تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 36

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 36

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 36، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

المحرمات من الرضاعة وقياسها على النسب

يشرح المقطع أن المحرمات من الرضاعة تُقاس على المحرمات من النسب، فيصبح زوج المرضعة أباً للمرتضع وأولاده إخوته. وتحرم الأمهات والجدات والأخوات والعمات والخالات من الرضاعة كما تحرم من النسب مستدلاً بالحديث النبوي الشريف.

انتشار الحرمة بالرضاع والفرق بين المرضعة والمرتضع

يوضح المقطع أحكام انتشار الحرمة بالرضاع مبيناً أن المرضعة يحرم عليها وعلى أصولها وفروعها وحواشيها، بينما المرتضع لا يحرم إلا على ذريته فقط. وينبه إلى أن جميع أبناء المرضعة وزوجها إخوة للمرتضع بغض النظر عن ترتيب الولادة مع شرط الخمس رضعات مشبعات.

شروط الرضاع المحرم وأحكام رضاع الكبير

يبين المقطع أن الرضاع المحرم يشترط فيه خمس رضعات مشبعات خلال الحولين ولا عبرة برضاع الكبير إلا في حالات خاصة. ويرجح جمهور العلماء أن الرضاع لا يؤثر بعد الفطام ونمو العظام مستدلين بالأحاديث النبوية الواردة في تحديد وقت الرضاع.

