الدرس في أسس دعوة النبي صلى الله عليه وسلم 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل أهمية العلماء ومنزلتهم عند أهل السنة والجماعة، حيث يُعتبرون ورثة الأنبياء وحماة الشريعة. يُشدد على ضرورة إجلالهم وإحترامهم وتوقيرهم.
يصف هذا الفصل العلماء بأنهم قادة الأمة الذين يقودونها إلى بر الأمان، ويحذر من عواقب استبدالهم بجهال لا علم لهم شرعي. يُشير إلى أن دعوة أهل السنة تقوم على العلماء الراسخين.
يُبرز هذا الفصل أهمية العلماء في قيادة الأمة نحو الاستقرار والسلام، ويُوضح أن خروج الأمور عن أيديهم يؤدي إلى الفوضى. كما يتحدث عن تعظيم مقام العلم وأهله كخاصية لدعوة أهل السنة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن الركيزة الخامسة من ركائز دعوته عليه الصلاة والسلام، وهو ما يتعلق بالحرص على العلم، وتجولنا خلال هذا المبحث على عدة مسائل متعلقة بهذا المقام، وكان آخرها النظر إلى أحوال الجماعات والدعوات في مدى حرصهم على العلم الشرعي. وهنا، ومن باب أن الشيء بالشيء يذكر، أحب أن أذكر مبحثا كذلك من المباحث المهمة، وفي الحقيقة تفرع من هذا المبحث، وهو مما اعتنى به أهل السنة في كل زمان ومكان، وهو من أصول دعوتهم. فإن مما تفرع عن اهتمامهم بالعلم أن تفرع منه الاهتمام بالعلماء. فإن أهل السنة والجماعة يجعلون للعلماء منزلة عليّة ورتبة جليلة، لا لشيء وإنما للعلم الذي حازوه لأنفسهم، والذي رفعهم الله جل وعلا به. وهذه المسألة، إخواني في الله، هي في الحقيقة تعتبر من خصائص دعوة أهل السنة، حتى قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى: «وهم يدينون بهداية العلماء المهديين»، أي لله، بهداية العلماء المهديين. فإن العلماء هم أهل الهداية وهم أهل الرواية، وقد دلت الأدلة الكثيرة على ذلكم المقام. كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾، فلا يستويان العالم بكتاب الله ومن ليس بعالم، فشتان بين هؤلاء وبين هؤلاء. وقد دلت الأدلة كذلكم على ما سار عليه أهل السنة من ضرورة الإجلال والإعظام والإحترام للعلماء. وقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه»، ليس منا، تبرأ نبينا صلى الله عليه وسلم من هذا الصنف الذي لم يرفع بالعلم ولا بأهله رأسا. كما سيأتي معنا في بيان موقف المخالفين من أهل العلم. وذكر الإمام طاوس بن كيسان اليماني رحمه الله تعالى قال: «ومن السنة توقير العلماء»، هذه من السنة التي ينبغي أن يتأملها كل مسلم ومسلمة من الصغار والكبار والذكور والإناث أن يعلموا مقام العلماء. وهنا تأتي مسألة قد يقول قائل: إن مقام الصالحين في مجتمعات المسلمين كثيرة، هناك مقام العباد، وهناك الزهاد، وهناك من هو المجاهد في سبيل الله، وهناك من هم أصحاب الأخلاق والآداب، فعلام التركيز على العلماء؟ التركيز على العلماء، إخواني في الله، إنما ينبثق لما مضى معنا من أهمية العلم، هذا أولا. ثانيا، بما جاء في حقهم الأدلة الكثيرة العامة والخاصة بأن الله عز وجل في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، قد أشادوا بأهل العلم وأنهم الأصل وأنهم المرجع للناس. ومما يدلل به، إخواني في الله، ونحن في هذا المقام نذكر على سبيل الإيجاز، مما يدلل به على أهمية العلماء وكيف ينبغي أن يكون لهم الإجلال والإحترام، أنهم أولا هم ورثة