الدرس في ترجمة الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني 9، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع ترجمة الشيخ عبد الرحمن بن عمر بن مرعي العدني مبيناً عنايته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وورعه وعفته. كما يبرز حرصه على استغلال الأوقات في العبادة خاصة في رمضان ورقّة قلبه وبكائه عند سماع الحديث.
يصف المقطع تواضع الشيخ الشديد ولينه مع جلسائه حيث يوقر الكبير ويرفق بالصغير ولا يمل الاستماع. ويبرز كرمه الاستثنائي بإطعام الضيوف وإنفاق ماله الخاص عليهم وإصراره على دفع تكاليف الطعام في الأسفار الدعوية.
يبرز المقطع ذكاء الشيخ وفطنته من خلال قصة نصحه لطالب علم أراد ترك الحلقات لسداد دين محذراً من أن الإقبال على الدنيا قد يزيد الديون. وتحقق تنبؤ الشيخ حين وصل دين الطالب إلى ثلاثة ملايين بعد بيع دكانه دليلاً على بصيرته.
يشهد الشيخ أبو عبد الرحمن بن مرعي لأخيه الراحل الشيخ عبد الرحمن بأنه لم يرَ أحداً يجتهد في دراسة الفقه بمعناه الحقيقي مثله. ويؤكد أن هذه الشهادة لله وليست للمبالغة أو للعصبية الأخوية.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه، أما بعد: فلا نزال أيها الأحبة في الله مع ترجمة عظيمة لعالم من علماء هذه الدعوة المباركة، وهذه البلاد المباركة بلاد اليمن. فمن هو يا خالد؟ من هو؟ نعم، أحسنت. هو فضيلة شيخنا العلامة أبو عبد الله عبد الرحمن بن عمر بن مرعي العدني، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالديه أجمعين. وقد سبق معنا في الدرس الماضي الكلام حول بعض الجوانب المتعلقة بهذه الترجمة، ومن ذلك عنايته رحمه الله تعالى بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان يردد كثيراً في دروسه على مسامع طلابه، كان يقول: «نتعاون يا إخوة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وهكذا غيره كثير من قوله، وهكذا من فعله رحمه الله تعالى. وهكذا أيضاً تكلمنا حول عفة الشيخ رحمه الله تعالى وورعه، كان على جانب عظيم وكبير في هذا الأمر، كان عفيفاً وكان ورعاً وكان صابراً محتسباً رحمه الله تعالى. فكان على كثرة أفراد أسرته - كنا نحو ثمانية عشر فرداً - ومع هذا كان يتعفف عن أموال الدعوة، ويتنزه عما في أيدي الناس، عما في أيدي الناس. وكان رحمه الله تعالى لربما تأنّى في المكسب، أي عمل له عملاً يأكل منه هو وأفراد أسرته، تأنّياً لما كان في دار الحديث بدماج، وكانت ظروف طلاب العلم هناك صعبة، وأمورهم عسرة شحيحة، كان الشيخ لربما عمل له بعض الأشياء وأعطاها لبعض أصحاب المحلات يبيعونها كالمخلل هذا وغيره، وهذا إن دل على شيء دل على عفته، ودل على كذلك أيضاً نزاهته عما في أيدي الآخرين، عما في أيدي الآخرين. وهكذا ينبغي أن يكون طالب العلم، ليس مستشرفاً لما عند الناس، فإن الناس إذا رأوه يلهث أو رأوه يستشرف، فإن ذلك سيسقطه من أعينهم، سيسقطه من أعينهم. والشيخ رحمه الله تعالى كان في الفيوش إلى قبل أن يموت كان على هذا الحال، لربما يشتري أرضاً وبعد مدة يجعل بعض الإخوة يبيعها له، وينفق على نفسه وعلى أهله من ذلك إلى غير ذلك. ومن تتبع هذا الجانب في حياة الشيخ رحمه الله وجد الكثير، وجد الكثير، كما في قصة صاحب محل العسل التي ذكرناها سابقاً. وهكذا أيضاً من هذه الجوانب: رقة قلب الشيخ وسرعة بكائه، تجده يتكلم بالكلمة فما هو إلا أن يتأثر سريعاً فتدمع عينه، وهكذا يخشع قلبه رحمه الله تعالى. وأحياناً يقرأ عليه كما في درس صحيح مسلم مثلاً، يقرأ أحد الطلاب عليه، فما أن يسمع الحديث إلا والدموع تنهمر من عينيه رحمه الله تعالى. الشيخ رحمه الله تعالى كان أيضاً حريصاً على استغلال المواسم واستغلال الأوقات في علم وتعليم، وهكذا أيضاً في طاعة لربه عز وجل، ومن ذلك ما كان منه رحمه الله تعالى في شهر رمضان من الحرص على القيام، حتى أن يقوم هو مع أهله وأفراد أسرته، وكان يصلي بهم رحمه الله تعالى، وكان أيضاً حريصاً على العمرة في رمضان إذا تيسر ذلك، وإلا بقي في وسط طلاب العلم. أيضاً من جوانب حياة الشيخ رحمه الله تعالى كان على جانب عظيم من التواضع، تواضع يا إخوان، آه، تواضع عظيم كان عليه الشيخ رحمه الله تعالى، فقد كان هيناً ليناً رفيقاً متواضعاً مع الناس عموماً، ومع طلاب العلم على وجه الخصوص. وهذا يا إخوان أدب، أدب به ربنا عز وجل نبينا صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. والشيخ رحمه الله تعالى كان على جانب عظيم من اللين، وهكذا من الرفق، وهكذا من التواضع، فربما يأخذه الشخص ويبقى يتحدث معه وقتاً والشيخ لا يمل، لربما يتكئ على رجل إذا تعب على الأخرى، ولا يصرف بصره، وإنما نعم، هكذا ما شاء الله، ولا يشعر من يخاطبه بالسآمة والملل. وهذا يا إخوان يعرفه كل من جالس الشيخ وهكذا عاشره، ناهيك عن من يأتي بأسئلته لكي يجيب عنها الشيخ، أو يأتي البعض بمشاكلهم وخصوماتهم لكي يحلها الشيخ ويفض النزاع فيما بينهم، وقد مر معنا من هذا القبيل شيء فيما مضى. وهكذا أيضاً الشيخ رحمه الله تعالى كان يوقر الكبير، ويداعب ويتلطف مع الصغير، وغيرها مما يدل على التواضع لدى الشيخ رحمه الله تعالى. وهكذا أيضاً من هذه الجوانب: كرم عظيم، كرم عظيم لدى الشيخ رحمه الله تعالى، من صفاته التي تميز بها أنه كان سخياً كريماً، ويحب الكرم والجود، وكان يجود بما في يده، وهكذا يحرص على أن يشفع لإخوانه لدى أهل الخير. ومن هذا القبيل مواقف عظيمة وكثيرة، يذكر إخواننا في دار الحديث بدماج أن الشيخ رحمه الله تعالى مع ظروفه المعيشية الصعبة إلا أنه كان حريصاً على أن يدعو إخوانه لتناول الغذاء أو العشاء أو غير ذلك، يأتي أحياناً بعض طلاب العلم لزيارته في بيته، أعداد كبيرة، خمسة عشر، ستة عشر، عشرة، فيزورونه ومعهم بعض الإشكالات، بعض المسائل، بعض الأمور المتعلقة بالدعوة، فإذا أرادوا الانصراف لا يسمح لهم الشيخ أن ينصرفوا إلا بعد أن يتناولوا وجبة العشاء معه رحمه الله تعالى، لربما استدان لكي يكرم ضيوفه رحمه الله تعالى. والمواقف يا إخوان كثيرة جداً في هذا الباب، ولو تتبعنا قصصه رحمه الله تعالى في إقامته أو في سفره تجد أمراً عجباً، على سبيل المثال: يخرج الشيخ ويخرج معه من طلبة العلم من يخرج في الدعوة والأسفار، فإذا نزلوا بمطعم يأتي الشيخ ويصر أن يكون هو الذي يحاسب عن الطعام الذي أخذه هو مع الإخوة المرافقين له، والإخوة يأبون لكن الشيخ يصر على ذلك. ذات مرة ذكر أحد الإخوة أنهم خرجوا مع الشيخ إلى صنعاء وهم ثلاث سيارات، ونزلوا للأكل وقت الغذاء في أحد المطاعم، فلما انتهوا من الأكل أتى الشيخ يريد أن يدفع النقود، فقام الإخوة وأرادوا أن يكفوا الشيخ هذه المؤنة، فأصر الشيخ إلا أن يسدد نقود الغذاء، فلما جاء عند المحاسب قال له: كم حسابكم؟ فقال المحاسب: عشر آلاف. تعجب الشيخ: عشر آلاف؟ قال: تأكد يا أخي، نحن كثير وطلبنا طعاماً كثيراً. فاستدعى المحاسب العامل الذي يباشر إحضار الطعام، قال: تعال، كم مع الإخوة هؤلاء؟ قال: عشر آلاف. فدفع الشيخ هذا المبلغ من ماله الخاص. وهكذا غيرها، الإخوة الذين يأتون يستأذنون الشيخ للخروجات الدعوية وأسفارهم، فيأتي الإخوة يستأذنون الشيخ، ففي كثير من الأحيان يكرم الشيخ من أراد الخروج دعوة أو زواج أو غير ذلك، حتى أن بعض الإخوة أصبح يتحرج من الاستئذان من الشيخ، فبعضهم يريد أن يستأذن لكن قال: كلما دخلت للاستئذان على الشيخ فالشيخ يأبى إلا أن يعطيني مما يسر الله من المال. فكان الشيخ رحمه الله تعالى كما سبق على جانب عظيم من الكرم، من الكرم والبذل. كذلكم أيضاً مما عرف به الشيخ رحمه الله تعالى: عرف بذكائه وفطنته، والذكاء والفطنة من الأسباب التي يبرز بها طالب العلم. وقد مر معنا في دروس ماضية ما جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، من يأتي بالبيتين يا إخوان؟ «أخي لن تنال العلم إلا بستة / سأبين لك عن تفصيلها ببيان / ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة / وصحبة أستاذ وطول زمان». وقد تختلف العبارات أو الكلمات باختلاف الروايات، وأشاهد من هذا أن الذكاء والفطنة التي يكون عليها طالب العلم تعتبر معينة في هذا الباب. وكان الشيخ رحمه الله تعالى قد رزقه الله ذكاء وفطنة وزكاء، وهذا كما سبق معنا أعانه على التحصيل، وهكذا أن يتفوق على غيره في سن مبكر، وحفظ القرآن، وحفظ من المتون ما حفظ، وقرأ من الدروس ما قرأ في سن مبكر، وهذا يدل على ما سبق. والشيخ رحمه الله تعالى كان يتفرس كذلك في طلابه، وكان يسدي للطلاب من النصائح والتوجيهات ما تدل على فطنة وذكاء مع زكاء. ومن ذلكم: يذكر أحد الإخوة طلاب العلم من طلاب الشيخ رحمه الله تعالى أنه كان يحضر الدروس عند الشيخ، فانقطع عن حضور الدروس فترة، فسأل عنه الشيخ، فالتقى به، فقال له: أين أنت يا أخانا؟ أي لماذا لا تحضر الدروس؟ فقال هذا الأخ: يا شيخ، علي ديون، فقررت أن أجعل لي عملاً أقضي ديني ثم أتفرغ بعد ذلك لطلبي العلم. فقال الشيخ رحمه الله تعالى: «إن هذا من الشيطان يريد أن يبعدك عن حلقات العلم»، يقول: هذا من الشيطان يريد أن يبعدك عن حلقات العلم. ثم قال له الشيخ: كم عليك من الدين؟ فقال الأخ: ثلاثمئة ألف، يعني ريال يمني، مبلغ ليس بذاك الكبير، لكن بالنسبة لطالب العلم يعتبر كبيراً. ولهذا يا إخوان، الشيء بالشيء يذكر: طالب العلم لا ينبغي أن يحمل نفسه ديوناً، البعض يتوسع في المصروف فينتهي ما عنده من نفقة فيستدين عشرة، عشرين، ثلاثين، أربعين، وإذا بدين يكثر، ولربما في أشياء ليست ضرورية، يخرج يوم الخميس يتعشى عشاء محترماً كما يقال «برست» إلى غيرها، دين يا إخوان، هذه الديون قد تكون صارفة لطلبة العلم عن طلب العلم، يذهب بعدها يريد أن يشتغل لكي يسدد هذه الديون. شاهد من هذا صاحبنا يقول عليه ثلاثمائة ألف، فقال له الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الأخ: «لعلك إن أقبلت على الدنيا أصبحت ثلاثة ملايين»، يعني أنت تقول سأتفرغ لكي أسدد الديون، يقول: لعلك إن أقبلت على الدنيا تصبح ثلاثة ملايين، ثلاثة ملايين. ثم قال له الشيخ: سأتعاون معك فيها، أي في ثلاثمائة ألف. لكن الأخ أبى إلا أن يذهب ويشتغل ويعمل لكي يسدد هذه الديون. قال الأخ: فتحت دكاناً، وبعد مقتل الشيخ رحمه الله تعالى بفترة حصل لي عجز في العمل فقمت ببيع الدكان، فلما حسبنا الديون التي علينا في المحل قال: فإذا بها ثلاثة ملايين، فإذا بها ثلاثة ملايين. قال الأخ: فجلست أضحك، فجلست أضحك، فتعجب الإخوة الذين بجانبي، قالوا: تضحك وعليك هذا الدين؟ فقال: أخبرتهم بكلام الشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى، وقلت: يا ليتني أخذت بكلامه من أول يوم، والله المستعان، والله المستعان. فانظر إلى الفطنة التي أوتيها رحمه الله تعالى. يذكر شيخنا العلامة أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله تعالى عن أخيه الراحل الشيخ عبد الرحمن رحمه الله: قال: والله أقولها من دون مبالغة، ليس لأنه أخي، والله شاهد أني لم أرى أحداً كان يجتهد في دراسة الفقه بمعناه الذي ذكر مثل الشيخ عبد الرحمن رحمه الله