خاتمة المحرمات من الرضاع والإشارة للمصاهرة

يختتم المتحدث حديثه عن المحرمات الناتجة عن الرضاع مشيراً إلى أن المحرمات الناتجة عن المصاهرة ستُبحث في درس قادم. ويكتفي بهذا القدر مستعيناً بعلم الله تعالى في ختام المجلس العلمي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: أخذنا الدرس الذي مضى بالتفسير: المحرمات من النسب، في قول جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾. ثم قال جل وعلا: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ﴾. فذكر اثنتين، أو امرأتين، من المحارم من الرضاعة. قال رحمه الله: وأما المحرمات بالرضاعة فقد ذكر الله عز وجل منهن الأم والأخت، وفي ذلك تحريم الأم، مع أن اللبن ليس لها، إنما هو لصاحب اللبن. صاحب اللبن هو الزوج. ولهذا، إذا كان الرجل معه امرأتان، إحداهما أرضعت طفلًا رضاعتين، والثانية أرضعته ثلاث رضعات، فتكون هذه... فليس إحداهما أماً له، لكن هذا زوجهما يكون أبًا له. لهذا، تأثير اللبن هو الذي يكون في التحريم. لهذا قال المؤلف: «مع أن اللبن ليس لها، إنما هو لصاحب اللبن». ويريدون به الزوج. الزوج هو صاحب اللبن؛ لأن المرأة إذا لم تكن متزوجة ليس فيها لبن. معنى: إذا لم تلد فليس فيها لبن. لهذا، فيتكون هذا الولد، أو يتكون هذا اللبن بحملها ووضعها. فإذا وضعت جاء هذا اللبن فهو للأب، له تأثير على هذا. لهذا، النبي عليه الصلاة والسلام، لما قالت له عائشة رضي الله تعالى عنها: أراد... أراد أخي أبي القعيس أن يدخل على عائشة، فاستأذن فلم تأذن له. فقالت للنبي عليه الصلاة والسلام: «إن أخي أبي القعيس أراد أن يدخل عليّ». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ائذن له، فإنه عمك». قالت: يا رسول الله، ليست امرأته... امرأته التي أرضعتني، وإنما التي أرضعتني امرأة أبي القعيس. قال: «ائذن له، فإنه عمك». فهنا جعله عمًا له، وهو أخو أبي القعيس. هذه امرأته هي التي أرضعت عائشة رضي الله عنها. لهذا قال: «إنما هو لصاحب اللبن». دلّ بتنبيه على أن صاحب اللبن يكون أبًا للمرضع، أو للمرتضع. فإذا ثبتت الأبوة والأمومة، ثبت ما هو فرع عنهما كأخوتهما، وأصولهما، وفروعهما على الفروع والأصول. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». على نفس السبع، الوصول السبع التي ذكرناها في النساء من النسب. المحرمات من النسب نفسها محرمات من الرضاع. وأيضًا ما تفرع عنها. مثالًا الآن: قلنا الأم، الأم من الرضاعة، وأم أمها، وأم الأب، وما على وهكذا. أيضًا من الرضاع: إذا كانت امرأة أرضعت ولدًا، فتكون هذه المرضعة أماً له ومحرمًا له. وكذلك أمها، سوى كانت أمها... معنى أمها وجدتها، سوى كانت جدتها من أبيها ومن أمها، تكون أيضًا محرمة له من الرضاع. وإخوانها يكونون أخوالًا له. معنى: إذا كانت بنتًا، يكونون... أم هذه المرضعة أخوالًا... أخوالًا لهذه المرتضعة البنت. وكذلك أيضًا زوج هذه المرأة يكون أبًا لها، وإخوانه يكونون أعمامًا لهذه المرتضعة. وكذلك أبناءه، أبناء هذا الزوج، سوى كان من نفس المرأة التي أرضعت، أو من غيرها. معنى: سوى كان من نفس هذه المرأة التي أرضعت هذه البنت، أو من غيرها، أيضًا يكونون إخوة لها. وهذا يغلط فيه كثير من الناس: أن إذا كان مثلًا رجل عنده امرأة، فهذه المرأة أرضعت بنتًا، هذه البنت يكون هذا الزوج لها أبًا. فأبناء هذا الزوج، سوى كان من نفس المرأة التي أرضعتها، أو من امرأة أخرى، فيكونون إخوة لها. يكونون إخوة لها. وكذلك إذا كان ذكرًا، هذا الأب... معنى: زوج المرأة هذه التي أرضعت هذا الولد، عنده بنات من امرأة أخرى، سوى كان كبارًا أو صغارًا. إذا كان عنده بنات من امرأة أخرى، يكونون إخوة لهذا الولد الذي ارتضع من زوجة أبيهم، من زوجة أبيهم. لهذا، فالتحريم هنا يتفرع مثل تفرع النسب. تحريم الرضاع يتفرع مثل تفرع النسب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». فكل امرأة تحرم من النسب تحرم من الرضاع. كل امرأة تحرم من النسب تحرم من الرضاع. وأدخل العلماء في المصاهرة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الرضاع