تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 89

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 89

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 89، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية آل عمران 155: أسباب هزيمة أحد ودور الشيطان ومعصية الرماة

توضح الآية أن فرار بعض المسلمين يوم أحد كان بسبب تسويل الشيطان لهم نتيجة ذنوبهم، وأن الهزيمة وقعت بسبب معصية الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم فاستُدرِجوا من الخلف. وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم الفارين فرجع من سمع صوته، ودافع عنه الصحابة كطلحة وأبي بكر وأبي عبيدة وسعد بن أبي وقاص حتى تفرق المشركون.

أثر الذنوب في خذلان العبد وعفو الله عن الصحابة في أحد

يشرح المقطع كيف تكون الذنوب سببًا في استزلال الشيطان للعبد وتخليله في المواقف العصيبة، بينما الإخلاص والتوبة والاستغفار يورثان التوفيق. ويستعرض عفو الله عن الصحابة الذين فروا يوم أحد، مؤكدًا أن خروجهم لنصرة الدين شفع لهم، وأن التوفيق للتوبة من أعظم نعم الله.

المصائب مكفرة للذنوب ورفعة الدرجات وفرح الله بتوبة العبد

يوضح المقطع أن الابتلاءات والمصائب تكفر ذنوب المؤمن وترفع درجته في الجنة، مبينًا كرم الله وحلمه وفرحه بتوبة العبد. كما يصف تأثير الذنوب في اسوداد القلب، وكيف أن التوبة الصادقة تمحو تلك الغشاوة وتعيد القلب إلى صفائه.

