فوائد من سورة الفاتحة 3

فوائد من سورة الفاتحة 3

الدرس في فوائد من سورة الفاتحة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل سورة الفاتحة وبدء شرح المسائل الثلاث

يوضح الدرس عظمة سورة الفاتحة كركن من أركان الصلاة واشتمالها على أنواع التوحيد الثلاثة، ثم يشرع المؤلف في ذكر المسائل الثلاث المستفادة من الآيات الثلاث الأولى وأولها المحبة لله لإنعامه.

أنواع المحبة في الإسلام واستدلالها من آية الحمد

يستخلص المؤلف المحبة من قوله تعالى الحمد لله رب العالمين لكون الله المنعم، ويقسم المحبة إلى أربعة أنواع: شركية، محرمة، طبيعية، وواجبة مع تفصيل النوع الشركي ودليله.

محبة الأنداد والقبور دليل على الشرك

يبيّن المقطع أن شدة محبة المشركين وعباد القبور لأندادهم حتى القتال عنها دليل على شركيتهم، ويضرب مثالاً واقعياً بدفاعهم عن الأضرحة بالرصاص مقابل نفورهم من ذكر الله.

تعظيم غير الله من مظاهر المحبة وختام الجلسة

يشير المقطع إلى أن تعظيم من يُعبد من دون الله من مظاهر المحبة، ثم يختم المتحدث الجلسة بالشكر والاكتفاء بما ذُكر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: فتقدم في درسين ماضيين الابتداء في كتاب "بعض فوائد من سورة الفاتحة" للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى، واخترنا شرح الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله تعالى. وقرأنا شرح ذلكم الشيخ في هذه المقدمة قبل دخول الشارح في المتن، وذكر في المقدمة أسماء هذه السورة، وأنها جاءت بأسماء متعددة. وأخذنا كذلك ما في هذه السورة؛ لأن هذه السورة عظيمة ومهمة. ففي هذه السورة أنها ركن من أركان الصلاة، فلا تتم صلاة المسلم في أي ركعة من ركعات هذه الصلاة إلا بقراءة هذه السورة. ولأهمية هذه السورة -كما تقدم- أن فيها أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات. وأيضًا تضمنت هذه السورة على نوعي الدعاء: دعاء المسألة، ودعاء العبادة. وفي هذه السورة أيضًا إثبات الرسالات، وإثبات البعث والنشور. وفي هذه السورة أيضًا الرد على جميع الطوائف المنحرفة؛ ففيها الرد على المشركين والملاحدة، وفيها الرد كذلك على اليهود، وعلى النصارى، وعلى جميع المبتدعة. جميع المبتدعة ترد عليهم هذه السورة. سورة عظيمة، حتى الأحزاب والفرق المعاصرة التي حدثت في هذه الأزمان ترد عليهم هذه السورة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. الصراط المستقيم -كما تقدم- هو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فهذه الفرق، وهذه الجماعات، وهذه الأحزاب خرجت عن ذلكم الصراط؛ لأن التحزب والتشيع في الدين ليس من هدي الأنبياء والمرسلين، وليس من هدي الشهداء والصالحين، فهو مخالف لهديهم ولطريقتهم. فهذا فيه رد عليهم. فصراط الذين أنعم الله عليهم هو الصراط المستقيم الذي أمرنا ربنا سبحانه وتعالى بالتزامه وبالسير عليه. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾. أمرنا الله عز وجل باتباع هذا الصراط. وما هو هذا الصراط؟ هذا الصراط هو صراط الذين أنعم الله عليهم. فأنت في كل ركعة تدعو الله عز وجل أن يثبتك على هذا الصراط، وأن كذلك يزيدك من علم وفقه، وكذلك مسائل هذا الصراط، الصراط المستقيم. فهذه السورة أيضًا فيها رد على كل مبتدع. فهذا يدلنا على عظم هذه السورة، وأنها سورة عظيمة. وكما تقدم أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى أراد من هذا المؤلف ذكر بعض فوائد هذه السورة، ما أراد شرح وتفسير هذه السورة، إنما أراد ذكر بعض مسائل وفوائد تتعلق بهذه السورة. فبدأ بقوله رحمه الله تعالى: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين». بدأ بهذه الآيات الثلاث، ثم قال بعد ذلك رحمه الله: «هذه الآيات الثلاث تضمنت ثلاث مسائل». تضمنت ثلاث مسائل. قال الشارح الفوزان حفظه الله تعالى: «قال: الثلاث آيات التي تلاها في أول الرسالة، الحمد لله» -يعني في أول هذا الكتاب- «الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. قال: تضمنت ثلاث مسائل». قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب: «الآية الأولى» -يعني ما هي هذه المسائل الثلاث؟ قال: «الآية الأولى فيها المحبة؛ لأن الله منعم، والمنعم يحب على قدر إنعامه». فإذن المسألة الأولى مما أرادها المؤلف من إراد هذه الآيات الثلاث: المحبة، الكلام على المحبة. فقال الشارح الفوزان حفظه الله: «قال: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على ماذا؟ قال: على نعمه. فهو يحمد سبحانه وتعالى لذاته، ولأسمائه وصفاته، ولأفعاله. من أجل ذلك كله يحمد سبحانه وتعالى. يحمد لذاته عز وجل لأنه ليس كمثله شيء، ويحمد لأسمائه وصفاته لأن أسماءه حسنى وصفاته عليا سبحانه وتعالى، ويحمد لأفعاله؛ فإن أفعال الله عز وجل كلها حكمة، كلها حكمة، وكلها خير لبني آدم، وإن جهل بعض ذلكم الخير في بعض ما يقدر الله سبحانه وتعالى. فأفعال الله سبحانه وتعالى كلها حكمة، وكلها نعم على ذلك الإنسان. فلذلك: الحمد لله رب العالمين فيها المحبة من أي وجه؟ قال: فهو المنعم على عباده، فكل منعم فهو يحمد على قدر ما أنعم. وهذا يقتضي أن يحب الذي ينعم ويعطي، فهو يقتضي أن يحب. فإذا استخلص المؤلف المحبة من هذه الآية: يحمد لإنعامه، والمنعم محسن، فالمحسن لابد أن يحب، لابد ماذا أن يحب؟ قال: لأن النفوس جبلت على حبي من أحسن إليها. والله عز وجل هو المحسن، وهو المنعم، وهو المتفضل على عباده، فتحبه القلوب على نعمه وعلى فضله وإحسانه محبة لا يعادلها محبة». فإذا استخلص المؤلف المحبة من هذه الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فهو يحمد لإنعامه، والمنعم محسن، والمحسن والمنعم يحب، والنفوس جبلت على محبة من أحسن إليها. فإذا يحب الخالق سبحانه وتعالى لإنعامه ولتفضله ولكماله في ذاته وأسمائه وصفاته. قال: «ولذلك كانت المحبة أعظم أنواع العبادة، عبادة قلبي عظيمة، عبادة قلبي عظيمة، من أعظم العبادات. كلما كانت محبة العبد لربه أقوى وأعظم، كلما كان أقرب من الله سبحانه وتعالى، وكلما كان أخشأ، وكلما كان أسرع إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، وكلما كان أبطأ إلى معصية الله سبحانه وتعالى. فإذن المحبة عبادة عظيمة». قال: «فالحمد لله رب العالمين تتضمن المحبة، وسيدكر الشيخ رحمه الله أن المحبة على أربعة أنواع» -يعني سيفصل المؤلف في أنواع المحبة حتى يستفيد المسلم فيعمل بالمحبة المشروعة ويترك وينتهي عن المحبة الممنوعة المحرمة. قال: «محبة شركية، هذا النوع الأول». هذا كلام الشارح، وإلا سيأتي أيضًا من كلام المؤلف المصنف رحمه الله أقسام هذه الأنواع الأربعة، وسيأتي تفصيل الشارح لها، لكن هنا ذكرها على سبيل الإيجاز وعلى سبيل الذكر. فقال: «أن المحبة على أربعة أنواع: محبة شركية، وهي محبة الأصنام والأوثان، وكل ما يعبد من دون الله. ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حبًا لله». قال: «لأن محبتهم محبة توحيد وإخلاص. فإذا عظم المعبود... فإذا عظم الإنسان غير الله وأحبه محبة قلب، ومحبة توحيد، ومحبة إخلاص، فهذا قد وقع في المحبة الشركية التي تجعله في عداد المشركين، في عداد المشركين. وهذا سيأتي الكلام عليها». النوع الثاني من نوع المحبة: «محبة محرمة، وقد تصل إلى الكفر والنفاق، والعياذ بالله، كما سيأتي. وهي محبة ما يبغضه الله سبحانه وتعالى من الممنوعات والمنهيات والمحرمات. ومن ذلك محبة المشركين ومحبة الكفار. وهذا سيأتي التفصيل فيها، وأنه من صفات أهل النفاق». قال: «النوع الثالث: محبة طبيعية، وهي محبة الإنسان لأولاده، ولأبويه، ولزوجته، ولأصدقائه. هذه محبة طبيعية لا يؤاخذ عليها الإنسان. وهذا أيضًا سيأتي التفصيل فيه». قال: «النوع الرابع: محبة واجبة، وهي محبة أولياء الله، وهي المحبة في الله والموالاة لله عز وجل. كل هذا داخل في قوله: الحمد لله رب العالمين». ثم قال صاحب المتن الشيخ محمد عبد الوهاب: «والمحبة تنقسم إلى أربعة أنواع: محبة شركية، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾». قال الشارح: «﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾: أي شبهاء ونظرة لله عز وجل. الند هو الشبيه والنظير. قال: فكل ما عبد من دون الله فقد اتخذ ندًا لله، وشبيهًا لله، وعديلًا لله عز وجل. قال: والمشركون يحبون معبوداتهم محبة شديدة، ولذلك يموتون دونها ويقتلون دونها. ولو كانوا لا يحبونها ما قاتلوا دونها. لكن يتمسكون بها ويحبونها. وهذه هي كما تقدم معنا: محبة العبادة، ومحبة كذلك التوحيد والإخلاص». فانظر المشركين لما سفه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحلامهم، ولما كذلك جرح آلهتهم، قاموا على النبي عليه الصلاة والسلام، وقاتلوا من أجل تلكم الأنداد والأصنام. لماذا دافعوا عن هذه الأصنام؟ ولماذا دافعوا عن هذه الأنداد؟ لا شك أن السبب في ذلك محبتهم إياها؛ لأنهم يحبونها كحب الله، أو أشد كحب الله، أو أشد. وإلا لو لم يحبونها لما ناضلوا من أجلها، ولما قاتلوا من أجلها. فهذا دليل على أن محبة هذه الأنداد والأصنام في قلوبهم، فهي محبة إخلاص، وهي كذلك محبة توحيد. فهذه محبة شركية. وهكذا عباد القبور: يحبون هؤلاء المقبورين، وهذه المعبودات التي يعبدونها من دون الله محبة شديدة. فهم يناضلون من أجلها، وربما قاتلوا من أجلها، وربما كذلك أنفقوا من أجلها، ودافعوا من أجلها. هذا يدل على ماذا؟ هذا يدل على شدة محبتهم إياها. أذكر وهذا يدل على هذا المعنى في حرب 94: لما حدث ما حدث، وصارت البلاد يومين بدون حكم وبدون دولة -يزيل الله خير- بعض إخواننا، بعض إخواننا من أهل السنة اتجهوا إلى تهديم وتكسير الأضرحة والقبور والمعالم الشركية. هذا عندنا في منطقة الديس، والحمد لله كسروا أشياء كثيرة، ويعني أبادوها إبادة تامة، بحيث أنه لم يوجد لها أي أثر. كان عندنا حصاة عظيمة كبيرة يقال لها "حصاة شيخ"، هذا يذهبون إليها الناس، ويعني يرمون عليها، أو يسكبون عليها الزيوت، وكذلك بعض المشروبات كالقهوة وغير ذلك، ويعتقدون فيها الناس. الحمد لله فتفتوها، ولم يبقى لها أثر في تلك الأيام. المهم: من هذه الأمور التي اتجهوا إليها مقبرة من المقابر فيها بناء، وفيها كذلك بعض القبور المجصصة. فذهبوا إليها كي يهدموها، وبدأوا في الهدم. فإذا بإطلاق الرصاص من بعض البيوت المجاورة لهذه المقبرة، يدافعون من أجلها. مدافع يدل على ماذا؟ هذا يدل على محبة مياها. وإلا لو لم يحبونها لما دافعوا من أجلها. فما يخشون أن هؤلاء الشباب يردون عليهم، والله لولا خشية أن يقتل أحد من هؤلاء لفعلوا، لكن ما أرادوا الفتنة، ما أرادوا الفتنة، فاختبأوا منهم، والحمد لله سلم الله. فهذا يدل على ماذا؟ هذا يدل على أنهم يناضلون من أجلها، ويقاتلون من أجلها. ما سبب هذا القتال وهذا الدفاع وهذه المناضلة؟ إنه المحبة؛ لأنهم يحبونها. ولذلك قال الشيخ هنا حفظه الله: «ولذلك يموتون دونها ويقتلون دونها، ولو كانوا لا يحبونها ما قاتلوا دونها». فإذا هذا دليل على محبتهم إياها. قال: «لكن يتمسكون بها ويحبونها لأنها أشربت في قلوبهم، والعياذ بالله. وإذا ذكر الله وحده شمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون». انظر: إذا تكلمت على ضريح من أضرحتهم، أو فيما يزعمون أنه ولي من أوليائهم، قاموا عليك، قاموا عليك، وربما أرادوا ضربك. هذا يدل على ماذا؟ يدل على محبتهم لهؤلاء، وتعظيمهم لهؤلاء. فلا شك أن هذا مصداق ما أخبر الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. ربما بعض هؤلاء عباد القبور: إذا سب الرب سبحانه وتعالى أمامهم لا يتحرك لهم ساكن. لكن تعال وسب أحد من أوليائهم وصالحيهم فيما يزعمون، ربما ضربوك، وربما كذلك شنعوا عليك. هذا يدل على ماذا؟ يدل على محبتهم لهؤلاء الأنداد أعظم من محبتهم لله عز وجل. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. تنشرح صدورهم، تنشرح صدورهم. قم وعمل لهم محاضرة في التوحيد: تشمأز قلوبهم. لكن قم وأتي لهم بفضائل ومدائح هؤلاء المقبورين الذين عبدوهم من دون الله: ما شاء الله تجدهم في نشوة، وتجدهم في فرح وسرور. فهذا مصداق ما أخبر الله عز وجل. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾. فالمحبة تظهر في الأعمال، وتظهر في الأقوال، وتظهر في التصرفات. فهذا هو حال من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، يحبونهم كحب الله. ومن المحبة تعظيم هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله عز وجل. طيب، نكتفي بهذا. وإلى هنا، والله تعالى. شكرًا، شكرًا، شكرًا، شكرًا، شكرًا.