنه يحب الصدقة ويحب إعانة المساكين، خاصة الجيران، فلا بأس أنها تعطيهم، فتشركه في الأجر، أن يكون له الأجر، ويكون لها نصف الأجر. هذا إذا كانت تعرف أن زوجها يحب ذلك، أو أنه لا يعارض هذا الأمر، أنه إذا عرف أنها أخرجت من طعامه لا يعارض هذا الأمر لأنه يحب الصدقة، وأيضا لا يكره أن يخرج من طعامه شيئًا لأجل جيرانه ولأجل كذا، فيحمل على هذا. أما هذا الحديث: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجر»، هذا كما قلنا يحمل على أنه يحب الصدقة، إما أنه أذن لها إذنا عاما، أو أنها تعرف من سيرته أنه يحب ذلك الأمر. وقوله هنا في الحديث الثاني: «فلها نصف أجره»، معناه أنها تتحصل على أجر مثله، لأنها هي التي ساعدت في إخراج هذا الطعام، ساعدت في إخراج هذا الطعام. وهنا قوله في الحديث: «تؤدى شطر ذلك»، معناه أنها تضمنه إذا كان لا يعدن، لا تعدن أنها تنفق من ماله، فخرجت بغير إذنه، سوى كان نهاها نهيا معناه صريحا، أو أنه بما عرفت من أخلاقه ومن سيرته. فإذا كانت كذلك، يعرف أنه يكره أن تخرج شيئًا من طعامه، فتقوم وتخرج، وهنا قال: «فإنها يؤدى إليه شطره»، معناه تضمن نصفا هذا المال الذي أخرجت، يؤدى إليه شطره. وتأوله بعضهم على تأويل آخر، فقال: عوله بعض العلماء على الحديث الآخر: «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها»، فقال بعضهم: «يؤدى إليه شطره»، أي أنه يتحصل على شطر هذا، نصف، معناه شطر، يتحصل على نصف الأجر على أنه تصدق، والحقيقة أنها هي التي تصدقت، فيصيران في الأجر نصفين، سواء أنه لها نصف الأجر وله نصفه. ويشهد على ذلك أيضًا الدال على الخير كفاعله، الدال على الخير كفاعله، فلهذا فهي التي فعلت، فكأنها دلت على الخير، مثل الحديث: «إن الخازن فيما أنفق أجر، وللزوجة فيما أنفقت بالمعروف أجر». فهذا ما يحمل به هذا الحديث، إذا كان كما قلنا لا يأذن لها، فإنها لا تخرج، وإن كان يأذن لها، أو تعرف ذلك من سيرته، فإنه تشاركه في الأجر، تشاركه في أجرها. والنبي عليه الصلاة والسلام قد أذن للمرأة أنها تتصدق من مالها لجيرانها أو لغيره، وقد جاء عند أبي داود بإسناد حسن أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن المرأة تتصدق من مال زوجها، قال: «لا، إلا من كوتها، والأجر بينهما». وأما من ماله فلا، وهذا أمر آخر عن من ماله، أي مختص به، معنى شيء اختص به ولم يجعله لها، أنا وضعه مثلا في مكان خاص به، هذا المال وضعه في مكان خاص به، فهنا لا ينبغي لها أن تأتي وتأخذ من هذا المال. لكن ما جعله لها من الطعام، أو جعله لها من المال، معنى قال لها: هذا لك، فلها أن تتصدق، أو يعطيها مالا يقول: هذا حق البيت، حق الأولاد، فتصدقت به، فهذا يكون لها أجر، سواء معنى هي وزوجها. وكذلك كما قلنا، أدنى النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة أن تعطي جارتها، كما جاء في الصالحين: «يا معشر النساء، لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاه، ولو شيئا يسيرا من العظم ومن اللحم تعطيه لجارتها». وخلاصة ما يقال: أن المرأة إذا أرادت أن تتصدق من مال زوجها، أولا تتصدق بالمعروف، لما يكون معروفا، لا تعطي كثيرا من فوق العادة، وأيضا تنظر إلى كرم هذا الرجل وإذنه، فإن كان أدنى لها إذنا عاما، فهي تعطي، ولها الأجر، تشارك في الأجر، وكذلك الإذن الذي يكون بسلوك هذا الرجل تعرفه بسلوكه. أما إذا منعها، فلا تعطي، إذا منعها قال لها: لا تعطي، فلا تعطي. وأيضا الأمر الآخر أنها لا تأخذ من ماله الخاص به، فإذا اختص بمال جعله له ولم يجعلها تتصرف فيه، أو أنها تأخذ منه، فإنها لا تأخذ من هذا المال، وإنما تأخذ من المال الذي أعطاها إياه لأجل بيته، معناه أنه ملكها لها لبيتها ولأولادها وطعامهم مثلا، أو أعطاها مالا قال: هذا صُرف في البيت وفي الأولاد وكذا، فهذا لها أن تتصدق من ذلك على ما تقدم، على ما تقدم الشروط التي ذكرناها. فهذا ما يؤخذ من هذا الحديث، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.