الحمد لله على الإحسان والكرم الإلهي وخاتمة الدرس

يختم المؤلف بالتأكيد على أن الله تعالى لم يُجرِ على العبد ذنباً ولم يصدر عنه عيب، فيحمد الله على إحسانه العظيم وكرمه الواسع لعباده. ويختتم بقوله: الله تعالى أعلم، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعد رحمه الله: أن قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155]. قال رحمه الله: يخبر تعالى عن حال الذين انهزموا يوم أحد، هم الذين أوجب لهم الفرار، وأنه من تسويل الشيطان، وأنه تسلط عليهم ببعض ذنوبهم، فهم الذين أدخلوه على أنفسهم ومكنوه بما فعلوا من المعاصي لأنها مركبة ومدقلة. فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾، وهذا كما قلنا حصل بعدما حاصر الكفار أهل الإسلام، لما خرج الرماة من على الجبل وعصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فجاء الكفار من خلف، فصار المسلمون في الوسط بين المشركين الذين كانوا في مكانهم، وكذلك بين من كان مع خالد بن الوليد رضي الله عنه قبل أن يسلم، من كان معه وجاءوا من خلف، فصاروا في الوسط. فكان بعضهم أصبح كما ذكر ربنا جل وعلا، وذكر حالهم: ﴿ إِذْ تَصْعَدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ ﴾ [آل عمران: 153]، والرسول يدعوكم في أخراكم، ﴿ إِذْ تَصْعَدُونَ ﴾ كما ذكر الله جل وعلا، أي تجدون في الهرب، أنتم تريدون مكانًا لتهربوا فيه، ﴿ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ ﴾، أي لا يلوي أحد منكم على أحد، أي لا ينظر من صاحبهم كذا همه أنه يفر بنفسه. فحصل هذا، وكان أيضًا هذا بسبب ما حصل من معصية النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضًا هناك من المنافقين من ينخر في الصف، هناك من المنافقين أيضًا من ينخر في الصف، لكن الذين جاءوا عند رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم في أخراهم، أي: «يا عباد الله»، أو يقول: «إليَّ عباد الله، ألم، إليَّ»، فكان من سمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم رجع إليه، وكان منهم من يقاوم ومن يقاتل، كالصديق رضي الله عنه، وكأبي عبيدة، وغير من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. قال أبو عبيدة: فلما سمعت صوت النبي عليه الصلاة والسلام رجعت إلى الصوت، فرأيت عنده من الكفار من هو، وهناك الأنصار حوله، ثم دفعوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد دفع قبلهم طلحة بن عبيد الله، كان حارس النبي عليه الصلاة والسلام في وحد، حتى أنه قتل جماعة من الأنصار ممن كان يحمي النبي عليه الصلاة والسلام، فما بقي إلا طلحة، فكان يجابههم وحده حتى جاء الصحابة، لما سمعوا صوت النبي عليه الصلاة والسلام جاء الصديق، وجاء أبو عبيدة، وجاء سعد، حتى كان سعد رضي الله عنه يقول: قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «انثر نبلك يا سعد»، فنثر نبلك، أي سهامه، قال: فكنت أرمي وأصيب، قال: حتى أنه جاء في بعض الروايات في مسند الإمام أحمد، وإسنادها لا بأس به، أنه كان يرمي بدون نبل، بعدما انتهى النبل كان يرمي بدون نبل ويصيب، حتى تفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم. فصعد النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك الصخرة، وصعد إلى الجبل، وصعد الصحابة معه، فلذلك قال ربنا جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾، هذا سبب الذنوب. سبحان الله، تجد أن الذنوب تخذل العبد في المواقف، هذه الذنوب ليست هينة، قد يكون الإنسان مثلًا لا يرى أثرها في أيامه وفي أيضًا كذلك حياته، لكن قد يرى أثرها في الفتن، يرى أثرها في هذه الحوادث العظيمة، فلا يوفق بسبب ذنوبه، فلذلك قد تخذله ذنوبه في مثل هذه المواقف، وفي مسألة الفتن، معناه يخسر في الاختبار والامتحان، يمتحنه الله عز وجل بفتنة يسيرة فيخسر فيها ويسقط، وأيضًا كذلك يهوي مع الهاوين. لكن الذي هو طايع لله، ولو كان مثلًا عنده ذنوب، لكنه يستغفر ويلوم نفسه، وكذلك يحاول أن يتقرب إلى الله بالطرق التي شرعها الله جل وعلا، فهذا قد يوفقه الله، فالإخلاص له دور، الإخلاص في مثل هذه الأمور له دور عظيم، حتى وإن وجدت الذنوب، لكن يوجد اللوم والاستغفار والتوبة. فقال: ﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾، معناه: جر عليهم وأغواهم بسبب هذه الذنوب، قال جل وعلا: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾، سبحانه وتعالى. ولقد عفى الله عنهم، ولهذا لما أنكر بعض من أنكر على عثمان أنه فر في وحد، فقال له ابن عمر: وماذا قال الله؟ أليس قال الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾؟ فالله عز وجل عفى عنه، فلا يحق لحد أن يعيرهم بعد أن عفى الله عز وجل عنهم، فهذا شيء حصل، لكن هذا قد عفى الله عز وجل عنهم وغفر لهم، والله عز وجل غفور حليم، سبحانه وتعالى. فقال: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾، قال المؤلف رحمه الله: قال: فلو اعتصم بطاعة ربهم لما كان له عليهم من سلطان، قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ [الإسراء: 65]، ﴿ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ [الحجر: 42]. قال: ثم أخبر أنه عفى عنهم بعد ما فعلوا ما يوجب المؤاخذة، وإلا فلو آخذهم لاستأصلهم، فعفى الله عز وجل عنهم وهو الكريم سبحانه وتعالى، وقد كانوا خرجوا لأجل نصر دين الله جل وعلا، فهذا العمل قد يكون شفع لهم عند الله جل وعلا. قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾، قال: غفور للمذنبين الخطائين بما يوفقهم له من التوبة والاستغفار والمصائب المكفرة، فالتوفيق للتوبة أمر عظيم وهو من الله جل وعلا، يوفق العبد إلى توبة، ولهذا فسر بعض العلماء قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين»، الذي جاهر في المعصية، قال: «كل أمتي معافى»، أن يعافيه الله عز وجل بأن يتوب عليه ويوفقه للتوبة، يوفقه للتوبة، هكذا فسره شيخ الإسلام وغيره. وأيضًا جاء عن الإمام أحمد: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين»، يعافون أن يوفقهم الله عز وجل للتوبة، وأما المجاهر فلا يوفق للتوبة، لأن الله عز وجل قد ستره وهو يهتك ستر الله عز وجل عليه، يبيت يستره الله، فإذا أصبح هتك ستر الله، يقول: فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا من المعاصي، فهذا تسميع، والمراءة في العمل، والمجاهرة أيضًا كذلك في العمل، مجاهرة بالعمل، وكذلك مجاهرة بالقول، مجاهر بأنه قال كذا وكذا، وأنه فعل كذا وكذا. قالوا: والمصائب المكفرة، عنها يغفرها الله عز وجل، ويجعل هذه المصائب له تكفر ذنوبه، أحيانًا قد استغفار العبد وتوبته، قد يتوب الله عز وجل عليه، لكن ذنوبه تكون عظيمة، يريد الله عز وجل أن يرفع درجته، فيبتليه بالمصائب، بالمرض، يبتليه بشيء من ما يكون في هذه الحياة، بابنه، بمرض ابنه، بفقده، بكذا، مصائب كثيرة، فهذه المصائب تكفر الذنوب. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، حتى يتركه يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة»، لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، حتى يتركه يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة، هذا في الدنيا، وفي الآخرة قد يبتلي الله عز وجل العبد لأجل أن يرفع درجته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن العبد قد لا يدرك هذه الدرجة التي بلغه الله عز وجل له، فيبتليه حتى يبلغوا هذه الدرجة، ما يستطيع بعمله، ما يستطيع أن يصعد هذه الدرجة العظيمة في الجنة بعمله، عمله قليل، لكن يبتليه الله عز وجل فيرفعه بالابتلاء»، يعني يبتليه الله عز وجل فيرى صبره، ويرى أيضًا كذلك رضاه وشكره وغيرها من الأمور العظيمة التي تكون في البلاء، فيرفعه الله عز وجل إلى هذه الدرجة التي لا يستطيع أن يأتي بها بعمله، وهذا بفضل الله عز وجل. قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾، غفور للمذنبين الخطائين بما يوفقهم له من التوبة والاستغفار والمصائب مكفرة، حليم لا يعاجل من عصاه، بل يستعتب به ويدعوه إلى الإنابة إليه والإقبال عليه، ثم انتاب وأناب قبل منه، وصيره كأنه لم يجر منه ذنب. سبحان الله، ربنا جل وعلا كريم وحليم، وكذلك غني سبحانه وتعالى عن طاعة الطائعين، إلا أنه يفرح بتوبة عبده ويحب الشكر من عبده، وكذلك العبادة، وكما جاء في الحديث: «لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم براحلته يائس منها، وفيها زاده وطعامه وشرابه، فأنفلتت عليه هذه الدابة، ثم نام تحت ظل شجرة، فجاءت هذه الدابة بما معها»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى قام فرحًا، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح». فربنا جل وعلا يفرح بتوبة عبده، مع أنه سبحانه وتعالى غني عن هذه التوبة، لكن من كرمه جل وعلا وحلمه سبحانه وتعالى لعباده ولطفه بهم، أنه يفرح بتوبتهم ورجوعهم إليه، وكلما تقرب العبد إلى ربه قرب الله عز وجل منه أعظم من قربه، كما جاء في الحديث، حديث بهريرة في صحيح البخاري. فلذلك قال: وصيره كأنه لم يجر منه ذنب، يعني يمسح عليه ذنوبه، ويصير ليس عليه ذنوب، مثل ما جاء في حديث: «قلوب على قلبي، أبيض مثل الصفاء، لا تضره فتنة ما دامت السموات الأرض»، يصير القلب صافي، وفي حديث بهريرة في سنن أبي داود وأحمد، قال: «إذا أذنب العبد ذنبًا نكتت فيه نكتة سوداء، فإن تاب ورجع سقل قلبه»، أي: أخرجت هذه العلامة السوداء من القلب حتى يصير صافيًا مثل اللبن، فقال: «سقل قلبه، فإن عاد عادت»، فكان عاود الذنوب، عادت هذه الغشاوة حتى يعلو على قلبه الران، الذي قال الله عز وجل: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]. قال رحمه الله: ولم يجر منه ذنب، ولم يصدر عنه عيب، فلله الحمد على إحسانه، فهذا إحسان عظيم من الله جل وعلا، وأيضًا كرم من الكريم جل وعلا لعباده. فهذا ما خلاصة ما يذكر، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر