الدرس في نصائح وتوجيهات تربوية 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المقطع على ضرورة تقديم الأهم فالأهم في طلب العلم مستشهداً بتوجيه الإمام أحمد لرجل يسأل عن طهارة المياه وهو يجهل أذكار المسجد، وبقصة ابن جريج الذي أمره أبو عمير بتعلم القرآن والفرائض قبل العلم المتقدم. فطالب العلم يجب أن يبدأ بما يناسب مستواه من الواجبات والعمليات اليومية قبل التوسع في المسائل الدقيقة.
يشدد المقطع على وجوب عناية طالب العلم بالقرآن الكريم قراءةً وحفظاً أولاً، ثم بفروض الأعيان كصلاة وطهارة وزكاة وصيام وحج، محذراً من إهمال الأصول والانشغال بالتفريعات. وينقل عن الألباني والوادعي رحمهما الله التنبيه على تقديم الأهم فالأهم لضيق العمر واتساع العلم.
يؤكد المقطع على ضرورة البدء بالعلوم النافعة التي تلزم المسلم في عباداته اليومية، وإتقانها قبل الانتقال إلى ما هو أعلى، مع التحذير من التساهل والكسل الذي يطيل المدة في الكتب الصغيرة دون فائدة. ويبين أن التدرج الحقيقي يكون بالجد والاجتهاد في إتقان كل مرحلة ثم الانتقال للأعلى كما كان يفعل العلماء الربانيون.
يختتم المتحدث المجلس العلمي أو الدرس بعبارة 'إلى هنا، والله تعالى أعلم'، معلناً انتهاء الكلام ومفوضاً العلم المطلق لله سبحانه. وتعد هذه الخاتمة آداباً شرعية في مجالس العلم للبراءة من العلم المحيط بالله وحده.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فما زلنا في ذكر بعض التوجيهات التي يحتاجها طالب العلم في سيره العلمي، وهناك وسائل تعين طالب العلم على الفهم، وعلى بقاء أكثر قدر من المعلومات. فمن أعظم هذه الوسائل التي تعين على الفهم، وعلى كذلك حفظ العلم، الابتداء في طلبه بالأولويات؛ أن يقدم الأهم فالأهم في طلبه للعلم، وأن يبدأ بالدروس التي تناسب مستواه. فهذا أمر مهم جداً. ولقد كان السلف الصالح يحثون طلابهم على هذا الأصل، ألا وهو الابتداء بالأولويات. فقد ذكر الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في "السير": قال أبو جعفر رحمه الله: دخلت على أبي عبد الله، أي الإمام أحمد رحمه الله، فقلت له: أتوضأ بماء النورة؟ فقال: ما أحب ذلك. فقلت له: أتوضأ بماء الباقلاء، يعني التي تطبخ في الأكل، بعد أن تطبخ وتخرج ماءها، هل أتوضأ به؟ فقال: ما أحب ذلك. ثم قلت: أتوضأ بماء الورد؟ فقال الإمام أحمد: ما أحب ذلك. قال أبو جعفر: فقمت، فتعلق بثوبي، وقال: إيش تقول إذا دخلت المسجد؟ لما محمد يقول لهذا السائل أبي جعفر: ماذا تقول؟ إيش بمعنى ماذا. ماذا تقول إذا دخلت المسجد؟ قال: فسكت. فقال: وإيش تقول إذا خرجت من المسجد؟ قال: فسكت. فقال الإمام أحمد: اذهب فتعلم هذا، اذهب فتعلم هذا. سبحان الله! يسأل عن ماء النورة، يتوضأ بماء النورة، وبماء الباقلاء، وبماء الورد، وما يعرف الأذكار، أذكار دخول المسجد والخروج من المسجد، وهذه أمور مهمة من العمليات اليومية التي يحتاجها المسلم، فضلاً عن طالب العلم. فهذا فيه درس من الإمام أحمد لطلاب العلم: أن يبدأوا بما يكون فيه من العمل، وفيه كذلك من مناسبة المستوى. وهكذا ذكر الإمام الذهبي في "السير": قال دخل ابن جريج على مجلس عطاء بن السائب رحمهم الله جميعاً في أول طلبه للعلم، وكان في المجلس أبو عمير أحد الأئمة. فقال هذا أبو عمير يقول لابن جريج، وكان مبتدئاً في الطلب: فقال له أبو عمير وهو من الأئمة: أنا ذاك. قال له: قرأت القرآن؟ والآن جاء يريد يتعلم من عطاء بن السائب، فوجد هذا الإمام عنده وهو أبو عمير. فقال أبو عمير لابن جريج: أنت جئت تتعلم من ابن السائب، هل قرأت القرآن؟ قال: فقلت: لا. قال: فاذهب فاقرأه ثم اطلب العلم. قال: فذهبت فغبرت زماناً، يعني غبت زماناً أتعلم القرآن، قال: حتى قرأت القرآن، ثم جئت عطاء وعنده عبد الله، فقال: قرأت الفريضة؟ يعني قرأت في الأمور الواجبة عليك، الفرائض التي يجب عليك أن تقوم بها، قرأت الفريضة؟ قال: قلت: لا. قال: فتعلم الفريضة ثم اطلب العلم. قال: فطلبت الفريضة ثم جئت، فقال: الآن فاطلب العلم. قال: فلزمت عطاء سبع عشرة سنة. الشاهد من هذه القصة: أن العلماء كانوا يوصون الطلاب بالابتداء بالأمور المهمة، ومن أهم المهمات لطالب العلم الاهتمام بالقرآن. قبيح بطالب علم يحفظ الأسانيد، ويحفظ الرجال، ويحفظ الحديث، ويحفظ الفوائد، وهو لا يحسن قراءة القرآن. هذا أمر ليس بلائق بطالب العلم. فينبغي لطالب العلم أن يبتدأ في طلبه للعلم بالاعتناب بالقرآن: تصحيح القراءة، وكذلك تجويد القراءة. وإن حفظ القرآن فهذا أكمل لطالب العلم أن يبدأ بحفظ القرآن. وإن لم يتأسر له ذلك، فليحسن قراءة القرآن. أما طالب علم ينتقل من درس إلى آخر وهو لا يحسن قراءة القرآن، فهذا مما يعاب على طالب العلم، كما سمعت في هذا الأثر: قال له: اذهب فتعلمه، أي تعلم القرآن ثم تعال. وهكذا بعد القرآن تتعلم الأمور الواجبة: أمور الصلاة، فروض الأعيان، أمور الصلاة وأمور شروطها وأركانها من الطهارة والوضوء والغسل. لا يستهن بهذه الأمور، ولا يحقر من شأنها، بل هي من أصول هذا الدين. فمن أعظم العبادات العملية في دين الله الصلاة، فينبغي الاعتناء بفقهها: تتعلم صفة الوضوء، تتعلم صفة الصلاة، كيف صلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا بعد ذلك غيرها من الفرائض: عندك مال تتعلم أحكام الزكاة، تتعلم كذلك أحكام الصيام، تتعلم أحكام الحج إن وفقك الله عز وجل التهيؤ لحج بيت الله الحرام. هذه يبدأ بها طالب العلم، ثم بعد ذلك يختار من العلم ما يكون على مستواه، ويختار من العلم أحسن. وقد كنا نسمع كثيراً من علامة الألباني رحمه الله يردد هذا الرجز في كثير من مجالسه، فكان يقول: العلم إن طلبته كثير *** والعمر عن تحصيله قصير فقدم الأهم منه فالأهم إذا بدأت بالمسائل العظام، وبالتفريعات، وبكذلك الفروع والحواشي، وتركت الأصول، ربما تركت العلم؛ لأنك تجد نفسك صفراً، ما عندك أصول، ما عندك بدائيات. فقدم الأهم منه فالأهم، لأن العلم كثير، إذا توغلت فيه ستمشي، وسيتسع لك المجال، لكن ينبغي عليك أن تتدرج، ولا يكون التدرج إلا بأن تقدم الأهم من العلم فالأهم. ومما حفظنا من شيخنا الوادعي رحمه الله، ومما كان يترنم به من الأشعار في مجالسه المباركة، هذه الأبيات العظيمة، وهو قول الشاعر: ما حوى العلم جميعاً أحد *** لا ولو مارسه ألف سنة إنما العلم كبحر زاخر *** فاتخذ من كل شيء أحسن أبيات عظيمة، كان الشيخ رحمه الله يحفظها للطلاب: ما حوى العلم جميعاً أحد *** وفوق كل ذي علم عليم ولا يحيطون بشيء من علمه *** ما حوى العلم جميعاً أحد *** لا ولو مارسه ألف سنة لو إنسان عمر ألف سنة وهو في طلب العلم، هل يستطيع أن يحوي العلم جميعاً؟ لا يستطيع. ما حوى العلم جميعاً أحد *** لا ولو مارسه ألف سنة إنما العلم كبحر زاخر *** مثل هذا البحر العظيم فاتخذ من كل شيء أحسن *** ابدأ بالعلوم النافعة التي هي على مستواك. فهذه نصائح علماء السنة لطالب العلم. وهكذا ذكر الإمام الذهبي في "السير" هذا الأثر مما يؤكد لنا هذا الأصل، وهو الابتداء في الطلب بالأولويات. قال: جاء الإمام عبد الله بن وهب إلى الإمام مالك بن أنس، فقال له: ما تقول في طلب العلم؟ فقال الإمام أحمد - يعني مالك -: حسن جميل، لكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى أن تمسي، فالزمه. انظر إلى هذه الوصية: قال العلم حسن جميل، ثم بين له ما هو العلم الذي ينبغي أن يحرص عليه، فقال له: لكن انظر الذي يلزمك حين تصبح، أو حين تصبح إلى أن تمسي، فالزمه. لأن الثمر من العلم هو العمل. فانظر إلى العمليات اليومية التي تحتاجها، فتفقه فيها حتى تعبد الله عز وجل على علم. وليس معنى هذا أنك تقتصر على هذه الأمور فقط، لا، ولكن القصد أنك ما تنتقل إلى غيرها إلا إذا أتقنتها وكذلك أجادتها. فإذا كنت كذلك فانتقل إلى ما شئت من العلوم النافعة، فانتقل إلى ما شئت من العلوم النافعة. فهذا أمر مهم جداً، وهو الابتداء بالأولويات، والتدرج في طلب العلم، والابتداء بصغار العلم قبل كباره. وهكذا العلماء الربانيون، كما جاء عن بعضهم في معنى الرباني في الآية: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. قال: الربانيون هم الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره. هم الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره، يتدرجون مع الطلاب. فالتدرج أمر مهم جداً. وليس معنى التدرج أن تبقى السنوات الطوال في الكتب الصغيرة، وما يأتي هذا إلا من الإهمال، ولا يكون ذلك إلا بعدم الاهتمام. تجد الطالب سنوات وهو في ذلك الكتاب الصغير، كلما انتهى منه رجع إليه، كلما انتهى منه رجع إليه. لماذا يرجع إليه؟ لأن عند دراسته لهذا الكتاب لم يدرس بجد واجتهاد وحفظ، وهكذا مثابرة، فينتهي من الكتاب فيرى نفسه لم يحفظ هذا الكتاب ولم يفهم هذا الكتاب، فيدخله مرة أخرى، وهكذا تمر عليه ربما الأشهر والسنين وهو في كتاب واحد، وليس ذاك إلا لتساهله، أو كذلك كسله وعدم حرصه واجتهاده. فالمسألة أن تجد وتجتهد عند الابتداء بالطلب، وهكذا تنتقل إلى ما هو أرفع شيئاً فشيئاً حتى تصل إلى المراد، حتى تصل إلى المراد. فهذه أول ما يذكر في الوسائل التي تعين طالب العلم على الفهم، وعلى بقاء أكبر قدر، أكبر قدر من المعلومات. فهذا أول شيء يذكر، وهناك بقيت أمور إن شاء الله تذكر في دروس قادمة. إلى هنا، والله تعالى أعلم.