منظومة نبذة في وصية طالب العلم للحكمي 16

منظومة نبذة في وصية طالب العلم للحكمي 16

الدرس في منظومة نبذة في وصية طالب العلم للحكمي 16، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

آداب طلب العلم وفضائل المذاكرة

يستعرض الشيخ وصايا طلبة العلم مستشهداً بأقوال ابن عبد البر ومنظومة اللؤلؤي، مؤكداً أن العلم يُنال بالتعلم والفهم والمذاكرة لا بالتقدم في السن. ويختم المحور بقاعدة ذهبية مفادها أن العلم لا يحسن ولا يثبت إلا بالأدب.

أهمية الأدب مع العلم وآداب السؤال والجواب

يبيّن المقطع أن العلم بلا أدب كنار بلا حطب، وأن القليل من الأدب خير من كثير من العلم، مستعرضاً آداب الطالب من حسن الصمت وعدم التعجل. ويضرب المثل بالإمام مالك الذي كان يكثر من قول "لا أدري" فيزداد بذلك هيبة ومكانة.

النهي عن القول على الله بغير علم والتحذير من العجب

يحذر الشيخ من مخاطر القول على الله بلا علم مبيناً أن الاعتراف بالجهل نصف العلم، وينبه إلى آفة العجب بالنفس ووجوب التأني والصمت للسلامة. ويشبه العلم بالبحر الواسع داعياً لأخذ أهمه وأنفعه مع الحذر من الزلل في أوقات الفتن.

