الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 90، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر السعدي آيات آل عمران التي تنهى المؤمنين عن مشابهة الكفار والمنافقين في زعمهم أن الموت ينتج عن الخروج للجهاد أو السفر، موضحاً أن الموت مكتوب بقضاء الله وقدره ولا يسببه القتال. ويضرب مثال خالد بن الوليد الذي خاض معارك كثيرة ومات على فراشه دليلاً على أن الأجل محدد من الله لا من تحركات الإنسان.
يحذر الله المؤمنين من مشابهة الكافرين والمنافقين الذين ينكرون القدر بقولهم لو كانوا عندنا ما ماتوا، ويرد عليهم بآية ﴿قُلْ لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾. ويبين الفرق بين المؤمن الذي يرضى بقضاء الله فيحزن حزناً عابراً، والمنافق الذي تملأ الحسرة قلبه، مؤكداً أن الحذر لا يغني من القدر وأن كل نفس ذائقة الموت بأجلها المكتوب.
يؤكد المقطع أن الأجل مكتوب لا يتقدم ولا يتأخر، وأن القتل أو الموت في سبيل الله ليس نقصاً بل مغفرة ورحمة خير من الدنيا. كما يبين أن مرجع الخلق جميعاً إلى الله، والفرار من قدره مستحيل، فالمؤمن يبيع نفسه لله طمعاً في الجنة.
يشدد المقطع على أن الملجأ الوحيد للخلق هو حبل الله وكتابه وشرعه ودينه، كما أوضحه المؤلف في تفسير الآيات. ويختتم بدعوة للاشتراك في القناة للاستفادة من المزيد من الدروس.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾. قال رحمه الله: ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يشابهوا الكافرين الذين لا يؤمنون بربهم ولا بقضائه وقدرهم من المنافقين وغيرهم. وتقدم أن الله عز وجل ذكر كلامهم في غزوة أحد، وأنهم قالوا: «لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هنا». قالوا: «لو شاورونا وأعطونا من الأمر لما قتل أصحابنا الذين قتلوا، ولما حصلت هذه الغلبة». فرد الله عز وجل عليهم بأنهم لو كان هؤلاء في بيوتهم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم. هؤلاء الذين قتلوا هنا لو لم يخرجوا لجاءهم الموت وهم في مضاجعهم. فليس هذا معنى صحيحًا أن قتال الأعداء هو أقرب للقتل، لكن ليس معناه أنه لابد أن يقتل أو لابد أن يموت الإنسان في ذلك المكان، ممكن أن يموت في فراشه. كم من مجاهد في سبيل الله وقد أكثر في الجهاد ومات على فراشه! وأقرب مثال كما هو معلوم لديكم: خالد بن الوليد رضي الله عنه، خاض حروبًا كثيرة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وفي زمن أبي بكر وعمر، ثم مات على فراشه، وقد خاض معارك كثيرة جدًا. فليس المرء يموت لأجل أنه يقاتل، وإنما الموت والقتل من الله جل وعلا، فهو الذي يكتبه على الخلق. لهذا فلا يجوز لأحد أن يقول مثل هذا الكلام الذي قال هؤلاء المنافقون. ثم إن الله عز وجل حذر أهل الإيمان أن يكونوا مثل هؤلاء: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾، يخرجوا يجاهدون أو يسافرون، ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. إنهم يقولون: «لو كانوا عندنا ما ماتوا»، وهذا مثل الذي يقول: «لو فلان ما خرج إلى هذا المكان أو إلى كذا لم يمت». وهذا كلام باطل، وعدم إيمان بقضاء الله وقدره. وإنما هذا سبب فقط لخروجه، لموته حصل مثلاً بسفره، هذا الموت حصل بخروجه من البيت، حصل كذا، فهو سبب حصل له. وأما الموت فهو مكتوب عليه لا محالة. فقال هنا: حذر الله عز وجل عباده المؤمنين أن يشابهوا الكافرين الذين لا يؤمنون بربهم ولا بقضائه وقدرهم من المنافقين وغيرهم، ينهاهم عن مشابهتهم في كل شيء، وفي هذا الأمر الخاص: وهم أنهم يقولون لإخوانهم في الدين أو في النسب: إذا ضربوا في الأرض أي سافروا للتجارة، أو كانوا غُزًّى أي غزاة، ثم جرى عليهم قتل أو موت، يعارضون القدر ويقولون: «لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا». وهذا كذب منهم، فقد قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ﴾، لجاءهم الموت إلى مضاجعهم. قال: ولكن هذا التكذيب لم يفده إلا أن الله يجعل هذا القول وهذه العقيدة حسرة في قلوبهم، فتزداد مصيبتهم. وأما المؤمنون فإنهم يعلمون أن ذلك بقدر الله. سبحان الله! تجد هذا العجب في الناس: أهل النفاق وأهل الكفر، وأيضًا كذلك قد يكون معهم من أهل الإسلام ممن هو ضعيف الإيمان، تجد أنه يتأثر بموت قريبه تأثرًا عظيمًا حتى يخرجه ذلك عن الصبر فيجزع، وأيضًا كذلك يظل وقته وهو حزين متأثر، وكأنه لا يؤمن بقضاء الله وقدره. وأما أهل الإيمان فإن حزنوا فهو حزن عابر في القلب لا يؤثر عليهم، وإن كان مثلاً حصل شيء فدمع العين، وأما الرضا والصبر فموجود في قلوبهم. لهذا فهم يعلمون أنه ما من أحد إلا وهو راجع إلى الله، لهذا إن أصابهم حزن بقريب فهو حزن القلب ودمع العين فقط. قال: وأما المؤمنون فإنهم يعلمون أن ذلك بقدر الله، لكن أهل النفاق وغيرهم تجد الحسرة في قلوبهم ويتعذبون بهذا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. قال: وأما المؤمنون فإنهم يعلمون أن ذلك بقدر الله فيؤمنون ويسلمون، فيهدي الله قلوبهم ويثبتها ويخفف بذلك عنهم المصيبة. قال الله ردًا عليهم: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، أي هو المتفرد بذلك، فلا يغني حذر عن قدر. قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، فيجازيكم بأعمالكم وتكذيبكم. الذي يحيي ويميت هو الله جل وعلا، فلا يغني حذر عن قدر، لا يغني الإنسان الحذر. وجاء في ذلك حديث، لكن كما ذكرنا في دروس الدعاء في رمضان أنه لا يصح، لا يصح، لكن جاء عن بعض الصحابة، جاء عن ابن عباس: «لا يغني حذر من قدر، ولكن ولا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يرد القضاء إلا الدعاء». فحصول الموت بيد الله جل وعلا، الله عز وجل قد كتب آجال الناس: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ﴿وَمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ﴿وَكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. فكل نفس ذائقة الموت، وإنما تتعدد الأسباب، وأحيانًا يكون بغير سبب. فالموت مكتوب، ومنذ أن خلق الله عز وجل هذا المخلوق، بل قبل أن يخلقه في الأرض وهو في بطن أمه قد كتب أجله، فلا يتقدم ولا يتأخر على هذا الأجل. فكم من سقيم معافى لم يمت، وكم من صحيح مات من غير علّة. قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، فيجازيكم بأعمالكم وتكذيبكم. قال: ثم أخبر تعالى أن القتل في سبيله أو الموت فيه ليس فيه نقص ولا محذور، قوله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ليس هناك عيب في أن يقتل الرجل في سبيل الله أو يموت فيه. والفرق بين القتل والموت: أن القتل يكون بضرب العدو، والموت يكون يموت بسبب من أسباب الموت الأخرى، مثلاً يأتيه مرض، أو مثلاً يموت من شدة التعب، أو غيرها من هذا، فهذا يعتبر موتًا في سبيل الله. قال: ليس فيه نقص ولا محذور، وإنما هو مما ينبغي أن يُتنافس فيه المتنافسون، أي في القتل في سبيل الله جل وعلا. تنافس أهل الإيمان بأن يجاهدوا في سبيل الله ويفدوا أنفسهم لله عز وجل الذي خلقهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ﴾. أي هذا الفداء العظيم، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به. فقال: لأنه سبب مفضٍ وموصل إلى مغفرة الله ورحمته، فهو لا خسارة فيه، بل فيه الأجر العظيم والمغفرة من الله، وذلك خير مما يجمع أهل الدنيا من دنياهم. أن مغفرة الله عز وجل خير للعبد من كل ما في الدنيا. فهذا الذي في الدنيا يوم القيامة يفتدي به الكافر والمنافق لأجل أن يتخلص من عذاب الله جل وعلا، يريد هذه المغفرة. وهذا الذي يجاهد في سبيل الله ويقتل في سبيل الله يجد هذه المغفرة، فهي خير مما يجمع عليه الناس من الدنيا. ثم قال: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾. قالوا: أن الخلق أيضًا إذا ماتوا أو قتلوا بأي حالة كانت فإنما مرجعهم إلى الله ومآلهم إليه، سواء كان مات مقتولًا في سبيل الله، أو قتل في فتنة، أو مات من غير قتل، كل ذلك كل هؤلاء راجعون إلى الله. فرجوع... فرجوع... فرجوع إلى الله جل وعلا. وأنت قد فديت نفسك لله عز وجل وبعت نفسك لله سبحانه وتعالى، أعظم لك من أن تموت هكذا. ولهذا قال خالد: «لا نامت أعين الجبناء». قال: فإنما مرجعهم إلى الله ومآلهم إليه، فيجازي كلا بعمله. فإن الفرار... إلى الله، وما للخلق عاصم إلا الاعتصام بحبل الله. أين تفر من أمر الله جل وعلا؟ لأنك راجع إليه، فليس هناك معتصم يعتصم به الخلق إلا حبل الله جل وعلا وكتابه وشرعه ودينه. هذا ما ذكره المؤلف في تفسير هذه الآيات. الله تعالى... اشتركوا في القناة.