أيضًا. فقال... وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». فينتشر التحريم من جهة المرضعة، ومن له اللبن، كما ينتشر من له اللبن. معناه: الزوج، كما ينتشر في الأقارب، وفي الطفل المرتضع إلى ذريته فقط. معنى: الطفل المرتضع، أو المرأة، أو البنت المرتضعة، ينتشر التحريم في نسلها، ينتشر التحريم في نسلها، أو في ذريتها. أما مثلًا إخوانها، ليس لهم دخل. أخواتها ليس لهم دخل في هذا الرضاع. أيضًا كذلك أمها وآباؤها... أيضًا أمها وأبواها أيضًا لا يدخلان في هذا الرضاع. ما لا... معنى: ما يؤثر فيه الرضاع، يؤثر في نسلها. معنى: هذه المرتضعة... هذه المرتضعة، بخلاف المرضعة. المرضعة يسري الرضاع فيها، وفي أصولها، وفي فروعها، وفي حواشيها. حواشيها: معنى أخوالها وأعمامها وإخوانها. هذه سماها حواشي. والأصول: الأباء. أن أباها، أبو هذه المرضعة، يكون جدًا لهذه البنت التي ارتضعتها. وكذلك أيضًا عم هذه المرأة المرضعة، عمها يكون أيضًا عمًا للبنت التي رضعتها، رضعتها. وكذلك أيضًا خالها وإخوانها، كما ذكرنا. فكل ما يكون كما ذكرنا في النسب، المحرمات في النسب مثلها في الرضاع، مثلها في الرضاع. لكن فقط الفرق: أن المرضعة، المرضعة يكون تأثير التحريم وانتشار التحريم في أصولها وفروعها، أي أبنائها، وأيضًا حواشيها: إخوانها، وأخوالها، وأعمامها. لكن المرتضعة، سواء كان بنتًا أو ولدًا، مثلًا مرضع... هذا ما يؤثر التحريم إلا في نسله، في ذريته. أما أصوله، وأيضًا حواشيه من إخوانه، من أخواته، من أعمام، أخوالها... أو لا، لا دخل لهم في الرضاع. وإنما هذه المرتضعة التي ارتضعت، أبناؤها، ومن جاء من نسلها، هو الذي يؤثر في التحريم. فإذا كان مثلًا امرأة أرضعت بنتًا، البنت هذه تزوجت... تزوجت هذه البنت، وأنجبت أولادًا وبنات. هؤلاء، زوج هذه المرأة يكون أبًا... جدًا لهؤلاء الأبناء. وهكذا أيضًا إخوة هذه المرأة المرضعة يكونون أيضًا أخوالًا لهؤلاء الأبناء الذين جاءوا بعد. هكذا قالوا: «من اللبن». كما قال: «ينتصر التحريم من جهة المرضعة، ومن له اللبن، كما ينتشر في الأقارب، وفي الطفل المرتضع إلى ذريته فقط». إلى ذريته فقط. لكن بشر... طيب، قبل هذا هناك مسألة يغلط فيها كثير من الناس، وهي مسألة: إذا أرضعت المرأة ولدًا أو بنتًا، وهذه المرأة لها أبناء، أو لزوجها أبناء. معنى: سواء كان منها، أو من غيرها. فتجد كثيرًا من الناس يحسب أن هذه البنت التي ارتضعت مثلًا من أمهم، يكونون إخوانها الذين هم مثلها وأصغر منها. أنا لا شك أن المرأة غالبًا يكون اللبن فيها إذا ولدت، فهذا ولدها. معنى: يكون مثل هذا الرضيع الذي رضعته غالبًا. فتجد بعضهم يقول: أن من كان تحت هذا البنت، وهذا الولد الذي ارتضع، هؤلاء يكونون إخوة له. معنى: الذي رضع بلبن... معنى: العم التي رضعت بلبن ولدها، رضعت آخر، فيقولون: هذا أخو هذا الذي رضعت، ومن جاء بعده. وأما من كان قبله، يقولون: ليس إخوة له. وهذا خطأ. وهذا خطأ. بل كلهم إخوة له. كل من تعلق بهذه المرأة وهذا الزوج من الأبناء، يكونون إخوة له، سوى كان كبارًا أو صغارًا، سوى كان صغارًا أو كبارًا. وليس التعلق فقط بمن رضع بلبنها، بل بل كل كل أبناء هذه المرأة المرضعة، وأبناء زوجها، يكونون إخوة لهذه المرتضعة، أو لهذا المرضع الطفل. قال: لكن بشرط أن يكون الرضاع خمس رضعات في الحولين، كما بينت السنة. وهذا من شروط الرضاع على قول جمهور العلماء. أن الرضاع لا بد أن يكون خمس رضعات، بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «أنه كان فيما أنزل عشر رضعات يحرمن، ثم نسخن إلى خمس رضعات، ومات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهن مما يتلى في القرآن». عن هذه الآيات أنها خمس رضعات. لكن نسخ أيضًا لفظ هذه الآية، نسخ لفظ هذه الآية، لكن بقي الحكم، بقي الحكم وهو خمس رضعات. فلم ينسخ، لم ينسخ الحكم. لهذا قال جمهور العلماء: إنه لا بد خمس رضعات. المرأة ترضع هذا الطفل حتى يترك بنفسه، يترك الثدي بنفسه. إذا ترك الثدي بنفسه، ليس عن عارض، مثلًا عطس أو شيء أفزعه فترك. لا، لا بد أن يكون يتركه