الدرس في شرح آيات الصيام 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول تفسير آية فرض الصيام ومعاني "كُتِبَ" في القرآن، حيث تأتي بمعاني فرض، قضى، جعل، وأمر. يُبرز أن فرضية الصيام مثبتة بالكتاب والسنة والإجماع.
يتناول حكم من لا يصوم رمضان، حيث يصنفهم إلى كافر مرتد أو فاسق عاص. كما يشرح تدرج فرضية الصيام على الأمة الإسلامية مراعاة لمشقة الصيام.
ناقش المراحل الثلاث لفرضية الصيام، بدءًا من صيام عاشوراء، ثم التخيير بين الصيام والإطعام، وانتهاءً بإلزام الناس بصيام رمضان. وتطرق لمرحلة رابعة تتعلق بهيئة الصيام.
يتناول حكم الأكل والشرب لمن نام قبل وقت الإفطار، ويستدل بقصة صحابي، ويوضح أن من نام قبل الإفطار لا يجوز له الأكل بعد الاستيقاظ إذا دخل وقت الصيام.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَفِي الدَّرْسِ الْمَاضِي إخْوَانِي فِي اللَّهِ كَانَ الْحَدِيثُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَهِيَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وَكَانَ الْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا فِيهَا مِنْ أَحْكَامٍ الْإِعْدَادُ الْحَقِيقِيُّ وَالشَّرْعِيُّ لِاسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ، فَكَمْ هِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي تَخْفَى عَلَى النَّاسِ وَهِيَ مِنْ أَهَمِّ مَسَائِلِ هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ؟ وَكَانَ الْكَلَامُ فِي دَرَسِ أَمْسِ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وَبَيَّنَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْخِطَابِ مِنْ أَحْكَامٍ، ثُمَّ نَنْتَقِلُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾، وَهُنَا فِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: مَا مَعْنَى ﴿كُتِبَ﴾؟ ﴿كُتِبَ﴾ كَمَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ بِمَعْنَى فُرِضَ، ﴿كُتِبَ﴾ بِمَعْنَى فُرِضَ. وَمِنْ بَابِ الْفَائِدَةِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُقْرِئُ: إنَّ ﴿كُتِبَ﴾ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَعَانٍ. ﴿كُتِبَ﴾ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَعَانٍ. الْمَعْنَى الْأَوَّلُ: ﴿كُتِبَ﴾ بِمَعْنَى فُرِضَ، وَهَذَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، هُنَا بِمَعْنَى فُرِضَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ. وَهَكَذَا قُلْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ أَيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ. وَهَكَذَا يُقَالُ: الصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ، الصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ أَيْ الْمَفْرُوضَاتُ، فَ﴿كُتِبَ﴾ بِمَعْنَى فُرِضَ. الْمَعْنَى الثَّانِي مِنْ مَعَانِي ﴿كُتِبَ﴾، وَجَاءَتْ بِهَا فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى قَضَى، بِمَعْنَى قَضَى، كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ مَعْنَى ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ أَيْ قَضَى اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي. وَهَكَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾ أَيْ بِمَا قَضَى اللَّهُ، فَ﴿كُتِبَ﴾ بِمَعْنَى قَضَى. وَالْمَعْنَى الثَالِثُ مِنْ مَعَانِي ﴿كُتِبَ﴾ كَمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى جَعَلَ، بِمَعْنَى جَعَلَ، وَهَذَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَدْخِلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ﴿أَدْخِلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ مَعْنَى ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أَيْ جَعَلَهَا اللَّهُ لَكُمْ، جَعَلَهَا اللَّهُ لَكُمْ. وَهَكَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾، مَعْنَى ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ أَيْ جَعَلَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ. الْمَعْنَى الرَّابِعُ مِنْ مَعَانِي ﴿كُتِبَ﴾ أَيْ بِمَعْنَى أَمَرَ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، قَالَ هُنَا: ﴿كَتَبْنَا﴾ أَيْ أَمَرْنَا، أَمَرْنَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ مَعَانٍ مِنْ مَعَانِي ﴿كُتِبَ﴾، وَيَهْمُنَا الْمَعْنَى الْأَوَّلُ. نَنْتَقِلُ الْآنَ إلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ﴿كُتِبَ﴾ إذَنْ مِنْ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِمَعْنَى ﴿كُتِبَ﴾ عَلِمْنَا حُكْمَ الصِّيَامِ، فَصِيَامُ رَمَضَانَ فَرْضٌ، صِيَامُ رَمَضَانَ فَرْضٌ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ. وَفَرْضِيَةُ الصِّيَامِ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ. دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَهَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا تَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى فَرْضِيَةِ الصِّيَامِ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ. وَمِنْ السُّنَّةِ الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»، وَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ مَبَانِي الْإِسْلَامِ وَمِنْ أَرْكَانِهِ الْعِظَامِ «فَرْضِ صَوْمِ رَمَضَانَ»، فَالصِّيَامُ دَلَتْ السُّنَّةُ عَلَى فَرْضِيَتِهِ. وَهَكَذَا قَامَ الْإِجْمَاعُ بِالِاتِّفَاقِ، لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ عَلَى أَنَّ الصِّيَامَ مِمَّا فُرِضَ، مِمَّا فُرِضَ. فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَى فَرْضِيَةِ الصِّيَامِ. وَهُنَا نَأْتِي وَيَجُرُّنَا إلَى مَسْأَلَةٍ: فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّ الصِّيَامَ وَاجِبٌ وَأَنَّهُ فَرْضٌ، مَا حُكْمُ الَّذِي لَا يَصُومُ؟ الَّذِي لَا يَصُومُ عَلَى صُورَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ: الَّذِي يَتْرُكُ الصِّيَامَ يَكُونُ عَلَى صُورَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. إِمَّا أَنْ يَتْرُكَ الصِّيَامَ وَهُوَ جَاحِدٌ لَهُ، نَاكِرٌ لِفَرْضِيَتِهِ، يَتْرُكُ الصِّيَامَ جَاحِدًا لَهُ، جَاحِدًا لَهَا، نَاكِرًا لِفَرْضِيَتِهَا. وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ فَهَذَا كَافِرٌ، كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَنْكَرَ شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. يَأْتِي بَعْضُ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمِمَّنْ تَشَرَّبَتْ فِي ذِهْنِهِ أَفْكَارُ الْجَاهِلِيَةِ وَالْأَفْكَارُ الْعَصْرِيَةُ مِنْ الْعَلْمَانِيِّينَ وَالْمَادِيِّينَ وَاللَّادِينِيِّينَ، يَسْتَهْزِئُ بِالصِّيَامِ وَيَقُولُ: «لِأَيِّ شَيْءٍ الصِّيَامُ؟ هَذَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، هَذِهِ مَشَقَّةٌ، هَذَا تَعْذِيبٌ لِعِبَادِ اللَّهِ، أَنَا أَجْحَدُ وَأَنَا مَا أُؤْمِنُ وَأَنَا أَكْفُرُ بِهَذِهِ الْعَقِيدَةِ»، يُؤْمَرُ وَيُعْلَمُ وَيُبَيَّنُ لَهُ وَلَكِنَّهُ يَجْحَدُ، فَهَذَا كَافِرٌ، كَافِرٌ مُرْتَدٌّ. الْأُصْنُفُ الثَّانِي مِمَّنْ لَا يَصُومُ: الَّذِي يَتْرُكُ الصِّيَامَ مُتَكَاسِلًا، مُتَهَاوِنًا، يَعْلَمُ بِأَنَّهُ فَرْضٌ وَلَكِنْ لِضَعْفِ إيمَانِهِ وَلِقِلَّةِ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ يَتَكَاسَلُ فِي الصِّيَامِ، فَهَذَا فَاسِقٌ، فَهَذَا فَاسِقٌ عَاصٍ. وَمَعَ فِسْقِهِ وَمَعَ عِصْيَانِهِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ، الَّذِي يَتْرُكُ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ يُفْطِرُ فِيهَا. وَمَعَ فِسْقِهِ لَا نَقُولُ إنَّهُ كَافِرٌ، هُوَ مُسْلِمٌ، لَكِنْ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اقْتَحَمَ بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ. وَالْأَدِلَّةُ الْكَثِيرَةُ فِي هَذَا الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي حَقِّهِ، مِنْ تَعَمَّدَ أَنْ يُفْطِرَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ. وَلَا يَسَعُ الْمَقَامَ ذِكْرُ الْأَدِلَّةِ، وَلَعَلَّ فِي مَقَامٍ آخَرَ نَذْكُرُ هَذَا الْوَعِيدَ الْعَظِيمَ. وَيَكْفِينَا فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا ذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَيْثُ قَالَ: «مَنْ أَفْطَرَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَهُوَ شَرٌّ مِنْ الزَّانِي وَمِنْ مُدْمِنِ الْخَمْرِ». انْظُرْ! لَيْسَ شَارَكَهُ بِتَمَامِهِ، أَفْطَرَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا بِغَيْرِ عُذْرٍ، لَيْسَ لَهُ الْعُذْرُ، لَا مِنْ مَرَضٍ وَلَا مِنْ سَفَرٍ، أَيْنَمَا لِخُبْثِ نَفْسِهِ وَلِضَعْفِهَا. مَنْ أَفْطَرَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ «فَهُوَ شَرٌّ مِنْ الزَّانِي وَمِنْ مُدْمِنِ الْخَمْرِ». انْظُرْ! لَيْسَ يُشَارِكُ بِخَمْرٍ بَلْ مُدْمِنٌ، وَصَلَ إلَى مُرْحَلَةِ الْإِدْمَانِ. لَوْ أَنَّا جِئْنَا بِعَبْدَيْنِ، أَحَدُهُمَا قَدْ أَدْمَنَ عَلَى الْمُسْكِرَاتِ وَعَلَى الْخُمُورِ وَالْمُخَدِّرَاتِ، وَجَعَلْنَاهُ عَلَى كِفَّةٍ، وَآخَرَ أَفْطَرَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ فَجَعَلْنَاهُ عَلَى كِفَّةٍ، لَكَانَ جُرْمُ هَذَا الَّذِي أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ جُرْمُهُ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جُرْمِ مُدْمِنِ الْخَمْرِ وَمِنْ الزَّانِي. وَهَذَا إِنْ دَلَّ دَلَّ عَلَى عِظَمِ هَذَا الْإِثْمِ. وَإِلَى الْأَسَفِ كَمْ نَرَى مِنْ النَّاسِ قَدْ ابْتُلُوا بِهَذَا الْأَمْرِ وَبِهَذِهِ الْبَلِيَّةِ؟ أُنَاسٌ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ قُوَّةً فِي الْجِسْمِ، لَا أَقُولُ: ضَعْفٌ وَوَهْنٌ، بَلْ قُوَّةٌ، رُبَّمَا فِي عِزِّ شَبَابِهِمْ يَعْمَلُ فِي مَزْرَعَتِهِ وَيَعْمَلُ فِي وَظِيفَتِهِ وَيَعْمَلُ فِي مَحَلِّهِ أَوْ ذَاكَ، يَذْهَبُ إلَى بَحْرِهِ، عِنْدَهُ مِنْ قُوَّةِ الْقُدْرَةِ عَلَى الصِّيَامِ. وَمَعَ ذَلِكَ يَتَكَاسَلُ، يَلْعِبُ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ. مِنْهُمْ مَنْ يُجَاهِرُ بِهَذَا، يُجَاهِرُ بِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ وَشِلَّتِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَتِرُ فِي خَلْفِ الْكَوَالِيسِ أَوْ فِي الزَّوَايَا أَوْ فِي الْحَمَّامَاتِ أَوْ فَوْقَ الصُّطُوحِ أَوْ تَحْتَ الْأَرْضِ بِالْخَنَادِقِ يُفْطِرُ. فَهَذَا جُرْمُهُ أَعْظَمُ مِنْ جُرْمِ الزَّانِي وَمِنْ مُدْمِنِ الْخَمْرِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ أُنَاسٌ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الشَّعِيرَةَ حَقَّ التَّعْظِيمِ. فَالشَّاهِدُ إذَنْ عَلِمْنَا وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ ﴿كُتِبَ﴾ بِمَعْنَى الْأُولَى: أَنَّهَا فَرْضٌ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ فَرْضِيَةَ الصِّيَامِ وَاجِبَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. وَأَنَّ مَنْ أَفْطَرَ عَلَى قِسْمَيْنِ: إِمَّا كَافِرٌ مُرْتَدٌّ إذَا كَانَ جَاحِدًا لَهَا، مُنْكِرًا لِفَرْضِيَتِهَا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا عَاصِيًا، وَذَلِكَ إذَا كَانَ مُعْتَقِدًا لِفَرْضِيَتِهَا لَكِنَّهُ تَكَاسَلَ وَتَخَاذَلَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مُتَعَلِّقَةٌ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ﴿كُتِبَ﴾ رَبُّنَا الصِّيَامَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَكِنْ كَيْفَ كَانَتْ فَرْضِيَةُ الصِّيَامِ؟ الصِّيَامُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ مِنْ عِبَادَاتٍ شَاقَّةٍ عَلَى الْأَنْفُسِ؛ كَوْنُ أَنَّ الْعَبْدَ يَصْبِرُ هَذِهِ السَّاعَاتِ الطِّوَالِ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، فَهَذَا شَاقٌّ عَلَى النَّفْسِ. فَمِنْ حِكْمَةِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا أَنْ رَاعَى الطَّبِيعَةَ الْبَشَرِيَّةَ فِي بَنِي آدَمَ وَلِهَذِهِ الْأُمَّةِ خُصُوصًا، فَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ أَنْ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا تَدَرَّجَ فِي فَرْضِيَةِ الصِّيَامِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، تَدَرَّجَ عَلَى فَرْضِيَةِ الصِّيَامِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، مُرَاعَاةً لِلْمَشَقَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِيهَا. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ التَّدْرِيجَ كَانَ فِي فَرْضِيَةِ الصِّيَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهِ: تَدْرِيجُ فَرْضِيَةِ الصِّيَامِ كَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهِ. الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ أَوَّلَ مَا فُرِضَ مِنْ الصِّيَامِ صَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَكَانَ يَوْمًا وَاحِدًا، أَوَّلَ مَا فُرِضَ مِنْ الصِّيَامِ كَانَ صِيَامُ عَاشُورَاءَ. أَمَّا رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا بِصِيَامِهِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِصِيَامِ عَاشُورَاءَ». وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَكَانَ عَاشُورَاءُ مِمَّا فُرِضَ عَلَى النَّاسِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَرْهَلَةٍ، الصِّيَامُ يَوْمٌ وَاحِدٌ. وَمِنْ بَابِ الْفَائِدَةِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وإنَّمَا كَانَتْ فَرْضِيَتُهُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ»، سَنَةً وَاحِدَةً أَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِ عَاشُورَاءَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، هَذَا الَّذِي وَقَعَ فِيهِ صِيَامُ عَاشُورَاءَ. وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ عَاشُورَاءَ الْآنَ مُسْتَحَبٌّ، لَكِنْ فِي بَدَايَةِ الْأَمْرِ كَانَ فَرْضًا، هَذِهِ الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى: فَرْضِيَةُ عَاشُورَاءَ. الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: جَاءَ الْأَمْرُ بِصِيَامِ رَمَضَانَ، الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ جَاءَ الْأَمْرُ بِصِيَامِ رَمَضَانَ، لَكِنْ عَلَى كَيْفَ؟ عَلَى كَيْفِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلِمَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ كَانَ مُخَيَّرًا، إِمَّا أَنْ يَصُومَ رَمَضَانَ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ، مُخَيَّرٌ، وَهَذَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ، فَهَذِهِ الْآيَةُ كَانَتْ فِي بَدَايَةِ التَّنْزِيلِ وَبَدَايَةِ التَّدْرِيجِ فِي فَرْضِيَةِ الصِّيَامِ، نُسِخَ عَاشُورَاءُ، فَأُمِرَ النَّاسُ بِصِيَامِ مَاذَا؟ رَمَضَانَ، لَكِنْ كَانَ النَّاسُ بِالْخِيَارِ، يَدْخُلُ رَمَضَانَ إنْ أَحَبَّ الْمُسْلِمُ أَنْ يَصُومَ صَامَ، إنْ أَحَبَّ أَنْ لَا يَصُومَ أَطْعَمَ، إنْ أَفْطَرَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ وَالْبَاقِي، يَعْنِي صَامَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَالْبَاقِي أَفْطَرَ، أَطْعَمَ عَنْ الْبَاقِي، فَهَذَا بِالْخِيَارِ، سَوَاءٌ كَانَ عُذْرٌ أَوْ لَيْسَ بِعُذْرٍ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَاذَا؟ حِسَابٌ وَلَا عِقَابٌ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُسْلِمُ مُخَيَّرًا بِذَلِكَ، مُخَيَّرٌ. وَجَاءَ ذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، قَالَتْ: «كَانَ عَاشُورَاءُ يُصَامُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ فَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَمَنْ شَاءَ صَامَ»، فَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَمَنْ شَاءَ صَامَ. وَجَاءَ بِمِثْلِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَمَضَانَ نَزَلَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ نَزَلَ، لَكِنْ بِالْخِيَارِ، مَنْ أَحَبَّ أَفْطَرَ، وَمَنْ أَحَبَّ صَامَ. تَأْتِي الْآنَ الْمَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَخِيرَةُ، وَهِيَ أَنْ رَمَضَانَ فُرِضَ وَأُلْزِمَ النَّاسُ بِصِيَامِهِ، وَأُقْفِلَ بَابُ الْإِطْعَامِ، أُلْغِيَ هَذَا الْبَابُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ أُمِرُوا جَمِيعًا بِالصِّيَامِ، مَنْ اسْتَطَاعَ إلَى الصِّيَامِ وُجِبَ عَلَيْهِ، وَلَا يُخَيَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْإِطْعَامِ. جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: «كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُنَّا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَافْتَدَى عَنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمِسْكِينٍ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةً، أَمَرَ كُلَّ مَنْ شَهِدَ الصِّيَامَ يَصُمْ، جَمِيعُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ، فَأُلْغِيَ بَابُ مَاذَا؟ الْإِطْعَامِ. فَهُنَا هَذِهِ الْمَرَاحِلُ الثَّلَاثُ فِي فَرْضِيَةِ الصِّيَامِ: عَاشُورَاءُ أَوَّلًا، ثُمَّ الْخِيَارُ بَيْنَ الصِّيَامِ وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ، ثُمَّ الْإِلْزَامُ بِالصِّيَامِ. وَهُنَاكَ فَائِدَةٌ كَذَلِكَ وَهِيَ مَرْحَلَةٌ رَابِعَةٌ، لَكِنْ لَيْسَ لَهَا عِلَاقَةٌ بِالْوُجُوبِ وَالْإِيجَابِ، لَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِهَيْئَةِ الصِّيَامِ. الْمَرْحَلَةُ الْأَخِيرَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي أُمِرَ الْمُسْلِمُ بِالصِّيَامِ وَعَدَمِ الْإِطْعَامِ، كَانَتْ هُنَاكَ صِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ لِلصِّيَامِ. وَمَا هِيَ الصِّفَةُ؟ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الْإِفْطَارِ، إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَذَانُ الْمَغْرِبِ مَثَلًا، دَخَلَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ، إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ وَأَنْ يَشْرَبَ وَأَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، إلَّا إذَا نَامَ، إذَا نَامَ وَغَالَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَأْتِي أَهْلَهُ. وَهَذِهِ كَانَتْ مِنْ أَوَّلِ مَا جَاءَ فِي فَرْضِيَةِ الصِّيَامِ: أَنَّهُ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْإِفْطَارِ لَكَ أَنْ تَأْكُلَ وَأَنْ تَشْرَبَ حَتَّى يَأْتِيَكَ النَّوْمُ، فَإِنْ نِمْتَ وَقُمْتَ مِنْ النَّوْمِ لَا يَجُوزُ لَكَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَأْكُلَ وَأَنْ تَشْرَبَ. مِثْلُ: دَخَلَ الْمَغْرِبُ فَأَفْطَرْتَ، ثُمَّ صَلَّيْتَ، ثُمَّ فِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ لَيْلًا، الْعَاشِرَةِ نِمْتَ تَعِبْتَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْتَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ لَيْلًا، لَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ، دَخَلَ عَلَيْكَ وَقْتُ لِتَنْسَاكَ إلَى ثَانِي يَوْمٍ. وَجَاءَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي قِصَّةِ ذَاكَ الصَّحَابِيِّ، وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ أَوْ صِرْمَةُ بْنُ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَكَانَ صَائِمًا، فَدَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ مَعَ وَقْتِ الْإِفْطَارِ، دَخَلَ مَعَ أَهْلِهِ عَلَى وَقْتِ الْإ