الخاتمة والدعاء والشكر للمشاهدين

يختتم المتحدث الحلقة بالصلاة على النبي محمد وآله مع الإقرار بعلم الله المطلق وشمول قدرته. ثم يتوجه بالشكر الجزيل للمشاهدين على متابعتهم وحسن استماعهم للدرس.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا وحبيبنا وشفيعنا رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن والاه. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي ضمن وصايا لطالبي العلم، وهي كما تعلمون أصلها عبارة عن أبيات للشيخ العلامة أبي أحمد حافظ بن أحمد الحكمي، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهي أبيات ضمن منظومته الميمية في الحكم والوصايا والأخلاق والآداب، أخذ منها هذه الأبيات التي تضمنت وصايا نافعة عظيمة لطالبي العلم. والحقنا ما سبق ببعض الوصايا، منها ما ذكره الإمام الخطيب أبو بكر البغدادي، رحمه الله تعالى، كما في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»، وهي تنسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، وهي عبارة عن وصية هامة اجتملت على كثير من آداب طالبي العلم، ومر معنا ذكرها. وكذلك ما جاء عن الإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، رحمه الله تعالى، كما في شرحه على مقدمة صحيح الإمام مسلم، رحمه الله تعالى، ذكر توجيهات نفيسة. وآخر ما وقفنا عنده ما ذكره الإمام أبو عمر، إمام أهل المغرب، إمام أهل الأندلس، أبو عمر بن عبد البر، رحمه الله تعالى، في كتابه القيم «جامع بيان العلم وفضله». وهذا الكتاب، يا إخوان، من أحسن ما أُلِّف في هذا الباب، في بابي فضل العلم وبيان ذلك، هو ما كتبه الإمام ابن عبد البر، رحمه الله تعالى. قال: «أحسن ما رأيت في آداب التعلم»، يقول: «أحسن ما رأيت في آداب التعلم واتفقه من النظم ما يُنسب إلى اللؤلؤي من الرجز». ومنظومة اللؤلؤي هذه منظومة بديعة جداً في الحكم والآداب والأخلاق. قال: «وبعضهم ينسبه إلى المأمون»، يعني الخليفة العباسي المشهور. قال ابن عبد البر: «وقد رأيت إيراد ما ذكر من ذلك لحسنه، ولما رجوت من النفع به». ثم أورد قصيدة طويلة في ذلك، لكن حسبنا أن نأخذ بعض الأبيات المختارة منها التي تدل على المقصود، وهو الوصية لطالبي العلم. قال رحمه الله تعالى: «واعلم بأن العلم بالتعلم، والحفظ والإتقان والتفهم. والعلم قد يرزقه الصغير في سنه ويحرم الكبير. والعلم ليس بالسن، قد يرزقه الصغير في سنه ويحرم الكبير. والعلم بالفهم وبالمذاكرة». المذاكرة أي بين الطالب وزميله، وكما سبق معنا أن حياة العلم ماذا؟ يا أبا الفضل: حياة العلم المذاكرة. وآفته يا أبا خالد: النسيان. آفة العلم النسيان، وحياته بيئة المذاكرة. ولهذا من أجمل ما يكون بين طلاب العلم المذاكرة؛ تجتمع لربما في المسجد، في السكن، في صالة الطعام، فتتذاكر مثلا المنظومة البيقونية: أنت تسمع بيت، هو يأتي بالبيت الذي بعده، تأتي بالبيت الثالث، هو يأتي بالرابع، ما يأتي الأرز أو الخبز إلا وقد أكملتم المنظومة البيقونية. طيب، يوم ثاني تراجعون متن الآجرومية، أيضا غيرها من الأمور الأخرى، الأربعين النووية: سمع حديث، وأنت تسمع آخر. مذاكرة: تجتمعان فتتذاكران باباً من أبواب الفقه، باب المياه مثلا من «عمدة الأحكام»، وهكذا تتذاكران أو تتذاكرون باباً من أبواب الاعتقاد، باب الشفاعة: الشفاعة معناها كذا وتنقسم إلى قسمين، وهكذا. فحياة العلم المذاكرة، وآفته النسيان. وهنا يقول: «والعلم بالفهم وبالمذاكرة، والدرس والفكرة والمناظرة». والدرس أي الدراسة، والفكرة، والمناظرة أي المناقشة بين طلاب العلم، المناقشة المفيدة. قال: «فلتمس العلم وأجمل في الطلب». فلتمس العلم أي اطلب العلم، وأجمل في الطلب أي اجتهد في طلبه وتحصيله. «والعلم لا يحسن إلا بالأدب». قال: «فلتمس العلم وأجمل في الطلب، والعلم لا يحسن إلا بالأدب». أما علم بلا أدب فماذا؟ كمثل نار بلا حطب، كنار بلا حطب. وليس هناك شيء، إخوان، يضاف إلى شيء آخر فيزينه كعلم أضيف إليه حلم، أضيف إليه حلم. ونحن يا إخوان كما مر معنا أحوج إلى قليل من أدب، أحوج إلى قليل من أدب، خير من كثير من علم. فالعلم وحده لا يكفي إلا إذا انضم إليه الأدب. قال: «فالتمس العلم وأجمل في الطلب، والعلم لا يحسن إلا بالأدب، والأدب النافع حسن السمت». قال: «وفي كثير القول بعض المقط». الذي يكثر كلامه يكثر خطأه وسقطه، فيحصل الغضب بسبب كثرة القول والكلام. قال: «فكن لحسن الصمت ما حييت، فكن لحسن الصمت ما حييت مقارفا تحمد ما بقيت». فكن لحسن الصمت ما حييت مقارفا، يعني ملازماً له. قال: «قال مقارفا تحمد ما بقيت». «وإن بدت بين أناس مسألة، وإن بدت بين أناس مسألة معروفة في العلم أو مفتعلة، فلا تكن إلى الجواب سابقاً حتى ترى غيرك فيها ناطقاً». يقول: «وإن بدت بين أناس مسألة من المسائل، أنت قد يكون عندك جواب فيها، لا تستعجل، انتظر، لا تكن عجول، انظر ماذا يقول الناس فيها، فقد تكفى المؤونة، وقد يكون ما عندك خطأ فتصوبه بإجابة غيرك، قد يجيب غيرك إجابة خاطئة فتدخل أنت وتصوب الخطأ الذي وقع في هذه الإجابة». قال: «وإن بدت بين أناس مسألة معروفة في العلم أو مفتعلة، فلا تكن إلى الجواب سابقاً حتى ترى غيرك فيها ناطقاً». «وقل إذا أعياك ذاك الأمر». وقل إذا أعياك، ما معنى «أعياك» يا أبا فواز؟ ما معنى «أعياك»؟ «وقل إذا أعياك ذاك الأمر: ما لي بما تسأل عنه خبر، فذاك شطر العلم عند العلماء، كذاك ما زلت تقول الحكم». قلنا: ما معنى «أعياك»؟ طيب، أحسنت. نعم يا أبا حديفة: «أعياك» يا أبا معاوية، نعم يا أبا أسامة، أنت معنا عندك يا أبا صالح: «أعياك» تقول: «أعياني هذا الأمر». أحسنت: أتعبني. «أعياك» أي أتعبك. قال: «وقل إذا أعياك ذاك الأمر: ما لي بما تسأل عنه خبر، فذاك شطر العلم عند العلماء، كذاك ما زلت تقول الحكم». يعني هنا أن الإنسان إذا سئل عن شيء لا يعلمه فماذا يفعل يا محمد؟ يقول: الله أعلم. إذا سئل عن شيء لا يعلم فليس عيباً أن يرد العلم إلى العليم الخبير سبحانه وتعالى. فهذا كما سبق معنا في المجالس السابقة: نصف العلم، نصف العلم. وكم يسأل العلماء الكبار عن مسائل فيقول أحدهم: لا أدري، الله أعلم. تنظر، آه، تبحث، انظر، يزداد هيبة، ويزداد مكاناً في نفوس الحاضرين، بل والمسلمين أجمعين. لماذا؟ يعلم الناس أنه حينما أفتى وتكلم فقد أفتى وتكلم بعلم، وهنا حين لم يعلم فأمسك عن الفتيا. الإمام مالك، رحمه الله تعالى، إمام دار الهجرة، إمام المدينة، بل إمام من أئمة الدنيا، يأتي رجل من مكان بعيد يحمل معه أسئلة للناس لكي يسألها الإمام مالك، فيسأل الإمام مالك السؤال الأول فيقول: لا أدري. طيب، سؤال ثاني، قال: لا أدري. مجموعة من الأسئلة جوابها: لا أدري. فتعجب الرجل، قال: يا إمام، ماذا أقول للناس؟ قال له: إذا رجعت اصعد على مكان عالي مرتفع وقل لهم: مالك يقول لا أدري. نحن اليوم طلاب علم، يا إخوان، يستحل واحد منا إذا سئل عن مسألة أن يرد العلم فيها إلى الله عز وجل، يذهب يمين شمال وما يريد، يظهر أنه لا يدري، أنه لا يدري. فماذا العيب والخطأ؟ أن نقول على الله بغير علم، وأن تقول على الله ما لا تعلمون، ولا تقف ما ليس لك به علم: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. وليس عيباً أن ترد العلم لله عز وجل. قال: «فذاك شطر العلم عند العلماء». ما معنى «شطر العلم»؟ ما معنى «شطر العلم» يا أخانا محمد زكي؟ «شطر العلم» معك خبزة فأعطيت شطرها من صديقك، من صاحبك، فأعطيت شطرها من... أبو حديثة: ما معنى «شطرها»؟ شطر العلم: نصف. أحسن. «شطر العلم عند العلماء». لكن بعض الجهال قد يسيء الفهم، ما عليك منهم، لكن عند العلماء هذا عندهم، عندهم شطر العلم. «كذاك ما زلت تقول الحكم». «إياك والعجب بفضل رأيك، واحذر جواب القول من خطائك، وكم من جواب أعقب الندامة، واغتنم الصمت مع السلامة». هنا يحذر من العجب، أن يعجب الإنسان بنفسه. ملاحظوا يا إخوان، طالب العلم مما يجب أن يحذر منه أن يعجب بنفسه، وهذا يحصل لطالبي العلم في البداية، قصة في البداية، حين أن يرى نفسه يفهم ويحفظ ويدرس، فيدخله شيء من الإعجاب بالنفس. الإعجاب بالنفس: لا تعجب بنفسه، وإنما اعرف قدرها ونقصها والعيب الموجود فيها. قال: «إياك والعجب بفضل رأيك، واحذر جواب القول من خطأك». احذر الخطأ في جوابك، وهكذا ما تقوله وتتكلم به. قال: «كم من جواب أعقب الندامة». كم من جواب أعقب، أي جاء بعده بالندامة. «واغتنم الصمت مع السلامة، ومن صمت نجا، من صمت نجا». ثم قال: «العلم بحر منتهاه يبعد، العلم بحر منتهاه يبعد، ليس له حد إليه يقصد». ليس له حد إليه يقصد. «إذن ماذا؟ ما حوى العلم جميعاً أحد، لا، ولو ما رسه ألف سنة، ولو مارسه ألف سنة. إنما العلم كبحر زاخر، فالتقف منه أحسنه». العلم هذا كالبحر، ما يستطيع أحد أن يستقصي هذا البحر، فخذ ماذا؟ خذ أحسنه، ابدأ بأهم الأهم فالمهم، ولا تضيع العمر والوقت فيما لا ينفع. فإن العلم لو أعطيناه كلنا، يعني منذ أن ولدنا إلى أن متنا، ما سيعطينا إلا بعضه وقليلاً منه، فكيف إذا لم نعطي العلم شيئاً من أوقاتنا الثمينة؟ قال: «العلم بحر منتهاه يبعد، ليس له حد إليه يقصد، وليس كل العلم قد حويته، أجل، ولا العشر ولو أحصيته، وما بقي عليك منه أكثر مما علمت، والجواد يعتر». يقول: «وليس كل العلم قد حويته»، مهما كان علمك فلم تعطَ من العلم إلا قليلاً، وخفي عليك وجهلت الشيء الكثير. قال: «أجل، ولا العشر ولو أحصيته»، ما وصلت إلى العشر، ما وصلت إلى العشر. قال: «وما بقي عليك منه أكثر»، إذن اجتهد لكي تنال ما يسره الله لك. قال: «مما علمت، والجواد يعثر». الجواد يعني الخيل، قد يعثر، أي يسقط، فإياك والسقوط، فإياك والسقوط. فالسقوط يا إخوان يعقبه ألم، ويعقبه ضرر. كيف وهذا السقوط في العلم أو السقوط في الدين؟ يا طالب العلم، كن متأنياً، كن رزيناً، لا تكن عجولاً متسرعاً، ولا سيما في أيام الفتن التي تعمي وتصم، تعمي، فلربما الحق أمامك ولا تراه، وهكذا الحق يقال لك ولا تسمع، ولا تسمع. فالتأني فيه السلامة، والعجل فيها الندامة. والحديث له تتمة مع وصايا العلماء لطلاب العلم، حول وصايا نافعة وإرشادات قيمة ينتفع بها طلاب العلم. أسأل المولى عز وجل أن ينفعني وإياكم جميعاً بما نقول أو نسمع، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدين.