الدرس في منظومة نبذة في وصية طالب العلم للحكمي 17، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يؤكد الدرس على ضرورة استمرار طالب العلم في الطلب والتأدب بآداب السلف، محذراً من ضياع العلم بالنسيان أو الإهمال، ومشبهاً العلم بالصيد والكتابة بالقيد الذي يحفظه، مستشهداً بأبيات منصور الفقيه وبقاء المخطوطات قروناً بفضل التدوين.
يبين المتحدث بركة تدوين الفوائد العلمية مع تواريخها ومراجعتها بعد سنين، محذراً من نسيان العلم أو عدم العمل به الذي يذهب بركته ويجعله حجة على صاحبه، ضارباً المثل باليهود الذين حملوا التوراة ولم يعملوا بها فابتدعوا الحيل لتحليل الحرام، ومبيناً أن تقوى الله سبب لتحصيل العلم النافع.
يحذر المقطع من اتباع الحيل للتلاعب بأحكام الشرع كما فعل أهل السبت مع صيد الحيتان، ويشبه ذلك بتحايل الناس اليوم في الربا، مؤكداً على طلب العلم النافع والعمل به، وبذل الوقت في تعليم الناس بالرفق واللين، والصبر على من لا يستجيب للنصيحة مع مراقبة النفس ومحاسبتها.
يختتم المتحدث الدرس بوصايا من كلام العلماء، داعياً الله أن ينفع الحاضرين بالعلم النافع والعمل الصالح، ويختتم بالصلاة على النبي محمد والحمد لله.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا وحبيبنا وشفيعنا وقدوتنا رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، ومن والاه. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع وصايا لطالبي العلم، والتي أصلها عبارة عن أبيات للشيخ أبي أحمد حافظ بن أحمد الحكم، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهي ضمن منظومته الميمية في الحكم والأخلاق والآداب. واستطردنا في هذه الوصايا بذكر بعض وصايا الأئمة من السلف المتقدمين، وهكذا من تبعهم بإحسان. وآخر ما تكلمنا عنه هو أبيات ذكرها الإمام ابن عبد البر، رحمه الله تعالى، في كتابه «جامع بيان العلم وفضله»، وذكر أنها أحسن ما رأى في آداب التعلم والتفقه من النظم، وذكر أنه ينسب إلى الإمام اللؤلؤي، وبعضهم ينسبه إلى المأمون. وذكر القصيدة بطولها، رحمه الله تعالى. وذكرنا في الدرس الماضي أبياتاً مختارة منها تتعلق بطالب العلم، وما ينبغي أن يتأدب به، وأن يتحلى به من هذه الآداب العظيمة. كذلكم أيضاً نقل الإمام الحافظ أبو عمر ابن عبد البر الأندلسي، رحمه الله تعالى، في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» ذكر أبيات عن منصور الفقيه، رحمه الله تعالى، وهي أبيات جميلة جداً. قال رحمه الله تعالى: «أيها الطالب الحريص تعلم أيها الطالب الحريص الحريص تعلم إن للحق مذهباً قد ضللته ليس يجدي عليك علمك إن لم تكون مستعجلاً لما قد علمته قد لعمري اغتربت في طلب العلم وحاولت جمعه فجمعته ولقيت الرجال فيه وزاحمت عليه الجميع حتى سمعته ثم ضيعت أو نسيت وما ينفع علم نسيته أو ضيعت أو أضعته كم إلى كم تخادع النفس جهلا وتجري خلاف ما قد عرفته تصف الحق والطريق إلى تصف الحق والطريق إليه فإذا ما علمت خالفت سمته». وهنا آيات ذكر مجموعة من هذه الآداب التي انتفع بها طالب العلم، وأن طالب العلم يتعلم ويستمر في طلبه للعلم، فمن المحبرة إلى المقبرة، وهكذا من المهد إلى اللحد. ولعل الكلمة التي ينفعك الله بها لعلك لم تسمعها بعد، لعلك لم تسمعها بعد. فيوصي هنا بالاستمرار في طلب العلم، وأن لا ينحرف عنه يمنة ولا يسرة. قال: «ليس يجدي أن ينفع عليك علمك إن لم تكن مستعجلاً لما قد علمته. قد لعمري اغتربت في طلب العلم وحاولت جمعه فجمعته، ولقيت الرجال فيه وزاحمت عليه الجميع حتى سمعته. ثم ماذا بعد هذا الجد وهذا الاجتهاد وهذا التعب؟ قال: ثم ضيعت أو نسيت، وما ينفع علم نسيته أو أضعته، نسيته أو أضعته». ولهذا ينبغي على طالبي العلم أن يحفظ العلم، وأن يقيده. فالعلم صيد والكتابة قيد. العلم صيد والكتابة قيد. فمن فقد القيد ضاع عليه الصيد. من فقد القيد يجلس الطالب لا قلم ولا دفتر ولا كتاب، هذا أضاع القيد، فيوشك أن يهرب الصيد، أن يهرب الصيد. العلم صيد والكتابة قيده. قيد صيودك بالحبال الواثقة. فمن الحماقة أن تصيد غزالة. لاحظوا مثلوا بصيد الغزال، لماذا يمثل بصيد الغزال يا أبا طاهر؟ نعم، لأن صيده صعب بسرعته وخفته ورشاقته. قال: «فمن الحماقة أن تصيد غزالة، وبعد أن تصيدها آه تنشغل بالبحث عن سكين أو عن حبل أو غير ذلك، ثم تذرها في البرية طالقة». فهذا من الخطأ إخواني. كم عسانا أن نحفظ؟ كم عسانا أن نحفظ؟ ومهما حفظنا فكم سننسى؟ لكن حين أن يكون معي أو معك كتاب ونقيد الفوائد ونعلق على ما يحتاج إلى تعليق، يا إخوان يبقى العلم ويثبت، يبقى العلم ويثبت. في المطابع وهكذا في بعض المتاحف ودور العلم مخطوطات لها أكثر من ألف سنة، مخطوطات لها أكثر من ألف سنة، ألف ومئتين سنة أو نحو ذلك. انظر كيف حفظ العلم بالكتابة. بل لا تذهب بعيداً: طالب العلم يدرس كتاباً فيسجل فوائد، يعلق بتعليقات، عنده دفتر يقيد فيه الفوائد، يأتي بعد عشرين سنة، يأتي بعد خمس وعشرين سنة، أربعين سنة، يفتح الكراس ويتذكر أيام طلب العلم، ويتذكر تلكم المجالس وما يلقى فيها من فوائد وعلوم، ويتذكر تلكم الفوائد التي مرت عليه، التي مرت عليه. والذي يلخص يا إخوان ويكتب حريص على ذلك يشعر أن للدرس لذة. كنا بفضل الله عز وجل في دور الحديث كدار الحديث بدماج عند شيخنا الإمام الوادعي، رحمه الله تعالى، ما نشعر بمرور الدرس، لماذا؟ الكتاب موجود والدفتر موجود، يتكلم بالكلمة فسرعان ما نكتبها. اليوم بعد مضي مثلاً ثلاثين سنة، خمسة وعشرين سنة من تلك المجالس، يفتح أحدنا دفتره أو ينظر إلى كتابه القديم فيرى تلكم التعليقات وتلكم الفوائد موجودة بالتاريخ: يوم السبت، تاريخ مثلاً الحادي عشر من صفر عام ألف وأربع مئة وتسعة عشر من الهجرة. التاريخ: أي درس؟ درس الظهر في كتاب الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين موثق. تجد أن لهذا بركة، وله فائدة، وله فائدة. وهنا ينبه على نسيان العلم أو إضاعته. قال: «ثم ضيعت أو نسيت، وما ينفع علم نسيته أو أضعته. كم إلى كم تخادع النفس جهلا وتجري خلاف ما قد عرفته، ما قد عرفته». وهذا مرة معنا في أهمية العمل بالعلم، العمل بالعلم. والعلم إذا لم يعمل به فتذهب بركته، ويصبح حجة على صاحبه. وعالم بعلمه لم يعمل معذب من قبل عباد الله الوثا. قال: «تصف الحق والطريق إليه، فإذا ما عملت خالفت سمته، خالفت سمته». وهكذا أيضاً من هذه الأبيات وهذه الوصايا