الدرس في أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول اهتمام أهل السنة والجماعة بالعلم الشرعي واعتباره أساسًا لإصلاح الأفراد والمجتمعات. يشير إلى أن الجهل يؤدي إلى فساد الأحوال.
يُظهر تعظيم أهل السنة للعلم الشرعي واعتباره سبيل النجاة، بينما الفرق الضالة حُرمت من هذا العلم لانشغالها بالتقليد أو العلوم الكلامية. يُبيّن استهانة بعض الجماعات بالعلم الشرعي.
ذكر أن أهل البدع يهونون من العلم الشرعي ويستبدلونه بعلم آخر مثل العلم الحقيقة أو علم الكلام، ظنًا منهم أنه أفضل. يُظهر اتهامهم لأهل السنة بالحشوية.
يشير إلى انتهاء الدرس مع الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ويُظهر تواضع المتحدث بإقراره بأن العلم لله تعالى وحده.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في دروس خلت، إخواني في الله، ونحن في هذه السلسلة في التعرف على أهم الأسس التي أقام عليها نبينا صلى الله عليه وسلم دعوته، كانت تنبيهًا على الركيزة الخامسة، ألا وهي العلم الشرعي. فكنا في المبحث الأول في الدلالة على عناية رسول الله عليه الصلاة والسلام بدعوة الناس إلى العلم، ثم كان في المبحث الثاني الإشارة إلى أهمية العلم كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وها نحن في هذا المبحث الثالث من مباحث العلم، نبين، إخواني في الله، موقف الناس، وأعني بهم الجماعات والتيارات التي حملت راية السير إلى الله والدعوة إليه، كيف هم مع هذه الركيزة التي دللنا عليها أنها من أعظم ركائز دعوته. وأول ما نبتدئ به من مواقف الدعوات النظر إلى دعوة أهل السنة والجماعة، ومدى حرصهم على العلم الشرعي. هذه الدعوة المباركة التي لا ينازع فيها أحد من أنهم اعتنوا بالعلم الشرعي اعتناءً عظيمًا، ما هناك أحد يوازيهم ولا يساويهم في هذا المقام، ولا في هذا المضمار، حتى شهد لهم القاصي والداني، بل بشهادة الشاني، شهدوا لهم بحرصهم على العلم الشرعي، وذلك تحت عدة معطيات، بدءًا بما كان من حثهم على طلب العلم، فرغبوا الجميع بطلب العلم، رغبوا الصغار والكبار، والذكور والإناث، بل والراعي والرعية، والغني والفقير، والتاجر والعظيم، ومن كان فردًا من أفراد المجتمع، إلا وحثوه على أن يطلب العلم. بل أعانوا على نشر العلم، فأقاموا المحاضرات والدروس العامة والدروس الخاصة، وأقاموا الندوات، وهكذا الدورات العلمية الموسمية والشهرية، بل وأقاموا الدروس التي لا تكاد تنقطع في مساجدهم، لا تكاد تنقطع لا في ليل ولا في نهار، ولا في صيف ولا في شتاء، بل على مدار العام. وانظر، يا عبد الله، إلى بناء المراكز العلمية التي تعتبر معلمًا من معالم اهتمام أهل السنة بمقام العلم، هذه المراكز التي يفد إليها الطلاب من كل حدب وصوب، هذه من المعطيات أيضًا من المعطيات التي ندلل بها على اهتمام أهل السنة بالعلم الشرعي. أنهم جعلوا العلم هو المعول أو هو العامل الأساسي في إصلاح الأفراد والمجتمعات، علموا وعلموا غيرهم على أنه لا صلاح للفرد ولا للمجتمع، لا صلاح للأعمال ولا الأقوال ولا الأحوال ولا الطاعات ولا العبادات ولا العقائد ولا الدعوات، ولا صلاح للناشئة ولا صلاح لديننا ولا دنيانا إلا بالعلم، هذا الذي دعوا الناس إليه. بل وأخبروا كذلك أن العكس بالعكس، كما أن صلاح الأحوال بالعلم، كذلكم فساد الأحوال وفساد الأفراد والمجتمعات يكمن في الجهل، يكمن في الجهل، إذا ضاع العلم وخفيت معالمه، فإن من أصبح جاهلًا فقد أوبق دينه ودنياه. وتأمل، وقد أشرنا إلى ذلكم في دروس خلت، ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، وأن يظهر الجهل، وأن يشرب الخمر، وأن يظهر الزنا»، دللنا حينها على فهم العلماء على أن إذا رفع العلم، ما الذي سيصيب المجتمع؟ سيصيب المجتمع بنكبات، فساد الأديان، فساد الأعراض، فساد العقول، هذا متى؟ إذا رفع العلم، فرفع العلم هو أمارة على فساد المجتمعات. ومما يدلل به أيضًا على تعظيم أهل السنة لمقام العلم أنهم جعلوا العلم ميدانًا من ميادين الجهاد، ميدانًا من ميادين الجهاد، فإن الجهاد عند أهل السنة على قسمين: جهاد بالسيف والسنان، وجهاد بالعلم والبيان، جهاد بالعلم بتبليغه، بنشره، والصبر عليه، قال ربنا عز وجل: ﴿وجاهدهم به جهادًا كبيرًا﴾، به يعود إلى ماذا؟ يعود بالقرآن، نجاهد الكفار بالقرآن، بماذا؟ بالعلم، بعلمنا بالقرآن، نجاهد به الكفار بكشف مخططاتهم ومؤامراتهم وفرح عقائدهم وزيف ما هم عليه من باطل، هذا من الجهاد. قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: «من لم يرى أن الغدوة والروحة في طلب العلم من الجهاد، فليتهم عقله»، ترى أن هذا الباب ليس جهادًا لو الله عين الجهاد بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وهكذا هم أهل السنة جعل هذا الميدان، ميدان العلم، ميدانًا من ميادين الجهاد تعظيمًا لمقام العلم. رابعًا، مما يدلل به أيضًا على تعظيم أهل السنة لجناب العلم، أنه ما هناك ملجأ ولا مخرج من الفتن في كل زمان ومكان، وخاصة في هذه الأزمان، بمثل العلم، العلم هو السبيل، يا عبد الله، الذي ينجيك الله من ظلمات الفتن، وخاصة هذه الفتن التي طمت وعمت وعجت في أزماننا، في ليلنا ونهارنا، في بيوتنا وفي أسواقنا، وفي كل شؤون حياتنا، ما هناك نجاة إلا بالعلم، فتنة الشهوات، فتنة الشبهات، فتنة العولمة، فتنة العلمنة، فتنة كذلك الغزو الفكري، وهكذا فتن تطلاطم علينا، إذا أردت أن الله ينجيك منها، أقبل على العلم، أقبل على العلم، يجعل الله لك من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا. أشهد، إخواني في الله، المعطيات كثيرة تدلل على أن أهل السنة حرسوا على تعظيم العلم أيما حرص، وما ذاك إلا تعظيمًا لما كان من كتاب الله ومن سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. ولأطيل في هذا المقام، ننتقل إلى غيرنا من المخالفين من الفرق والجماعات والتيارات والدعوات التي تكتسح عالم الدعوة إلى الله، يا ترى ما حظها من العلم؟ الجواب: ما هناك علم، ما هناك علم الذي قام به أهل السنة والجماعة. فمن تأمل في حال الفرق الضالة والجماعات المنحرفة، يرى أنها حرمت من العلم، وذلك بعدة صور، بدءًا من عدم التوفيق إلى العلم الشرعي، هذا أعظم حرمان، موفق إلى العلم، لربما ضحكوا على أنفسهم وظنوا أنهم قد اشتغلوا بالعلم، لكن أي علم؟ وما العلم أصلا الذي نعنيه؟ العلم الذي نعنيه هو علم الكتاب والسنة. كما قال القائل، ونسب هذا للإمام الشافعي، قال رحمه الله: كل العلوم سوى القرآن مشغلةٌ إلا الحديثة وعلم الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين هذا هو العلم الشرعي، العلم ما كان فيه قال حدثنا، وما سوى ذاك وسواس الشياطين، فهذا هو العلم الشرعي الذي نبغيه، والذي أراده الله لعباده. يا ترى هل هؤلاء وفقوا لهذا العلم؟ تأمل تجد أن من الدعوات لربما علمها يقوم على التقليد وعلى تعطيل العقول وعلى تقديس المشايخ، هذا هو علمهم، وهذا حظهم من العلم، ما هناك علم سوى ذاك. وهكذا من العلوم من يرى أنه قد انشغل بالمقدمات العقلية والمسائل الكلامية، أنه قد بلغ مبلغًا من العلم، وما درى أنه قد حرم من العلم الشرعي الذي أراده الله سبحانه وتعالى. وهكذا من الناس من ربما ينشغل بالأراء الكاسدة والأهواء الفاسدة والاستدلال بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، ويرى أنه قد بلغ باعًا في العلم، وما درى أنه قد حرم من العلم الشرعي. وهكذا، يا عبد الله، كمن دندن على كثير من الطوائف، ظن أنفسهم أنه قد اشتغلوا بالعلم الذي أراده الله، وهم في حقيقة الحال قد حرموا من العلم الشرعي القائم على الكتاب والسنة. طائفة من طوائف أخرى يرون أن العلم الشرعي ما يرفع به رأسًا، وذلك من خلال التهوين والتهميش للعلم الشرعي، فتجدهم مثلًا لا يأمرون بالعلم، ولا يحثون عليه، ولا يرغبون فيه، ولا تجد له أثرًا ملموسًا في دعوتهم، ولا في كلماتهم، ولا في مساجدهم، ولا في واقعهم، ولا في برنامجهم الدعوي كما يسمى، ما تجد شيء اسمه علم، تدريس، تعليم الفقه والعقيدة إلى آخر ذلك، تجد أنهم قد حرموا من هذا الباب، لماذا؟ لمهونوا؟ هم يرون أن هذا ما يستحق. حتى أن بعضهم لرى سمعنا صرع بالفم، ومنهم من يشير من طرف خفي من أن الانشغال بالعلم هذا أدى إلى فساد الأمة، لأنه يصرف الأمة عن واقعها المرير، هؤلاء يعلمون، هؤلاء يدرسون والأمة تذبح، يعني إيش؟ نترك الدروس حتى لا تذبح الأمة، ما علاقة هذا بهذا؟ أم أنه مصيدة، مصيدة يا عبد الله، حتى تدعو الناس إلى التزهيد في العلم الشرعي. ومنهم من يرى أن أهل السنة إذا اشتغلوا بالعلم الشرعي لربما لكع كما يقال، انظروا هؤلاء يشتغلون بفقه الحمامات أو يشتغلون بفقه الحيض والنفاس، ومثل هذه العبارات الجائرة الخبيثة النتنة، والتي فيها الطعن والغمز، حتى سمعنا من بعض الجماعات من تسمي أهل السنة بالحشوية، تسمي أهل السنة بالحشوية. وقد ذكر العلماء كشيخ الإسلام وغيره على أن أهل البدع يطلقون على أهل السنة بالحشوية لهذا المقصد، ما الذي أرادوه بالحشوية؟ أي قالوا أن أهل السنة ما عندهم إلا حشو، ما الحشو الذي تعنونه؟ وقال حشو كلام، ما عندكم إلا قال الله، قال رسوله، قال الصحابة، قال قال، ما عندكم أجل عقلية ولا أجل مقدمات منطقية، سبحان الله، هكذا يعامل العلم الشرعي بالتهوين، وأن يقال من انشغل به بأنه حشوي، بأنه حشوي. لكن هذا الذي يبتلين به، فالحاصل، إخواني في الله، أننا نجد أن من جماعات من هذه الدعوات أنها هونت من العلم الشرعي إلى حد التزهيد والتطاول عليه، بل بعض الفرق الضالة منعوا من العلم الشرعي، منعوا من العلم الشرعي وعدم الاشتغال به. كما سمعنا عن طائفة من الفرق الضالة من يرى أن العلم إنما يحوزه السادة الأشراف، وأما العبيد وأما الخدام، هؤلاء الطبقة الكاذبة، ما خلقهم الله إلا لخدمتنا نحن، ما يشتغلون، لا، ولهذا