التعليق على تقريب التدمرية 103

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 103، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في واجبات المؤمن

يجب على المؤمن أن يفعل المأمور ويدع المحظور ويصبر على المقدور، وقد أمر الله تعالى بالصبر والاستغفار في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

أهمية الصبر على حكم الله

يتطلب الصبر على حكم الله الشرعي الإخلاص في العمل والاستغفار بعده، بينما يتطلب الصبر على الحكم القدري التوكل على الله والأخذ بالأسباب والصبر على النتائج.

أصول الأمر الشرعي والقدر

يشمل الأمر الشرعي الاجتهاد في الامتثال والاستغفار والتوبة، ويشمل القدر التوكل على الله والصبر على ما يترتب عليه، وهذه الأصول مهمة في حياة المسلم.

فضل العلم بالله تعالى

العلم بالله تعالى هو أعظم أنواع العلم لشرف المعلوم به، وهو أفضل أنواع العلم لأن الله جل وعلا هو أعظم معبود.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل في فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور. قال المؤمن مأمور بفعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾. وقال: ﴿إنه من يتقي ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾. وقال عن لقمان: ﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾. وقال: ﴿وبشر الصابرين﴾. وما أمر في جانب الطاعة بالإخلاص والاستغفار. قال الله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات﴾. وقال: ﴿أن اعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾. وقال تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه﴾. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم إليه مئة مرة». وقال: «إنه ليغان على قلبي وإني لا أستغفر الله في اليوم مئة مرة»، أخرجهما مسلم. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «والله إني لا أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة». ذكر رحمه الله تعالى في هذا الفصل ما يجب على المؤمن أن يكون عليه. فالمؤمن الذي يجب أن يكون عليه أن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور. هذا هو المؤمن الحق والصادق في إيمانه. يفعل المأمور، وهي الطاعة، وهي الأمر والنهي، الأمر بفعله، والنهي بتركه، والطاعة بفعلها، والمعصية بتركها. وهكذا يصبر على المقدور، فلابد في الإيمان من صبر على حكمين: الحكم الشرعي، وهو الأمر الشرعي، والحكم القدري، وهو الأمر الكوني. فاصبر لحكم ربك، يقول الله جل وعلا: ﴿فاصبر لحكم ربك﴾. وحكم الله جل وعلا منهما شرعي، وهذا يشمل الأمر والنهي، الأمر بفعل الطاعة، والنهي في ترك المحرمات. والحكم القدري الكوني وهو الصبر على أقدار الله جل وعلا التي قضاها جل وعلا كونا وقدرا. فإذا صبر على الطاعة بفعلها، وعن المعصية بتركها، وعلى القدر بالصبر عليه، هذه حقيقة الإيمان. ومن الناس من ضل في هذا، كما سيذكره المؤلف في الفصل الذي سيأتي بعد هذا. أما الأصلان في الأمر الشرعي فهما: الإخلاص في العمل، والاستغفار بعده. فالأول قبل العمل، والثاني بعد العمل. فالذي قبل العمل الإخلاص، قبل أن تعمل العمل عليك أن تخلص في هذا العمل. وإذا فعلت العمل وخلصت فيه، صار عليك أن تستغفر بعد انتهاء العمل، لأنه ما من إنسان إلا ويقع في شيء من التقصير والتفريط. فيستغفر من أنه ما عبد الله جل وعلا حق عبادته. لأن ما من أحد إلا وهو مع عبادته يقع فيها تقصير. فاستغفارك بعد العمل جبر لهذا الخلل ولهذا التقصير، ويعينك على عدم الاغترار بعملك. والأمر القدري كذلك لابد فيه من أمرين: الأول التوكل على الله جل وعلا، وتفويض الأمر لله جل وعلا، والأخذ بالأسباب. والأمر الثاني الصبر، لأنك قد تتوكل على الله جل وعلا وتفوض أمرك إلى الله جل وعلا وتأخذ بالأسباب، ولا يتحقق مطلوبك. فلذلك تصبر فلا تتأسى ولا تغضب ولا تفعل شيئا يخالف الشرع. فإذا الأمر الشرعي يحتاج إلى إخلاص العمل واستغفار بعده، والأمر القدري يحتاج إلى توكل على الله جل وعلا وتفويض الأمر إليه مع الأخذ بالأسباب، وهذا يكون قبل العمل، والثاني بعد العمل وهو الصبر على ما يترتب عليه. قال رحمه الله تعالى: والجامع لهذا أنه لا بد في الأمر من أصلين، أي في الأمر الشرعي وهو الأمر والنهي، ولا بد في القدر من أصلين، أي ما قضاه الله جل وعلا وقدره كونا. أما الأصلان في الأمر الشرعي فهما: الأول أصل قبل العمل أو مقارن له، وهو الاجتهاد في الامتثال علما وعملا. فيجتهد في العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، ثم يعمل بما يقتضيه ذلك العلم من تصديق الأخبار والعمل بالأحكام، فعلا للمأمور وتركا للمحظور. والثاني أصل بعد العمل، وهو الاستغفار والتوبة، والتوبة من التفريط في المأمور أو التعدي في المحظور. ولهذا كان من المشروع ختم الأعمال بالاستغفار، كما قال الله تعالى: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾. فقاموا الليل وختموه بالاستغفار. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا. وأخر سورة نزلت عليه سورة النصر: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾. فكان بعد نزولها يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي». وكان نزولها إيذانا بقرب أجله صلى الله عليه وسلم، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في مجلس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بمحضر من الصحابة، فأقره عمر رضي الله عنه. وقال: ما أعلم منها إلا ما تقول. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر أن يقول قبل أن يموت: «سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك». فجعل الاستغفار والتوبة خاتمة العمر، كما جعلت خاتمة العمل. وأما الأصلان في القدر فهما: التوكل على الله جل وعلا، والصبر على ما يترتب عليه. فالعبد مأمور أن يتوكل على الله جل وعلا، ويصبر على ما يترتب على ذلك. والعلم يعظم بشرف المعلوم، وربنا جل وعلا هو أعظم معبود، فالعلم به هو أعظم العلم. لأن العلم يعظم بشرف المعلوم، فالعلم بالله جل وعلا هو أفضل العلم لشرف المعلوم به، وهو الله جل وعلا. وهكذا انتهى الوقت، ونواصل في درس لاحق، صلى الله وسلم على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.