الأنبياء، كما قال عليه الصلاة والسلام: «العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر». فالعلماء، يا عبد الله، هم ورثة الأنبياء، هم الذين أخذوا التركة بكل معانيها، فإن كان من اقتداء، وإن كان من ائتساء، وإن كان من اهتداء، أردت يا عبد الله لنفسك ولمن هم تحت يدك، فما تجد بدلا عن أهل العلم، فبهم تقتدي وبهم تأتسي. وأيضا، إخواني في الله، من معطيات أهل العلم أن العلماء هم الذين يعدون حماة الشريعة، جندوا أنفسهم وحياتهم لكي يحموا دين الله عز وجل. وتأمل في وصف الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهو يعدد لنا محاسن العلماء حيث قال: «ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وتأويل المبطلين، كم فتح الله عز وجل بقبهم قلوبا غلفا، وآذانا صما، وعيونا عميا، يبصرون بنور الله أهل العمى، ويحيون بكتاب الله الموتى، ويدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى». فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه؟ هذه فما أحسن أثرهم على الناس؟ أما أقبح أثر الناس عليهم؟ انتهى كلامه رحمه الله. هؤلاء هم العلماء، تجد أن العالم، يا عبد الله، قد أفنى حياته وعمره كله في سبيل الدين، يعلم وينشر العلم، ولازال في مجلسه يعلم هذا وينصح هذا ويرشد هذا، ألف وكتب ودون وخطب ونصح وأرشد، كل ذلك حماية لدين الناس، لا يريد منهم جزاء ولا شكورا، وإنما يتقي الله جل وعلا في هؤلاء الرعية بما حمله الله عز وجل من أمانة العلم ومن وجوب التبليغ والنصح والإرشاد. ولهذا لربما ضاعت عليهم الدنيا، كان من أقرانهم ومن زملائهم من لربما قد وصل إلى أعلى المناصب في الدولة والرئاسة والزعامة والسيادة، وهم رضوا بحالهم يراها الناس أنها حالة الدون، لكنهم رضوا بها لأنهم جندوا أنفسهم أن يكونوا حماة لهذا الدين. فأخذوا يضربون بيد من حديد لكل من سولت له نفسه أن يتلاعب بالدين، فردوا على هذا ووقفوا هذا وصدوا هذا، وهكذا هم، لله درهم، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم؟ هؤلاء هم العلماء، إخواني في الله. العلماء، رعاكم الله، هم القادة الذين يقودون الأمة، وبيدهم الزعامة، وهم الذين يأخذون الأمة إلى بر الأمان. فربنا عز وجل عندما قال لبني إسرائيل: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾، هؤلاء حسبوا الحساب الدنيوي، قالوا: «أن يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال»، لكن الله عز وجل أشار إليهم إلى أمر عظيم، صفة من أعظم صفات القيادة: ﴿إن الله زاده بسطة في العلم والجسم﴾. علم عنده علم ما ليس عندكم، لأن الإنسان إذا تمكن وتضلع من العلم الشرعي استطاع أن يقود الأمم. ولما نتكلم عن القيادة لا نستنقص بأن العالم يكون رئيس دولة أو رئيس جمهورية، لا، إنما قصد أنه يتولى القيادة والتوجيه، لا أحد يزاحم في هذا المقام. لأن الأمور والمجتمعات والأفراد إذا ولوا أمورهم إلى العلماء، فإنهم يجرونهم ويأتون بهم إلى بر الأمان. ولك عبرة، يا عبد الله، في دعوة أهل السنة والتي يقود زمامها العلماء، بل والراسخين في العلم، انظر ما في دعوتها من الهدوء والإطمئنان والبعد كل البعد عن الفوضوية والعشوائية وعن سفك الدماء وعن إزهاق الأرواح. لأنها قائمة على أهل العلم الذين حباهم الله جل وعلا بالعلم والحلم، فهم قادة يقودون الأمة إلى بر الأمان. كذلك من صفات أهل العلم ومن أعظم معطياتهم أن من استبدلهم بغيرهم هلك، ومصباق ذلك ما جاء في قولي عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم أو يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»، هذه النهاية المأساوية. بل هذه النهاية النتيجة الحتمية في حال مجتمع ما إذا أدبر عن أهل العلم وأعرض عن أهل العلم فما رجع إليه، وإنما استكبر وأبى واستخلفهم بغيرهم من أشباه العلماء. كما نجده للأسف مثل هذه الأزمان، حين أن أعرض الناس عن العلماء بعد التشويش والتشويه لسمعتهم والطعن في أعراضهم والغمز في دينهم وتدينهم. فلا زالوا بهم حتى أطرحوهم أرضا، ولو جعلوهم في القائمة السوداء، فلا أحد يلتفت إليهم، بزعمهم أنهم عملاء وأنهم أصحاب الدنيا وأنهم لا يفقهون الواقع. فلا زالت تهميشا بهم حتى أزيحوا، نعم أزيحوا حقا، أعداء الدين، هذه الأمانة. ثم جاء البديل، من البديل؟ كما جاء في الحديث: «اتخذ الناس رؤوسا جهالا»، جهالا، مقارنة علم هؤلاء بعلم أولئك لا شيء، جهالا، عندهم ضحالة في العلم الشرعي، ضحالة، دعك يتشدق، دعك يتشدق بالأخبار والسياسة ودهاليز السياسيين، دعك، هذا ليس بالعلم الشرعي، ولا نرفع رأسا بهذا العلم لأنهم علوم دنيوية. لكنهم في العلم الشرعي جهلة، مقارنة بالراسخين في العلم، أخيلت أنيطت الأمور إلى أمثال هؤلاء، فيا أيها الناس ما الذي جلبت المجتمعات؟ تأمل، تأمل يا عبد الله بعين البصر والبصيرة، وتأمل لما نراه من حمامات الدماء التي سفكت هنا وهنالك في هذه الأزمان وفي أزمان قريبة ليست ببعيدة عنا. أزهقت أرواح لأقول بالعشرات ولا بالمئات، بل بالآلاف، تحصد آلاف، تصعد إلى باريها هذه الأرواح، والآلاف خرجت، السؤال: من الذي خرجها؟ من الذي يقود زمامها؟ السؤال، فتتوجه الأنظار، هذا سؤال إليكم، وجهوا الأنظار إلى من يقود الحملة، أسألكم بالله: هل رأيتم عالما راسخا يقود حملة من هذه الحملات؟ الجواب: لا، وألف لا، والله لن تجد. وما كان العلماء أبدا يجرون الأمة إلى الويلات وإلى إزهاق الأرواح وإلى سفك الدماء كما نرى في هذه الأزمان، إذن دقيق النظر: من ترون الذي يقود الحملة؟ أشباه العلماء، مفكر، منظر، مرشد، أو رجل محلل، هؤلاء يقودون الأمة؟ الجواب: لا. لا يعبد الله لهذا، العلماء إذا قادوا الأمة قادوها إلى بر الأمان. مثل الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن، عندما اشتد الأمر عليه، ظلم وقع عليه على دينه وعقيدة أهل الإسلام قاطبة، وكان العلماء في زمنه كلهم تحت إمرته، فقط أرادوا إشارة، أرادوا أن يحرك إصبعه فقط، لو حركها لقامت قيامة الصالحين من العباد والعلماء وطلاب العلم ومن كل الأخيار. قاموا على ولاة الأمور ذلكم الزمان، لكنهم تنعوا، امتنعوا أن يكون رأسا في الفتنة، وأمروا الجميع بالصبر حتى أراح الله عز وجل أهل الإسلام من فتنة خلق القرآن بأقل الخسائر، وخرج الله عز وجل إمام أحمد بهذا اللقب العظيم، وهو إمام أهل السنة. عثمان بن عفان، من أهل العلم من صحابة العلماء، عندما قام الأوباش قد من كل حدب وصوب وتآمروا عليه، وكان الناس في المدينة من أبناء الصحابة وهم كثر، وأرادوا أن يحولوا بين الأوباش وبين عثمان، إلا أن عثمان رضي الله تعالى عنه الذي تفقّه وتربى على موائد القرآن والسنة وعلى تعظيم حرمة المسلم، أبى، بل ناشد الله كل من يطيع ويذعن له