الدرس في تفسير سورة المائدة من تفسير السعدي 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي معنى النهي عن تحليل شعائر الله مبيناً أنها تشمل المحرمات الواجبة التعظيم في الأماكن والأزمنة والذوات. ويوضح وجوب حفظ الهدي وعدم منعه أو إتلافه مع الإشارة إلى نسخ جواز حج المشركين بسورة التوبة.
يبين المقطع معنى الهدي والقلائد كشعائر للتعظيم والأمان مستعرضاً سياق نزول النهي عن انتهاك حرمات الله. ويؤكد على إكرام قاصدي البيت الحرام من المسلمين وردع من أراد منعهم.
يستعرض المقطع خلاف العلماء في نسخ آية منع المشركين ويرجح اختصاصها بأهل الإيمان مع وجوب إكرام الحاج وتأمين طرقه. ويؤكد وجوب صد من يقصد الحرم للإلحاد مستشهداً بجهود الحكومة السعودية.
يشير المقطع إلى الطمأنينة في المكان المذكور ويعلن المتحدث عن تأجيل تكملة تفسير الآية المتبقية إلى درس قادم. ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر في ختام الجلسة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قال: يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: أي محرماته التي أمركم بتعظيمها وعدم فعلها، فالنهي يشمل النهي عن فعلها والنهي عن اعتقاد حلها. ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أي: التي أمركم بها والتي نهاكم عنها، فالشعائر تكون في الأماكن، وفي الأزمان، وكذلك في الذوات. فمن الأماكن: مكة، والمدينة. وكذلك من الشعائر: الأشهر الحرم، هذه من الزمانية. ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. طيب، قرأنا هذه كما قال الإخوة في شعائر الله، وهنا خصها المؤلف رحمه الله بما نهى عنه بالمحرمات، وبعضهم ذكر في تفاسيرهم أنها عامة في كل الشعائر، فمنها ما أمر الله عز وجل بها، ومنها ما نهى عنه، أي: الأشياء التي اشتهرت في الشرع، ولهذا ذكر منها القلائد والهدي، وذكر الشهر الحرام. ثم قال: وقوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، أي: ولا تحلوا الهدي الذي يهدى إلى بيت الله في حج أو عمرة أو غيرهما، من نَعم وغيرها، فلا تصدوه عن الوصول إلى محله، ولا تأخذوه بسرقة أو غيرها، ولا تقصروا به، أو تحملوه ما لا يطيق خوفاً من تلف. إن كل هذا معنى أنه يحافظ على الهدي، وأيضاً لا تمنع هذا الهدي أو تمتنع عنه، بل هو شريعة من شرائع الله، طالب تعظيمه، وتعظيم من جاء به. معنى هذا في قيل: أنه في أن هذا كله نسخ، لأن هدي المشركين لا يصح، وقد أمر الله عز وجل أيضاً بصد المشركين عن بيت الله، عن بيته الحرام، وهذا ما يؤيد أن سورة التوبة كانت بعد المائدة، أن سورة التوبة كانت بعد المائدة، لأن في المائدة في سورة المائدة أجاز الله عز وجل للمشركين أن يحجوا بيت الله الحرام كما سيأتي، وفي التوبة نهى عنهم أن يحجوا بيت الله الحرام. ويؤيد ذلك السنة، وأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر علياً أن يقرأ على الناس سورة التوبة، أنها أنزلت في حجة، أو في السنة التاسعة، قبل أن يحج النبي عليه الصلاة والسلام، وأمر أيضاً علياً ومن كان معه وأبا بكر أن ينهوا الناس، أن ينهوا المشرك أن يحج بعد ذلك العام، فكانوا ينادون في الناس: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. وهذا كما قلنا يدل على أن سورة التوبة نزلت بعد المائدة، أو بعد المائدة، وأن هذا قد نسخ. ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ أي: ولا تحلوا الهدي ولا القلائد. هذا نوع خاص من أنواع الهدي، وهو الهدي الذي يفتل له قلائد أو عرى، فيأخذ من صوف الغنم فيفتل، ويجعل كالقلادة في البعير، ويوضع له نعل أو ورق شجر في وسطه حتى يعرف أنه هدي. وقد كان العرب إذا كان الإنسان راجعاً من الحج أو من عمرته فعل ذلك بنفسه، جاء له بقلائد وقلد نفسه حتى يعرف أنه جاء من العمرة فلا يكلم، لأن الناس كانوا قطاع طرق، إن تجد قطاع الطرق كثير في الطرق، فلذا لا يأمن الإنسان على نفسه، خاصة إذا مشى وحده. فلذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم: «أتعرف الضعينة؟ فإنها سيأتي على هذه الضعينة المرأة التي تركب الناقة، سيأتي على هذه الضعينة يوماً تسير من الحيرة إلى الكعبة، أو تسير من المدينة إلى صنعاء، ولا تخاف إلا الله». فقال عدي: فأين دعار طي الذين سعروا في البلاد؟ انتشروا، فأين الدعار الذين يخوفون الناس، يدعرونهم عن قطاع الطرق؟ أينهم؟ فكيف ستمر هذه المرأة؟ فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الأمن يسود، لأن أهل الجاهلية ما كان الأمن عندهم، بل كانوا قطاع طرق كثير، كانوا قطاع طرق كثير. ولهذا كان أحدهم يعمل قلادة يقلد نفسه حتى يعرف أنه جاء من العمرة فلا يتعرض له، فلا يتعرض له. قال: أو تحملوه ما لا يطيق خوفاً من التلف. ثم قال: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، وهو الهدي الذي يفتل له قلائد وعرى، فيجعل في أعناقه إظهاراً لشعائر الله، وحملاً للناس على الاقتداء، وتعليماً لهم للسنة، وأيضاً كذلك لأجل أن لا يتعرض له أحد، لأنه هدي يعرف الهدي بالقلائد، ﴿وَلِيَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وليعرف أنه هدي فيحترم، أو فيحترم. ولهذا كان تقليد الهدي من السنن والشعائر المسنونة. وقوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، أي: قاصدين له، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾، أي: من قصد هذا البيت الحرام وقصده، فضل الله بالتجارة والمكاسب المباحة، أو قصده رضوان الله بحجه وعمرته، والطواف به، والصلاة، وغيرها من أنواع العبادات، فلا تتعرضوا له بسوء، ولا تهينوه، بل أكرموه، وعظموا الوافدين الزائرين لبيت ربكم. وهذا فيه إكرام لحجاج بيت الله والمعتمرين، وأنهم يعاملون معاملة خاصة. وقد قال بعض أهل العلم: أن هذا منسوخ، لأن هذه نزلت الآية في الكفار، لكن قد تحمل على أهل الإيمان، ويحمل أيضاً على أن قصد البيت يحترم، وأيضاً يكرم من المسلمين، وأما الكفار فلا يدعون إلى، أو لا يطقون إلى أن يحجوا بيت الله الحرام، لأنه لا يجوز أن يحج البيت مشرك، ولا يمكن الدخول مكة. ونزلت هذه الآية كما ذكر بعضهم، جاءت عند ابن أبي حاتم وغيره، أنها نزلت في أناس من المشركين لما صدوا يوم الحديبية، لما صد الكفار أهل الإسلام أن يعتمروا، فكان الناس يمرون عندهم من المشركين ومعهم هدي، ومعهم قلائد، يأمون البيت، يقصدون البيت الحرام، فقال بعض الصحابة: نمنعهم كما منعتنا قريش، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، أي: لا تتعرضوا لهم لأنهم يريدون أن يعتمروا. فكما قلنا قال بعض أهل العلم: أن هذا نسخ، لأن الله عز وجل قال في سورة التوبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، فنهى الله عز وجل أهل الشرك أن يأتوا إلى الحرام، وأنهم يصدون عنه، فلذا كانت هذه الآية ناسخة. لكن كما ذكر الشيخ هنا أنها تحمل على أهل الإسلام، تحمل على أهل الإسلام، وأنه لا يجوز للمسلم أن يؤذي من كان حاجاً ومعتمراً، وأن يصده عن البيت، وأن يصده عن البيت، أو كذلك يؤذيه في الطريق، بل يكرم ويعظم. قالوا: الطواف به والصلاة وغيرها من أنواع العبادات، فلا تتعرضوا له بسوء، ولا تهينوه، بل أكرموه، وعظموا الوافدين الزائرين لبيت ربكم. قال: ودخل في هذا الأمر الأمر بتأمين الطرق الموصلة إلى بيت الله، أن الحكومات يجب أن تؤمن الطرق إلى بيت الله الحرام، كما تفعل كل الدول الإسلامية وغيرها، ومن خصهم المملكة العربية السعودية، فهي تبذل جهوداً عظيمة، ولا شك أن الأخطاء موجودة لكنها من الأفراد، أما الحكومة فهي تسهل للناس حاجات كثيرة، وتخدم أيضاً ضيوف الحرم، وتجعل القاصدين لهم مطمئنين مستريحين، غير خائفين على أنفسهم من القتل فما دونه، ولا على أموالهم من المكس والنهب ونحو ذلك. المكس هو العشور التي تؤخذ على الناس، يعني: الجمارك. قالوا: هذه الآية الكريمة مخصوصة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، أن الشيخ يجعلها مخصوصة وليست منسوخة، وقد يكون أيضاً معنى ما جاء عن ابن عباس وغيرها أنها منسوخة، يريدون به النسخ التخصيص، لأن بعض أهل العلم أو بعض الصحابة ومن التابعين يطلق النسخ ويريد به التخصيص، يطلق النسخ يقول: نسخ، وهو يريد التخصيص على اصطلاح الفقهاء، فلذا تحمل هذه الآية على التخصيص، على أنه خاص بأهل الإيمان، وأما أهل الكفر فإنهم يمنعون ويصدون. قال: فالمشرك لا يمكن من الدخول إلى الحرم، والتخصيص في هذه الآية بالنهي عن التعرض لمن قصد البيت ابتغاء فضل الله أو رضوانه، يدل على أن من قصده ليلحد فيه بالمعاصي، فإن من تمام احترام الحرم صد من هذه حاله عن الإفساد ببيت الله، أنه مثل ما يفعل الروافض أخزاهم الله، فلو صدوا عن البيت لكان خيراً للحجاج، أنهم يفسدون في الحج، وأيضاً في عرفة تسمع الأصوات المزعجة منهم، وكذلك أيضاً تجد الحقد في قلوبهم على المسلمين، ما يسلمون ولا يردون السلام، وأيضاً كذلك ما تجد الابتسامة في وجوههم. قال: كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أي: من عرف أنه يذهب إلى الحج ليصد عن سبيل الله، أو لأجل أمور أخرى من الفساد، فلا بأس أن يصد عن بيت الله الحرام، أو يخرج، مثلاً لو عرف أنه يفسد في الحج، فلا بأس لمن كان له ولاية في ذلك المكان أن يخرجوه، مثل ما تفعل الآن الحكومة السعودية، مثلاً، من رأوا منه أشياء من الجرم، معنى الإجرام، أو التسول، أو غير ذلك، فتجدهم يخرجونه ويسفرونه بلده، وهذا لأجل أن لا يؤذي الناس، وخاصة حجاج بيت الله الحرام، حتى يكونوا على سكينة وطمأنينة في ذلك المكان. وبقيت الآية فيها أيضاً بقية، إن شاء الله تعالى نتركها في درس لاحق. ترجمة: نانسي قنقر