الدرس في تفسير سورة التين من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
سورة التين سورة مكية مشهورة يقرأها النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا، وقد اختلف العلماء في تحديد مكان نزولها. سورة التين تحمل في طياتها أقسامًا بأماكن ومخلوقات مختلفة.
المقطع يتناول تفسير الآيات الأولى من سورة التين، حيث أقسم الله تعالى بالتین والزيتون وطور سينين، وتناول المؤلف آراء المفسرين حول معاني هذه الأقسام ودلالاتها على عظمة الله تعالى.
فسر المؤلف قوله تعالى 'طور سينين' بأنه الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وتناول آراء السلف في تفسير سينين، حيث وردت أقوال متعددة مقبولة حول معناه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة التين، هذا أوان الشروع في تفسير هذه السورة الكريمة. قال رحمه الله: سورة التين، أي سورة التي هذا اسمها. وقوله رحمه الله تعالى: سورة التين، نعم، هذه من أسمائها، وهو الإسم الشهير لها في كتاب الله وفي المصاحف، في كثير من المصاحف، كما في إيراد المؤلف هاهنا، سمها سورة التين، وفي بعض المصاحف أضافوا الواو: سورة والتين، بإضافة واو القسم، فهذا وذاك. وهذه السورة، إخواني في الله، نبينا صلى الله عليه وسلم كان يعتني بقراءتها، وخاصة في أسفاره، فكان يقرأ بها في صلاة المغرب أو العشاء، حتى قال البراء رضي الله تعالى عنه حينما سمع قراءته عليه الصلاة والسلام في بعض أسفاره لهذه السورة بالذات، قال: فما سمعت صوتًا أحسن من صوته عليه الصلاة والسلام. فشاهد أن هذه السورة كان نبينا كثيرًا ما يقرأ بها، وخاصة في أسفاره. قال رحمه الله تعالى: سورة التين مكية أو مدنية، هنا المؤلف رحمه الله تعالى لم يجزم كعادته، وإنما وضع أو المفيد للتنويع، لأنها إما أنها مكية أو أنها مدنية. وأشرنا في دروس خلت على أن المكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة. وهذه السورة اختلف فيها العلماء متى نزلت، قبل الهجرة أم بعد الهجرة؟ الخلاف حاصل، ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: مكية أو مدنية، وبدأ بمكية لأن أكثر العلماء ذهبوا إلى هذا، أكثر العلماء يرون أن سورة التين سورة مكية. بل إن ابن عطية رحمه الله تعالى ذكر إجماع المفسرين على أنه لا خلاف على أنها مكية، لكن الخلاف حاصل، لكن للشهرة أنها مكية ذكر الإجماع، وإلا فقد ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى عن قتادة بأنه قال بأن سورة التين مدنية. لهذا فالمؤلف يعلم رحمه الله بخلفية الخلاف الحاصل بين العلماء، ولهذا علق: قال مكية أو مدنية، وقد علمت بالخلاف. قال: وآياتها ثمان آيات. قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم والتين والزيتون﴾، أي المأكولين أو جبلين بالشام ينبتان المأكولين. افتتحت هذه الآية بهذه الجملة العظيمة: ﴿والتين والزيتون﴾. ذكرنا على أن هذا الأسلوب يسميه العلماء بأسلوب القسم، أي أقسم بالتين وأقسم بالزيتون، فما هما؟ أشار المؤلف ورحمه الله تعالى إلى قولين اثنين. قال: أي المأكولين أو جبلين، هذا أو ذاك، وفي قول آخر: أو مسجدين. القول الأول وهو القول الذي عليه أكثر العلماء، نقل هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، ونقل كذلك عن جماعة من التابعين، كما نقل عن الحسن وقتادة وجماعة، وقل أكثر على أن التين والزيتون هما الذي يؤكلان، فالتين الذي يؤكل والزيتون الذي يعصر، وهذا هو القول الشهير، أي هذه الفاكهة أقسم ربنا عز وجل عليهما. القول الثاني كما أشار إليه المؤلف، قال: أو جبلين بالشام ينبتان المأكولين. منهم من يرى أن التين والزيتون عبارة عن جبلين، التين جبل في دمشق، والزيتون هو جبل الذي عليه بيت المقدس، هذا قول. نقل عن بعض المفسرين، إلا أن الإمام الطبري رحمه الله تعالى رد هذا القول، قال: ولا يعرف هذا، لا يعرف أن عندنا جبل اسمه تين أو جبل اسمه زيتون، ما يعرف هذا، وأن الأصل القول الأول. وقول ثالث، وهو مروي عن ابن زيد رحمه الله تعالى، إلى أن التين والزيتون عبارة عن مسجدين، التين مسجد في أرض دمشق، والزيتون هو مسجد إيليا، وهو مسجد الأقصى. لكن كما قلنا: ليس عندنا أثارة من علم في بيان وصحة هذه التفاسير، ولهذا نبقى على الأمر الأول، فنقول: أن التين والزيتون هم الفاكهة التي تؤكل، الأول منها ويُعصَر الثانية منها. قال سبحانه: ﴿والتين والزيتون﴾، وهنا فيه فائدة أولًا في بياني على أن هذا الأسلوب أسلوب قسم، فربنا أقسم بهاتين الفاكهتين. وأسلوب القسم بهذه المخلوقات قد أشرنا إلى أن هذا من فعل الرب عز وجل، فالله يقسم بما شاء من خلقه ومن مخلوقاته، وليس لأحد منا أن يقسم بشيء من خلق الله. الفائدة الثانية قد مرت معنا تكرارًا، قاعدة يذكرها جماعة من أهل العلم، على أن الله عز وجل إذا أقسم بشيء، إنما يقسم به لعظمته أو لكثرة منافعه. هذه المخلوقات التي اختارها الله من بين خلقه وكونه، فأقسم بها هذا لأمر، فأعاد العلماء هذه الأقسام على أمرين اثنين: إما أن هذا الأمر الذي أقسم به الرب عظيم عنده، أو لكثرة منافعه. قال: ثم قال سبحانه: ﴿وطور سينين﴾، وهذا القسم الثاني. قال رحمه الله تعالى: وطور سينين، الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى، وهذا هو جبل الطور. وكم من وقائع وأحداث وقعت في هذا الجبل من سائر جبال الدنيا، فله شان. وكما قلنا: يقسم الله على الشيء إما لمنفعته أو لعظمته، فهو عظيم. قال: ومعنى السينين المبارك أو الحسن بالأشجار المثمرة. هنا ما معنى السينين؟ جبل الطور هو الجبل، وصف ربنا عز وجل هذا الجبل بأنه سنين، سنين على قولين اثنين أشار إليهما المؤلف رحمه الله تعالى. القول الأول من فسر بأنه طور سينين، أي طور مبارك، أي جبل مبارك، وسينين قيل أنها لفظة سريانية، أي بلغة أهل السريانية معنى سينين، أي بأنه جبل مبارك. والقول الثاني: وطور سينين، أي هذا الجبل الحسن الجميل، وجماله بكثرة أشجاره ونباته المخضرة حوله، فهو آية في الجمال، وآية في ماذا؟ في البهاء. فالهنى سينين، أي بمعنى الحسن. قال: الحسن بالأشجار المثمرة. وهذا القول تفسير سينين بالحسن نقل عن ابن عباس، وقيل أن هذه اللفظة مشهورة عند الحبشة، عند أهل الحبشة، أن يطلقون سينين على الشيء الحسن الجميل. فالشاهد أن المؤلف رحمه الله تعالى جمع لنا بين الأقوال، فذكر أن الطور هو طور الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وأن الله وصف هذا الجبل بأنه طور سينين، وسنين إما أنه المبارك وإما أنه حسن. وبكل قال به السلف. نقف إلى هذا الحد، ونواصل ما بقي من آيات إلى درس غد. والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.