تفسير سورة الفجر من تفسير الجلالين 1

تفسير سورة الفجر من تفسير الجلالين 1

الدرس في تفسير سورة الفجر من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في تفسير سورة الفجر

يبدأ الدرس بتعريف سورة الفجر بأنها سورة مكية ويتناول عدد آياتها المختلف عليه، ثم ينتقل إلى أسلوب القسم في القرآن.

تفسير قسم الله تعالى بالفجر والليالي العشر

يفسر الدرس قسم الله تعالى بالفجر والليالي العشر والشفع والوتر، ويوضح معاني هذه الأقسام في القرآن الكريم.

تفسير الشفع والوتر وتعدد المعاني

يتناول الدرس تفسير الآيات المتعلقة بالشفع والوتر، ويبين تعدد المعاني والتفسيرات لهما، مع اختيار المؤلف لتفسير شمولي.

ختام الدرس والدعاء

ينتهي الدرس بالدعاء والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، مع إظهار تواضع المتحدث واعترافه بأن العلم لله تعالى وحده.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة الفجر، هذا شروع في قراءة ما ذكره وسيذكره المؤلف رحمه الله تعالى في تفسير الجلالين حول هذه السورة الكريمة، فقال رحمه الله تعالى: سورة الفجر مكية، وآياتها ثلاثون آية. بدأ رحمه الله تعالى بهذا التعريف السريع لهذه السورة الكريمة، فذكر عنها ثلاث مقدمات، أولا ما يتعلق باسمها، فقال: سورة الفجر، وهذا اسمها بالاتفاق، اسمها بالاتفاق سورة الفجر من غير ذكر الواو. والمسألة الثانية في قوله: مكية، وهذا بالاتفاق أيضًا، فهي مكية، وقد أشرنا من قبل على أن السورة المكية هي السورة التي نزلت قبل الهجرة، فهي من أوائل ما نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام. قال: وآياتها ثلاثون آية، وهذه المسألة ليست محل اتفاق بين أهل المصاحف، ففي مصاحف أهل الكوفة وهكذا عند أهل الشام فيها هذا العدد، أن سورة الفجر ثلاثون آية، لكن في مصاحف أهل مكة والمدينة عددها اثنان وثلاثون آية. أشرنا إلى هذه المسألة بأن ما يبلغك يا عبد الله عن اختلاف عدد سورة ما اعلم أن الخلاف إنما يعود إلى كيفية عدد هذه الآيات، وعدد هذه السورة هنا فقط محل الخلاف، فهنا في هذه السورة وقع الخلاف عند بعض آياتها هل هي آية مستقلة أم لا. كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وأما الإنسان إذا مبتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرما﴾ هذه عندنا آية واحدة، لكن في مصاحف أهل مكة والمدينة لا عندهم فأكرمه ونعمه قف هنا آية يجعلون هنا فاصلة، ثم ما بعدها آية أخرى. وفي الآية الثانية: ﴿وأما إذا مبتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانا﴾ هذه عندنا آية كاملة واحدة، لكن في مصاحف أهل مكة والمدينة عند قوله تعالى: ﴿فيقول ربي﴾ وإذا مبتلاه فقدر عليه رزقه هنا فاصلة يعتبرون آية جديدة أو آية منفصلة. ففي اختلاف عد المصاحف يظهر لنا في الأخير اختلاف عدد آياتها وأرقامها، وهنا في هذا الموطن فأكرمه ونعمه وفي موطن فقدر عليه رزقه في مصاحف أهل مكة والمدينة يعتبرونها آيات مستقلة، ولهذا زاد عندهم العدد على آيتين، فعندهم في عدهم اثنان وثلاثون آية، وفي مصاحفنا ثلاثون آية، فالأمر في ذلك سهل. قال رحمه الله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم والفجر﴾ بدأت هذه الآية الكريمة بهذا الأسلوب، ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿والفجر وما بعده وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر﴾ هذه تسمى أسلوب قسم، أسلوب قسم بمعنى أن الله أقسم بالفجر، وهنا وهو قسم، والفجر أي أقسم بالفجر، وليال عشر أي أقسم بالليال العشر، والشفع والوتر أي أقسم بالشفع والوتر. من هذا الذي يقسم ربنا سبحانه وتعالى، وأسلوب القسم في القرآن يفيد فوائد، وأكتفي بفائدتين دائما أذكرهما في هذا المقام، الفائد الأولى أن نعلم أن الله عز وجل يقسم بما شاء وكيف شاء، يقسم بما شاء من خلقه، وليس لأحد من خلقه أن يقسم بما شاء إلا بالله، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت. وأما ربنا جل فعلا فيقسم بما شاء من خلقه من مخلوقاته سبحانه وتعالى، كما أقسم هاهنا بمخلوقاته أقسم بالفجر وأقسم بالليالي وبغير ذلك، والفائد الثاني أن الله عز وجل إذا أقسم بشيء فإن هذا الشيء الذي أقسم به الرب لا يخرج عن كونه كما يقول علماء إما لعظيم فضله أو لكثرة منفعته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «أي فجر كل يوم»، فجر كل يوم، أي أن الله عز وجل أقسم بالفجر وهو الصبح، وأي فجر يعني هنا قال المؤلف: «أي فجر»، لأن نعم من العلماء من جعل أن هذا الفجر المقسم به فجر خاص لأيام وليالي، لكن ما عندنا من الأدلة الذي تنهض إلى هذا التخصيص فيترك الأمر كما قال المؤلف: «أي فجر كل يوم»، أي فجر يظهر هذا الفجر. اعلم يا عبد الله أن الله جل فعلا أقسم به سبحانه وتعالى، ولماذا أقسم ربنا عز وجل بالفجر؟ قال علماء: لأنه من أعظم آيات الله الكونية، من أعظم آيات الله الكونية التي يراها البشر بأعينهم هي آية الفجر انبثاق الصبح. ولهذا يقول ربنا سبحانه وتعالى مبينا عظم هذه الآية، قال جل فعلا: ﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون﴾، من تخيلوا أن هذا الليل توالى بالأزمان والدهور والأعوام وما هناك صباح من سيأتين بصباح وبضياء سوى الله جل فعلا، فدل على عظيم هذه الآية التي يحتاج إليها الناس. قال: «وليال عشر»، قال: «أي عشر ذي الحجة»، وهذا القسم الثاني أن الله عز وجل أقسم بالليالي العشر، ما المقصود بالليالي العشر هاهنا الذي عليه أكثر العلماء في تفسير هذه الآية، وهذا المقسم به على أن الله قصد الليالي العشر من ذي الحجة، الليالي العشر من ذي الحجة وهي الليالي التي تعتبر من أعظم أيام الله. كما جاء في البخاري من حديث ابن عباس قال عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني العشر»، قال: «ولا الجهاد في سبيل الله»، قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيء من ذلك». فهذه الليالي وهذه الأيام هي التي أقسم بها ربنا عز وجل لعظيم شرفها، قد يقول قائل أليست العشر من ذي الحجة هي أيام وهنا أقسم ربنا عز وجل بالليال؟ الجواب قال العلماء: أن الله عز وجل لربما عبر عن الأيام بالليالي، فالمقصود بالليالي العشر أي الأيام العشر تعبير قرآني أن الليالي يعبر عنها ويرد بها الأيام. وهذا الموطن من هذه المواطن، وعلى هذا ذهب جماهير العلماء وأكثر العلماء، كما ذكره الإمام الطبري رحمه الله تعالى عندما رجح هذا القول، قال مبينا من قال به: «لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك»، لإجماع الحجة من الحجة أي الأئمة الأعلام والثقات. قال: «والشفع والوتر»، قال المؤلف رحمه الله: «والشفع الزوج»، قال: «والوتر»، قال: «بفتح الواو وكسرها يقال وتر ويقال وتر»، وتر بالفتح وتر بالكسر هذه قراءات صحيحة، قال: «بفتح الواو وكسرها لغتان»، الفرد الفرد، الشفع والوتر أو الوتر بمعنى الزوج والفرد شيء زوجي وشيء فردي. الشفع والوتر مما أقسم بها الرب، بقي ما المقصود بالشفع والفرد والوتر؟ هنا تنوعت أقوال المفسرين فيما المقصود بالشفع والوتر هاهنا على أقوال كثيرة، ما من أهل العلم مثلا من قال أن الشفع هو يوم النحر والوتر هو يوم عرفة. الشفع يوم النحر لأنه يوم العاشر زوجي والوتر هو يوم عرفة لأنه تاسع على الفردي، قالوا هذا المقصود بالشفع والوتر أقسم ربنا بيوم عرفة وبيوم النحر هذا قول، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الشفع والوتر بمعنى أن الله عز وجل أقسم بالصلاة بالصلاة المكتوبة. لماذا الصلاة المكتوبة؟ لأن الصلاة المكتوبة منها ما هو عدد زوجي كالأربع والاثنين ومنها ما هو عدد وتري كالثلاث وهي المغرب، فربنا قالوا أقسم هاهنا أقسم بالصلاة، أقسم بالصلاة، ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الله عز وجل أقسم هنا بالخلق وبه سبحانه فالشفع هم الخلق والفرد أو الوتر هو الله عز وجل. فالله وتر كما جاء في الحديث الصحيح: «فإن الله وتر يحب الوتر»، فهذا هو الله الوتر أقسم بنفسه، وما هو الشفع؟ قال علماء: الشفع هم الخلق بقية الخلق شفع، وهنا الذي ذهب إلى أن الشفع هم الخلق على أقوال، كيف أن الخلق شفع؟ قيل أن الخلق شفع لأنهم قد جاءوا من ذكر وأنثى من ذكر وأنثى. فما من إنسان إلا من ذكر وأنثى فهو مؤخذ من شفع والله عز وجل وتر، هذا قسمه، وقيل أن القسم هنا شفع الخلق بأن المخلوقات التي خلقها الله هي تكون على أمر زوجي، فربنا عز وجل خلق السماء والأرض والإنس والجن والبر والبحر وهكذا. يا عبد الله فقس تجد أن الأشياء خلقها الله زوجية، فعموم الخلائق لا تخرج عن العدد الزوجي، وأما الله عز وجل فهو وتر سبحانه، فالشفع والوتر هم الخلق والله، فالله أقسم بهذا وأقسم بنفسه العلية الجليلة، وقيل غير ذلك، قيل الأعداد أن الأعداد منها ما هو الزوجي ومنها ما هو وتري. فأقسم ربنا بكل شيء عدد زوجي أو وتري، فأمام هذا كله ما الذي ذهب إليه المؤلف؟ قال المؤلف رحمه الله: «والشفع الزوج والوتر الفرد»، وانتهى أي ما دخل في التفاصيل، وهذا الذي عليه كثير من العلماء على أن الآية عامة تدخل في كل ما هو زوجي وما هو فردي. قال: «والليل إذا يسر»، أي أقسم ربنا جل وعلا بالليل في حال سرايانه، إذا يسر والسري هو المشي ليلا كما يقال عندنا سرية متى تكون السرية تكون تمشي ليلا، فقال ربنا: «والليل إذا يسر»، ويسر كما يقول علماء هو فعل مضارع مرفوع، فأصلها يسري والليل إذا يسري لكن للتخفيف حذفت الياء فقالت الآية: «والليل إذا يسر»، وإلا هي يسري طلبا للتخفيف. فأقسم ربنا جل وعلا والليل إذا يسري يسري، قال علماء: إذا سار، أقسم ربنا عز وجل إلى الليل حال سرايانه، لكن المؤلف قال: «والليل إذا يسر»، قال: «مقبلا ومدبرا»، أي أقسم الله عز وجل بحركة الليل سواء في إتيانه بجنح الظلام أو بانصرامه وإدباره في آخر الليل. فحركة الليل ذهابا وإيابا إقبالا وإدبارا أقسم الله عز وجل بهذه الحركة الليلية، فهذه الأقسام هي المعنية بقوله: ﴿والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر﴾، سيأتي بعد ذلك جواب القسم يترك إن شاء الله إلى درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.