بالطاعة أن ينسحب ويرجع إلى بيته: «دعوني مع هؤلاء»، وقتل، لكن قتل بنفسه. ولو أنه سمح بمقاتلة هؤلاء لسفك الدم الحرام في مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام. أشاهد إخواني في الله، ولا أستطرد في هذا المقام، أن نعلم علينا أن نعلم حق اليقين أن العلماء هم الذين إذا آلت إليهم الأمور استقرت الأوضاع، وإن خرجت الأمور عن أيديهم ستجد الذي نراه، وهو ضياع الدنيا والدين. وهكذا إخواني في الله، من صفات العلماء ومن أعظم معطياتهم أن من خرج عن طاعتهم ضاع، قال ربنا عز وجل: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾. إذن الخروج عن طريقة العلماء هو في الحقيقة دخول إلى طريق الشيطان، وكل من خرج عن طاعة العلماء ضل في الدنيا، وأما في الآخرة أمره إلى الله عز وجل. هذا ابن عباس رضي الله تعالى عنه، خرجت الخوارج بالآلاف، ستة آلاف خارجي خرجوا وتعاءسكروا في حارورة. فخرج إليهم حبر القرآن، لوحده، لكن بعلمه الغزير، ترجمان القرآن، حبر الأمة، ذهب إليهم، ناقشهم، جادلهم، أثبت لهم، أذكاهم بحجة العلم التي ما هناك حجة فوق هذه الحجة، فاقتنع وتاب عن هذا المذهب الأهوج الأعوج، أربعة آلاف، أربعة آلاف رجعوا معه. بقي ألفان، هؤلاء بقوا على ضلالهم، لكن لاتبعتم الشيطان إلا قليلا، استمر بهم ملء حتى خرجوا على سرح المسلمين، فقتلوا، فخرج علي وقتلهم جميعا، خسروا الدنيا والآخرة عندما خالفوا أهل العلم. وهكذا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عندما خرج على حلق الذكر والقرآن الذي رآهم في مساجد الكوفة، وهم قد ابتكروا هذه الطريقة المبتكرة المحدثة في التسبيح والتحميد والذكر، وقف على أحد حلقاتها وقال: «ما أسر حلقتكم يا أمة محمد»، يعني: إما أنكم جئتم بطريقة أهدى، إما إنكم أهدى من أمة محمد، أو أنكم مقتحمون باب ضلالة. يعني إيش لني فعلتموه؟ وهو كلام من رجل يعد من علماء الصحابة، أنت بين أمرين لا ثالث لهما، بهذه الطريقة إما أنكم أهدى من الصحابة، وحاشا، وإما أنكم أهل ضلالة، فاعتذروا وقالوا: «يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا خيرا»، الشاهد. قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله يتحدث عما بقي في ضلاله واستمر في تمرده ولم يستمع لهذا العالم النحرير، قال أبو عبد الرحمن: «فرأيت عامة هؤلاء يطاعنوننا يوم نهروان»، لا اتبعتم الشيطان إلا قليلا، اتبعوا الشيطان، من حلق مبتكرة إلى أن وصل بهم الأمر إلى سل السيف وأن يقتلوا الصحابة ويقاتلوهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فانظر يا عبد الله إلى تمادي الشيطان في حق من أعرض عن العلماء، فالله الله يا عبد الله، فالله سبحانه وتعالى جعلنا حصانة، جعلنا حماية، أن كفانا المؤنة بهؤلاء الثلة من الفئة المؤمنة من أهل العلم من أهل الرسوخ الذين أبقاهم الله عز وجل بين ظهرانينا. فما عليك يا عبد الله إلا أنك تستمع لإرشاداتهم وتستمع لنصائحهم، فيسلمك الله عز وجل من شر فتن الدنيا والآخرة. وهذا مما ذكرناه من خصائص دعوة أهل السنة، وهذا مما يتفرع من تعظيم مقام العلم أن تعظم صاحب العلم، وهم العلماء. وسأتي معنا في درس غد بإذن الله ما يتعلق بموقف المخالفين لأهل السنة في كيفية تقديرهم لمقام العلم، أو ما يكون عكس ذلك. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.