بنفسه، ليس هناك عارض. فإن أرضع منها وتركه بنفسه هكذا خمس مرات، فإنه يكون ولدها، وهذا الرضاع صحيح. وأما إذا أرضعته مثلًا مرتين، أو ثلاث، أو أربع، فإنه لا يكون ابنها، ولا ينتشر هذا التحريم. والأمر الثاني أيضًا: أن يكون في الحولين. أنا لا بد أن يكون في... معنى: من سنتين. ولا يحرم... أما أكبر من سنتين، لا. إذا كان مثلًا سنتان ونصف، هذا الطفل، وأرضعته هذه المرة، فهذا لا ينتشر التحريم، لا ينتشر التحريم. هذا الرضاع ليس له أثر. وأما حديث سالم مولى أبي حذيفة، لما جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: «إن سالم قد كبر، وصار رجلًا ذا لحية، وإني رأيت أن أبا حذيفة وجد في نفسه...» معنى: من دخول سالم. هذا مولى أبي حذيفة، ليس ابنه، وإنما مولى له، وهو الذي رباه، عنه ربته أم سهلة هذه. فلما كان يدخل، كأن أبا حذيفة يتحرج من دخول سالم على زوجته، مع أنه هي التي ربته. فسألت سهلة بنت سهيل، هذه امرأة أبي حذيفة، سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه الحالة. فقال: «أرضعيه تحرمي عليك». قال: «أرضعيه تحرمي عليه». فالعلماء هنا اختلفوا في توجيه هذا الحديث. فأكثر العلماء يقولون: أن هذه خاصة بسالم، خاصة بسالم. وهناك قول أفضل، وهو قول شيخ الإسلام: قال: هو خاص بسالم، ومن كان مثله، ومن كان على عذر مثله. مثل إنسان تربى في بيت، وصار ابنًا لهم. مثلًا إما ابن أختها... أقصد ابن مثلًا أحد من بنات عمها، أو كذا. المهم: المرأة ربته، وهي التي أنشأته، لكن ما أرضعته. معنى: بعض النساء تجد أنها ما ولدت، ما يكون فيها لبن، لكن قد تربي صبيًا، تربي وترعاه. فكيف هذا يكون؟ إذا كان فيها لبن، فهي ترضعه. وهذا الرضاع عند جمهور العلماء لا... لا يشترط أن يكون مباشرة. لا يشترط أن يكون هذا الرضاع مباشرًا. ممكن مثلًا تضعه في كوب ويشرب. معنا: لا يكون مباشرًا عند جمهور العلماء. لهذا، النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا رضاع إلا في الحولين». لا رضاع إلا في الحولين، كما جاء في حديث ابن عباس، وجاء أيضًا من حديث أم سلمة نحوه. فهذا الذي يؤثر. وأما حديث سالم، كما قلنا: فهي خاصة بحالة سالم، ومن كان مثله. وهناك من العلماء الظاهرية من يقول: أن الرضاع يؤثر ولو كان للكبير. الرضاع يؤثر ولو كان للكبير. لهذا انتشر مقطع للشيخ ابن عثيمين يحذر من رضاع الرجل من ثدي امرأته، من ناحية أنه قول لبعض الظاهرية، قول لابن حزم وغيره. لأنهم يقولون: معناه... ابن حزم يقول: إذا رضع الرجل من زوجته، وشرب لبنًا، لأنه عنده ما يشترط حتى خمس رضعات، المهم يشرب. فيقول ابن حزم: إذا ارتضع الرجل من ثديها، وشرب لبنًا، حرمت عليه، صارت محرمة عليه، ما يجوز أنه يأتيها، تكون من محارمه. وهذا قول ابن حزم، واعتمد على حديث سالم هذا، ولا بحديث وهو يضعف هذا الحديث. حديث ابن عباس وحديث أم سلمة، لكن الصحيح أنها أحاديث صحيحة، وأنه لا يكون رضاع إلا إذا فتق لمعا، وأنشز اللحم. معناه: ما يكون هذا اللبن إلا إذا كان يؤثر في الجنين. معناه: كما يقول: «فتق لمعا»، معناه: يفتح لمعا، وأيضًا ينشز العظم، ينشز العظم، معناه: يستفيد من هذا اللبن. أما الكبير، ما يستفيد من لبن المرأة، ما سيستفيد من لبن المرأة، لا في مثلًا تغذية، ولا في أيضًا لأجل مثلًا العظامة أو كذا. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا رضاع إلا فيما فتق المعاء، وأنشز العظم». وأيضًا جاء في الصحيحين: «لا رضاع». قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أزواجه: «انظروا من... من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة». فإنما الرضاعة من المجاعة. والمراد من المجاعة: معناه التي يستفيد منها الطفل، يستفيد منها الطفل. أما الكبير، ما سيستفيد، حتى لو رضع، ولو أخذ من هذا اللبن، ما سيسد جوعته، ما سيسد جوعته. وإنما الرضاعة التي تؤثر في من سد جوعه. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في المحرمات من الرضاع، والمحرمات من المصاهرة إن شاء الله في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.