النافعة ما نقله الإمام أبو بكر الخطيب البغدادي، رحمه الله تعالى، في كتابه القيم «اقتضاء العلم العمل». نقل عن الإمام محمد بن أبي علي الأصبهاني، رحمه الله تعالى، أنه أنشد قائلاً: «اعمل بعلمك تغنم أيها الرجل لا ينفع العلم إلا يحسن العمل لا ينفع العلم إلا يحسن العمل والعلم زين، والعلم زين وتقوى الله زينته والمتقون لهم في علمهم شغل وحجة الله يا ذا العلم بالغة للمكر ينفع فيها لا ولا الحيل». أي لا ينفع إلا الصدق، لا ينفع إلا الإخلاص لله عز وجل. وهنا في هذه الأبيات التي مضت يوصي بالعمل بالعلم، وأن العلم الذي لا يعمل به صاحبه يكون وبالاً عليه. وهكذا يخبر أن العلم زين، وتقوى الله زينته. العلم زين وتقوى الله زينته، والمتقون لهم في علمهم شغل. ولهذا يا إخوان، تقوى الله سبب عظيم من أسباب تحصيل العلم. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. وقال: «وحجة الله يا ذا العلم بالغة»، أي أن العلم حجة لصاحبه أو على صاحبه. القرآن حجة لك أو عليك. ﴿كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا﴾. أكد يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قال للمكر ينفع فيها لا ولا الحيل». ولنأخذ عبر يا إخوان باليهود. اليهود كانوا أهل كتاب وأهل علم، لكنهم لم يعملوا بعلمهم. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾، تعلموها فلم يعملوا بها، فلم يعملوا بها. ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾، أي يحمل كتباً، فماذا يستفيد من حمله لها إلا التعب والجهد والإعياء والإعياء؟ اليهود مع عدم عملهم بالعلم تميزوا بأمر آخر: كانوا مشهورين بالحيل، مشهورين بالحيل. من ذلك: حرم الله عليهم شحوم البهائم، الشحم حرمه الله عليهم. ماذا فعلوا؟ انظر: أخذوا الشحم ووضعوه على النار حتى... حتى ماذا؟ ذاب. وإذا ذاب يصبح ماذا؟ يصبح زيتاً، يصبح زيتاً. أخذوه على أنه زيت، قالوا: الله حرم علينا الشحم ولم يحرم علينا الزيت. حيلة. لكن ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، إلا بصاحبه. هذا بدلاً من أنه معصية واحدة لو أكلوا شحماً معصية واحدة، فلما احتالوا على الحرام وقعوا في معصيتين: في أكل الحرام، وفي التحايل عليه. مثال آخر: حرم الله عليهم الصيد في يوم من الأيام. ما هو هذا اليوم؟ السبت. يوم السبت هو يوم عيدهم، هو يوم عيدهم. أمروا بالجمعة فأخذوا السبت. النصارى أمروا بالجمعة فأخذوا الأحد. ونحن المسلمون أمرنا بالجمعة فهدانا الله لها. طيب، حرم الله عليهم الاصطياد يوم السبت. انظر ابتلاء: في يوم السبت تأتيهم حيتانهم شرعاً، يكثر الصيد في يوم السبت. بقية أيام الأسبوع ما في صيد. ماذا فعل أهل المكر والحيل؟ جاءوا يوم الجمعة ونصبوا الشباك، ويوم السبت راحة. ما لكم؟ قالوا: الله حرم علينا الصيد يوم السبت. أتوا يوم الأحد، ركبوا البحر، وماذا وجدوا؟ أن الشباك قد ملئت بصيد الصيد الذي يكون في يوم السبت. حيلة على فعل الحرام، على فعل الحرام. ويا لله يا إخوان، كم من الناس اليوم يتحايلون في التعامل بالربا؟ إذا قيل له: كذا وكذا، قال: حرام ربا. يذهب يعمل حيله، وماذا مضمونها؟ هو المراباة، التعامل الربوي. وهكذا قل في غيرها من الأشياء، في غيرها من الأشياء. قال رحمه الله تعالى: «تعلم العلم وعمل ما استطعت به، تعلم العلم وعمل ما استطعت به، ولا يلهينك عنه اللهو والجدل، اللهو والجدل». وهكذا الجدل، الجدل، الجدل الذي هو ليس بنافع، والذي يؤدي إلى خصومات ونزاعات. أما النقاش العلمي الذي يكون مقصد كلا منهما العلم والوصول إلى الحقيقة فهذا ممدوح، هذا يسمى مذاكرة، هذا يسمى مذاكرة. قال: «لا يلهينك عنه اللهو والجدل». أحياناً يضع طالب العلم الكتاب ويفتح الجوال ويجلس الساعات يلعب، يلعب ساعات، ألعاب، ساعات، يلهو بأمر أو آخر. لا، لا تضيع وقتك، فالوقت أغلى ما عنيت بحفظه، وأراه أسهل ما عليك يضيع، أسهل ما عليك يضيع. دقات قلب المرء قائلة له: إن الحياة دقائق وثواني، دقائق وثواني. قال: «وعلم الناس واقصد نفعهم أبداً، إياك إياك أن يعتادك الملل». هنا يقول: أعلم الناس، أي العلم النافع، تؤجر على ذلك، يبارك الله لك في علمك، يزيد بكثرة الإنفاق منه، وينقص إن به كفا شددت. من القائل؟ نعم، من القائل: الإلبيري، رحمه الله تعالى. يقول: «يزيد بكثرة الإنفاق منه»، أي العلم مثل المال، المال كلما أنفقت أخلف الله عليك بخير مما أنفقت، وهكذا العلم يزيد بكثرة الإنفاق منه، وينقص إن به كفا شددت. قال: «إياك إياك أن يعتادك الملل». لا تمل، لا تمل، وإنما استمر واضب في نشر العلم وبثه في أوساط المسلمين. قال: «وعظ أخاك برفق عند زلته». وعظ: أي ذكر أخاك برفق عند زلته، أي إذا أخطأ وزل. قال: «فالعلم يعطف من يعتاده الزلل». وهذا شيء عظيم جداً. لنكن يا إخوان رحماء، لنكن رفقاء، فالرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. رأيت أخاك على خطأ فارحمه، وكن لطيفاً معه، وحاول أن تعظه الموعظة الحسنة بالتي هي أحسن. قال: «وإن تكن بين قوم لا خلاق لهم، وإن تكن بين قوم لا خلاق لهم، فأمر عليهم بمعروف إذا جهلوا، فأمر عليهم بمعروف إذا جهلوا، فإن عصوك فراجعهم بلا ضجر، واصبر وصابر، ولا يحزن، ولا يحزنك ما فعلوا، ولا يحزنك ما فعلوا، فكل شاة برجليها معلقة، كل شاة برجليها معلقة، عليك نفسك إن جاروا وإن عدلوا». يعني أنت إذا كنت في أوساط أناس على معصية، فما هو واجبك؟ تسكت؟ الجواب: لا، ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾. أي إن سكتنا لكن نأمر بمعروف وننهى عن منكر، نأمر بالمعروف ب... بماذا؟ برفق، وهكذا بحكمة، برحمة، وننهى عن المنكر بلا منكر. لا تأتي تنكر المنكر فيؤدي إلى ما هو أنكر وأعظم. لا، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، فيسب الله عدواً بغير علم. فلا تغير المنكر ويقع ما هو أنكر. وإنما: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». قال: «فإن عصوك، قال: فراجعهم بلا ضجر، واصبر وصابر، ولا يحزنك ما فعلوا». ثم بين أخيراً أن إذا لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، أنهم إذا لم يستجيبوا فكل واحد يتحمل نتيجة جرمه. قال: «فكل شاة برجليها معلقة، عليك نفسك إن جاروا وإن عدلوا». فهذه بعض الوصايا، كلام علمائنا، رحمة الله تعالى عليهم. أسأل المولى عز وجل أن ينفعنا جميعاً بما نقول أو نسمع، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر