الدرس في منظومة نبذة في وصية طالب العلم للحكمي 15، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض الشيخ أبي أحمد الحكمي في منظومته الميمية مجموعة من الوصايا لطلاب العلم، مؤكداً على إخلاص النية وتعظيم العلم واحترام الأستاذ. كما يشدد على تقديم النص على الرأي، والعمل بالعلم، والدعوة إليه، والصبر على الأذى، والاستقامة على الصراط المستقيم.
يؤكد المقطع أن الناس تراقب أفعال طلبة العلم أكثر من أقوالهم، مما يستوجب إصلاح النفس والتحلي بالتواضع والإخلاص قبل الوعظ. وينقل أقوال السلف والعلماء التي تبين أن العالم يُحاسب على قدر مكانته، وأن آداب طلب العلم تشمل البراءة من الحسد والصدق وحسن النية.
يبيّن المقطع الواجبات عند ذكر الله تعالى بكتابة «عز وجل» أو «سبحانه وتعالى»، وعند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كتابة الصلاة والسلام كاملة، وعند ذكر الصحابي قول «رضي الله عنه»، وعند ذكر العلماء الدعاء لهم بالرحمة. ويشير النووي وابن عبد البر إلى أن هذه الأذكار تكتب وتقرأ حتى لو لم تكن في الأصل المنقول، لأنّها دعاء لا رواية، والإعراض عنها يحرم خيراً عظيماً.
يختتم المتحدث المقطع بالصلاة على النبي محمد وآله، والحمد لله، مع شكر المشاهدين على المتابعة. ويختتم بدعاء ختامي يرجو القبول والتوفيق للجميع.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا وحبيبنا وشفيعنا رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن ولاه. أما بعد: مر معنا في مجالس سابقة الكلام حول وصايا لطالبي العلم، وهي عبارة عن مجموعة من الأبيات للشيخ العلامة أبي أحمد حافظ ابن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وهذه الأبيات كما سبق هي مأخوذة من منظومته الميمية. قلنا: لماذا سميت ميمية؟ لماذا سميت ميمية؟ لماذا سميت ميمية يا أبا طاهر؟ أحسنت: أبياتها تنتهي بحرف الميم، بحرف الميم، وهي منظومة جميلة ومفيدة في الحكم وهكذا في الآداب والأخلاق، الآداب والأخلاق. وسبق معنا التنبيه والتعليق على هذه الوصايا التي اجتملت عليها هذه المنظومة، هذه المنظومة العظيمة. ومن باب التذكير فنقرأها، نعم نقرأها. قال رحمه الله تعالى: «يا طالب العلم لا تبغي به بدلا فقد ظفرت ورب اللوح والقلم وقدس العلم واعرف قدر حرمته في القول والفعل والآدابة فالتزمي واجهد بعزم قوي لن ثناء له لو يعلم المرء قدر العلم لم ينمي والنصح فابذله للطلاب محتسبا في السر والجهر والأستاذ فاحترمي ومرحبا قل لمن يأتيك يطلبه وفيه محفظ وصايا المصطفى بهم والنية تجعل لوجه الله خالصة إن البناء بدون الأصل لم يقمي ومن يكن أي قلنا ومن يطلب العلم لماذا يطلب العلم؟ قال: ومن يكن ليقول الناس يطلبه أخسر بصفقته في موقف الندم ومن به يبتغي الدنيا فليس له ومن به أي بالعلم يبتغي الدنيا فليس له يوم القيامة من حظ ولا قسم كفى بمن كان أي بيئة الآيات التي بدأها ربنا عز وجل بقوله ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ﴾ إلى آخره. قال: كفى بمن كان في شورى وهود وفل إسراء موعظة للحاذق الفهم إياك واحذر ممارات السفيه به أي بالعلم كذا مباهات أهل العلم لا ترمي فإن أبغض كل الخلق أجمعهم إلى الإله ألد الناس في الخصم والعجب فاحذره إن العجب مجترف أعمال صاحبه في سيله العرم في سيله العرم وبالمهم المهم ابدأ لتدركه وقدم النص والآراء فاتهمي» أي إذا خالف رأيك خالف نصا من الكتاب والسنة فقدم النص واتهم رأيك، واتهم رأيك أنه رأي غير سديد وغير صواب. قال: «قدم وجوبا علوم الدين إن بها يبين نهج الهدى من موجب النقمي وكل كسر الفتى فالدين جابره وكل كسر الفتى فالدين جابره والكسر في الدين صعب غير ملتأم دع عنك ما قاله العصري منتحلا دع عنك ما قاله العصري منتحلا وبالعتيق أي القديم قول السلف قال: وبالعتيق تمسك قط واعتصمي ما العلم إلا كتاب الله أو أثر يجلو بنوري هداه كل منبهمي ما ثم علم سوى الوحي المبين وما منه استمد ألا طوبى لمغتنمي والكتم للعلم فاحذر إن كاتمه في لعنة الله والأقوام كلهم ومن عقوبته أن في المعاذ له من الجحيم من الجحيم لجاما ليس كاللجمي وصائن العلم عما ليس يحمله ماذا بكتمان بل صون فلا تلمي وإنما الكتم منع العلم طالبه من مستحق له فافهم ولا تهمي وأتبع العلم بالأعمال وادع إلى سبيل ربك بالتبيان والحكم» قال: وأتبع العلم بالأعمال، أتبع العلم بالعمل، فعلم بلا عمل لا ينفع وإنما يكون وبالا على صاحبه، وعالم بعلمه لم يعمل معذب من قبل عبادي الوثن، من قبل عبادي الوثن. قال: «وأتبع العلم بالأعمال وادع إلى سبيل ربك بالتبيان والحكم» والثالث: الدعوة إلى هذا العلم، إلى هذا الإيمان. قال: «واصبر على لاحق من فتنة وأذى فيه وفي الرسل ذكرى فاقتدي بهمي» وهذا الأمر الرابع وهو الصبر على الأذى فيه. قال: «لواحد بك يهديه الإله لذا خير غدا لك من حمر من النعم واسلك سواء الصراط المستقيم ولا واسلك سواء الصراط المستقيم ولا تعدل وقل ربي الرحمن واستقمي واستقمي» وهذا كما سبق معنا التنبيه على أهمية أن يكون طالب العلم، أن يكون الداعي إلى الله عز وجل مستقيما، فهو أول من ينتفع بهذا العلم. ونبهنا أن طبيعة الناس لا يقبلون ممن لا ينتفع بعلمه، الذي يأمر بالشيء ولا يفعله أو ينهى عن الشيء ويقع فيه. الناس في الغالب لا تقبل منه، لا تقبل منه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. انظر بعض الناس كالشمعة يحرق نفسه لكي يضيء لغيره، لكي يضيء لغيره، ليس كالمصباح الذي يضيء ويبقى ثابتا ويبقى نافعا، ويبقى نافعا. «يا واعظ الناس قد أصبحت متهما ويبقى نافعا، أنت على الناس أمورا أنت تأتيها، أنت تأتيها». وهكذا قيل: «مواعظ الواعظ لن تقبل حتى يعيها قلبه أولا». «يا قومي من أظل من واعظا خالف ما قد قاله في الملأ، أظهر بين الخلائق إحسانه وخالف الرحمن لما خلا». فلاستقامة لطالبي العلم تعتبر، أو تعتبر من الأمور المهمة جدا. وسبق وأن نبهنا وكررنا أن الناس ينظرون، بل يذققون النظر في أفعال طلاب العلم أكثر من تدقيقهم في كلام طالبي العلم. قد تلقي محاضرة أو درس، الكثير منهم ما ينتبه، الذي في نعاس، والذي يسرح يفكر بعيد، لكن ينظرون إلى سمتك، ينظرون إلى هديك وأفعالك حين أن تلقي درسك، وحين أن تلقي كلمتك وخطبك، حين أن تمشي في طريقك، حين أن تتعامل مع الآخرين، تأخذ وتعطي، تتحدث وتستمع، وهكذا غيرها. فماذا كما قيل: «قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل». وما أجمل يا إخوان التربية في مراكز العلم ودور الحديث، أجواء معينة على إصلاح النفس وعلى التخلص من النقائص والعيوب التي عندنا. فرصة يا إخوان: نحن اليوم في مرحلة نستطيع أن نغير ما عندنا من عيوب ونصلح ما عندنا من عيوب ونكمل ما عندنا من نقص. غدا سنخرج للناس نعلم ونعظ ونذكر ونخطب ونصلح بين الناس وهكذا غيرها. فلسنا معصومين ولكننا قدوة، ولكننا قدوة. وكما قال الإمام الكيا الهراسي الطبري الشافعي، قال معلقا على رأي للإمام الشافعي رحمه الله تعالى في باب النسخ، في باب النسخ: أن السنة لا تنسخ القرآن أو نحو ذلك. قال الإمام الكيا الهراسي الطبري الشافعي: «هفوات العظام أو زلات العظام على أقدارها، ومن عظم قدره عظم خطأه، عظم خطأه». سان الناس تنظر له بإجلال واحترام، قد لربما يفعل شيء يفعله غيره لكن منه غير مقبول، منه غير مقبول. فمن عظم قدره عظم خطأه، عظم خطأه. ومن الآداب التي اهتم بها أهل العلم ما ذكره الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» عن الصحابي الجليل وابن عم نبينا صلى الله عليه وسلم، مما اجتمل على آداب لطالبي العلم. قال: «يا طالب العلم، إن العلم ذو فضائل كثيرة، فرأسه التواضع، وعينه البراءة من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانه الصدق، وحفظه الفحص، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة الأمور الواجبة، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمته السلامة، وحكمته الورع، ومستقره النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لين الكلمة، وسيفه الرضا، وقوسه المداراة، وجيشه مجاورة العلماء أي القرب منهم، وماله الأدب، وذخيرته اجتناب الذنوب، وزاده المعروف، وماءه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه صحبة الأخيار». أكد ذكر الإمام الخطيب البغدادي كما في كتابه السابق ذكره «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»، وهكذا أيضا هو في «الفقيه والمتفقه» له رحمه الله تعالى. وكما سبق يُعزى للصحابي الجليل علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهكذا وهكذا أيضا مما نقل، ونقله عنه الخطيب البغدادي عن الصحابي الجليل علي ابن أبي طالب أنه كان يقول: قال: «لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم». هذه كذلك قصايا عظيمة احتاجها طلاب العلم، احتاجها طالب العلم. ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة شرحه على صحيح الإمام مسلم، وشرح النووي على صحيح مسلم هو يعتبر من أنفس شروح صحيح مسلم إلا أنه ينتبه لما وقع له من التأويلات فيما يتعلق بباب الصفات. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في سياق حديفه حول آداب لطالبي العلم: قال رحمه الله تعالى: «يستحب لطالب... قال: يستحب لكاتبي الحديث، لمن يكتب الحديث، قال: إذا مر بذكر الله عز وجل أن يكتب: عز وجل، أو تعالى. إذا مر بذكر الله لفظ الجلالة أو شيء من أسماء الله يكتب بعده: عز وجل، أو يكتب: تعالى، أو سبحانه وتعالى، أو تبارك وتعالى، أو جل ذكره، أو تبارك اسمه، أو جل عظمته، أو ما أشبه ذلك». انظر أول أدب مع الله عز وجل، هذا أول أدب وهو أعظم الأدب. قال: «وكذلك يكتب عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكمالهما». قال: «كذلك يكتب عند ذكر النبي، ماذا يكتب؟ صلى الله عليه وسلم، قال: بكمالهما، لا رامزا إليهما». تجد في بعض الكتب يكتب صاد بعد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، صاد يعني إشارة إلى الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم. لا، عود نفسك تكتب: صلى الله عليه وسلم، وإن زدت: صلى الله عليه وآله وسلم، أكمل. قال: «قال: بكمالهما، لا رامزا إليهما، ولا مقتصرا على أحدهما». يقول مثلا: عليه السلام، مقتصرا على السلام، لا، اجمع بين الصلاة والسلام. قال: «وكذلك يقول في الصحابي، ماذا يقول في الصحابي؟ أين أبو أسامة؟ نعم، عندك: إذا مر بك ذكر صحابي ماذا تكتب؟ مر بك ذكر أبي بكر الصديق مثلا، أو ذكر سعد ابن أبي وقاص، أو غيرهما، ماذا تكتب بعده؟ أحسنت: رضي الله عنه». صحابي يا إخوان لهم فضل عظيم، هم الذين نقلوا لنا هذا الدين عن النبي صلى الله عليه وسلم، هم الأمناء، فمن يطعن في الأمناء إلا من يريد أن يطعن في الدين، كالروافض، عليهم من الله ما يستحقون. قال: «فإن كان صحابيا ابن صحابيا، كان صحابيا ابن صحابيا، ماذا يقول يا أبا محمد؟ كان هو وأبوه صحابيا، سيقول ماذا؟ أحسنت: رضي الله عنهما، رضي الله عنهما». قال: «وكذلك يترضى ويترحم على سائر العلماء والأخيار». يعني الأصل أنه يترحم ويدعو لهم كما في قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، الذين سبقون بالإيمان. فيقول مثلا: الشيخ ابن باز رحمه الله، غفر الله له. إن قال: رضي الله عنه، هذا على سبيل الدعاء وليس على سبيل الإخبار، أي: اللهم ارضى عنه. وإن كانت اليوم الصلاح مستعمل مع الصحابة، فإذا أطلقها ووجد في كلام بعض العلماء أطلقوها في حق غير الصحابة: الشافعي رضي الله عنه، أي: اللهم ارضى عنه، مالك ابن أنس رضي الله عنه، فمن باب الدعاء لا من باب الإخبار. أما الصحابة فقد أخبر ربنا عز وجل أنه رضي عنهم: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. قال رحمه الله تعالى: يا أبا الفضل، من القائل؟ من القائل الذي نقرأ كلامه الآن؟ ماذا؟ ما شاء الله، أحسن: هو الإمام أبو زكريا يحيى ابن شرف النووي رحمه الله تعالى. قال النووي رحمه الله تعالى: «ويكتب كل هذا وإن لم يكن مكتوبا في الأصل الذي ينقل منه، الذي ينقل منه، فإن هذا ليس رواية وإنما هو دعاء». قال: «وينبغي للقارئ أن يقرأ كل ما ذكرناه وإن لم يكن مذكورا في الأصل الذي يقرأ منه. إذا مر به ذكر الله عز وجل يقول: سبحانه وتعالى، أو نحوها. مر به ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويسلم عليه وعلى آله، وإن لم يكن مكتوبا. وهكذا ما إذا ذكر عالما أو صحابيا كما سبق». قال: «ولا يسأم من تكرار ذلك». قال: «ومن أغفل هذا حرم خيرا عظيما وفوت فضلا جسيما، وفوت فضلا جسيما». أكذا ذكر رحمه الله تعالى وغفر له. وكم يا إخوان نستفيد من وصايا ونصائح وتوجيهات هؤلاء الأئمة وهؤلاء العلماء الذين سبقونا، فهم يعطونا عصارة هذه التجارب وخبرات مرت معهم، فماذا يحب لنا الخير، فلهذا يبدل لنا هذه النصائح. وهكذا أيضا مما يذكر في هذا، في هذا الباب، ما ذكره الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه النافع «جامع بيان العلم وفضله»، جامع بيان العلم وفضله. وهذا كتاب عظيم فيما يتعلق بالعلم والعلماء وغير ذلك. سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل تتمة ذلك، والكلام، والكلام عليه وعلى غيره إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة.