الدرس في تفسير سورة المائدة من تفسير السعدي 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي أن الشعائر في الآية تعني المحرمات التي أمر الله بتعظيمها، ويشمل النهي عن فعلها واعتقاد حلها. كما يبين أن النهي يغطي محرمات الحرم كصيد الحرم وزراعته، مؤكداً وجوب تعظيم شعائر الله وتجنب الاعتداء عليها.
يبيّن المقطع أن الظلم والقتال في الأشهر الحرم مُحرّمان ومُضاعفا العقوبة، ويناقش خلاف العلماء في جواز القتال فيها بين من قال بنسخ النهي بعمومات الأمر بالقتال المطلق وفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تمسك ببقاء النهي وحمل المطلق على المقيد، وفصل فريق ثالث بجواز استدامة القتال إذا بدأ في غير الأشهر الحرم.
يبيّن المقطع أن قتال الدفع جائز للمسلمين في الشهر الحرام وغيره بإجماع العلماء إذا ابتدأ الكفار بالقتال، لأن ترك القتال يؤدي إلى اعتداء الكفار وقتل المسلمين. ويشير إلى أن آية ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ سيُفصّل فيها لاحقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله: عند قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قال رحمه الله: يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾، أي محرماته التي أمركم بتعظيمها وعدم فعلها. فالشعائر هنا أراد ما حرمه ربنا جل وعلا على الناس، فجعله من شعائر هذا الدين. المحرمات التي حرمها الله عز وجل تعتبر من شعائر هذا الدين. والشعائر والشعيرة هو الشيء المشهور والمعلوم انتسابه لهذا الدين. قال: فالنهي يشمل النهي عن فعلها، والنهي عن اعتقاد حلها، فهو يشمل النهي عن فعل القبيحة وعن اعتقاده. ويدخل في ذلك النهي عن محرمات الحرام ومحرمات الحرم، أن الكلام كان في سياق المحرمات في الحرم من الصيد والزرع وغير ذلك. قال: ويدخل في ذلك من نص عليه بقوله: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، أي لا تنتهكوه بالقتال فيه وغيره من أنواع الظلم، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. على أن الظلم في الأشهر الحرم يتضاعف، يتضاعف الظلم في الأشهر الحرم، ومن ذلك القتال. لكن سيذكر المؤلف أنه وجد خلاف بين العلماء. قال: والجمهور من العلماء على أن القتال في الأشهر الحرم منسوخ بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، وغير ذلك من العمومات التي فيها الأمر بقتال الكفار مطلقًا، مثل قوله جل وعلا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾. ففي الآيات الأمر بقتال المشركين في أي مكان. وقال بعض العلماء: إن هذا منسوخ، والمراد منسوخ أي قتال المشركين، وليس المراد القتال بين المسلمين، فالقتل بين المسلمين في الحرم عظيم. لكن هنا المراد: هل يقتل الكفار إذا كانوا في الحرم أو لا؟ قال: وغير ذلك من العمومات التي فيها الأمر بقتال الكفار مطلقًا، والوعيد في التخلف عن قتالهم مطلقًا، وبأن النبي عليه الصلاة والسلام قاتل أهل الطائف في ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم، لما حصرهم. معنى حصرهم في بداية شوال، ودخل عليهم ذو القعدة وهو لا يزال محاصرًا لهم، فدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام قاتل في الأشهر الحرم. وقال آخرون: إن النهي عن القتال في الأشهر الحرم غير منسوخ، لهذه الآية وغيرها مما فيه النهي عن ذلك بخصوصه، وحملوا النصوص المطلقة الواردة على ذلك، وقالوا: المطلق يحمل على المقيد. وفصل بعضهم فقال: لا يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، وأما استدامته وتكميله إذا كان أوله في غيرها فإنه يجوز. وحملوا قتال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الطائف على ذلك؛ لأن أول قتالهم في حنين في شوال. وأما مما يدل على هذا القول الثاني: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل مكة، فقال كما في حديث بشرح: «إن مكة لا تحل لأحد، وإنما حلت لي ساعة من نهار، وهي حرام إلى يوم القيامة». مع أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل إلى مكة دخل وفيها المشركون، فهذا دليل على أن الحكم لم ينسخ. لكن كما قال كثير منهم: أن هذا إذا كان في ابتداء قتالهم في غير الأشهر الحرم، إذا ابتدأوا القتال في غير الأشهر الحرم واستمر القتال، فإنهم استداموا هذا القتال ويجوز. قالوا: كل هذا في القتال الذي ليس المقصود منه الدفع. فأما قتال الدفع، إذا ابتدأ الكفار المسلمين بالقتال، فإنه يجوز للمسلمين القتال دفعًا عن أنفسهم في الشهر الحرام وغيره بإجماع العلماء، وهذا لا شك فيه. لا يقال: نحن في شهر حرام ما سنقاتل. لا، هذا في مسألة الهجوم، أما في مسألة الدفع فإنه يجوز في أي شهر كان؛ لأنه لو ترك القتال لتعدى الكفار على المسلمين وقتلوهم. طيب. قال: قوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. إن شاء الله الهدية والقلائد هذا نذكرها في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.