كان يحرمون يحرمون على العبد أو الخادم أن يقتني كتابًا أو يقرأ قرآنًا، لا تشتغل بهذا، أنت هذا ليس مستواك، أنت ما تفهم، ما تفهم شيء، أنت بليد، أنت كتابة تشتغل فقط وتعمل، وهكذا منعوا الناس عن العلم الشرعي ردحًا من الزمن. ومن عاش من آبائنا وأجدادنا يعرف هذه الحقبة المظلمة، كيف أن الناس من الناس كانوا قد حرموا العلم على خلق الله، هذه فئة، وفئات كثيرة تدخل تحت هذه المظلة التهوين. وهكذا ثالثًا، وأختم به المقام، أن من الطوائف المبتدعة ومن أهل الأهواء والأحزاب أنهم لربما استبدلوا بالعلم الشرعي علمًا آخر، بل وجعلوه أي هذا العلم المخترع جعلوه أفضل وأكمل وأحسن من العلم الشرعي. مثاله ما قامت به جماعات من الفرق الباطنية، قسموا العلم إلى قسمين: إلى علم شريعة، وهذا العلم الذي نحن وإياكم ندرسه، قال الله، قال رسوله، آية وحديث، وقال الصحابة، وحلال وحرام، هذا عندهم علم شريعة، وقال وهناك قسم آخر وهو العلم الحقيقة، ويسمى أحيانًا بالعلم اللدني، ويسمى أحيانًا بالعلم الباطني، علم الحقيقة هذا أرفع شأنًا من علم الشريعة، علم الحقيقة ما يصل إليه إلا من آتاه الله ماذا؟ الكشف والذوق والوجد، هؤلاء هم علماء الحقيقة، وهؤلاء أعلى كعبًا من علماء الشريعة، أي نحن ننشغل بعلم الدون، هذا عندهم علم دون، وأما ما هم عليه هو علم الأعلى، قبح الله تلكم الكلمة التي قالوها، يسطرون هذا ويعتقدونه، فهم استبدلوا بالعلم الشرعي علمًا آخر، وظنوا أحسن وأعلى كعبًا. وهكذا من العلوم ما رأيناه من علم المبتدعة عندما انشغلوا بعلم الفلسفة وعلم المنطق أو ما يسمى بعلم الكلام، وهذا كل أهل البدع من المعتزلة من الجهمية من الماتريدية من القديانية من الماتريدية وعمل على شاكلته من الفرق الضالة، اشتغلوا بعلم الكلام، واستدلوا بالمقدمات العقلية وبالدلائل المنطقية على إقامة قواعد دون الرجوع إلى الكتاب والسنة، وظنوا أن هذا العلم هو الأعلم والأحكم، حتى قالوا أن علم الخلف أسلم وأعلم، علم الخلف علمهم وهو أفضل من علم السلف. وهكذا، إخواني في الله، من العلوم المعاصرة التي طرأت على مجتمعاتنا، من خرج لنا بعلم سما بعلم فقه الواقع، بعلم فقه الواقع، أخرج لنا هذا العلم الدخيل على زعمهم هم بمقدماته وركائزه على حسب ما زعمه، وأن هذا علم ينبغي أن ننشغل به، لكنهم ينشغلوا به على حساب أن يزهدوا من العلم الشرعي، فأخذوا يعني يغمزون أهل السنة بأنهم تقوقعوا في المساجد، ونحن أفضل منهم، ونحن أحسن منهم، وما علمكم؟ علمهم في الحقيقة علم العامة، تدخل في السياسات، في الدهاليز السياسية، تعرف تتبع الوقائع والأحداث، تكون ملم بالأخبار، ملم بالقنوات، فلا زال الواحد منهم يقفز من جريدة إلى جريدة، من مجلة إلى مجلة، من قناة إلى قناة، ومن أخبار المحللين إلى أخبار المحللين، فضاع عمره تحت ما يسمى بهذا الوهم، علم فقه الواقع، فضاع عمره، ويرى ويرى أنه أحسن حالًا من هؤلاء الذين يدرسون ويعلمون، فاستبدلوا العلم الشرعي بعلم غيره، وظنوهم أنهم على شيء، وهم ليسوا على شيء. أشهد، إخواني في الله، في هذا المبحث ومن مباحث ركيزة العلم الشرعي، نعرف أن ما قام أحد بهذه الركيزة العظيمة كما أقامها أهل السنة والجماعة، فلله درهم. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.