التعليق على شرح الأصول الستة  4

التعليق على شرح الأصول الستة 4

الدرس في التعليق على شرح الأصول الستة 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الأصل الأول: إخلاص الدين لله والفرق بين توحيد الربوبية والألوهية

يشرح هذا المحور الأصل الأول من الأصول الثلاثة وهو إخلاص الدين لله وحده، مبيناً أن ضده هو الشرك في الألوهية. ويوضح أن توحيد الربوبية مقر به بالفطرة حتى من المشركين، بينما الشرك يقع في صرف العبادة لغير الله مع نقد المبالغة في تقرير توحيد الربوبية وإهمال توحيد الألوهية.

حجة وجود الصانع وضرورة توحيد الألوهية

يستعرض المحور حجة عقلية لوجود الخالق عبر تشبيه السفينة التي لا تصنع نفسها، مؤكداً أن الإقرار بتوحيد الربوبية فطري وضروري لكنه غير كافٍ. ويبين أن الواجب هو توحيد الألوهية الذي كان مدار دعوة الرسل وسبب الخصومة مع المشركين، محذراً من إهمال بعض الجماعات لهذا الأصل بدعوى جمع الناس.

دعوة أهل السنة للتوحيد سبيلاً لسعادة الناس وأمنهم

يهتم أهل السنة بسعادة الناس في الدنيا والآخرة فيدعونهم إلى توحيد الله، لأنه أصل الأمن والاهتداء كما دلت الآيات القرآنية الواضحة. وتخالفهم الجماعات الضالة التي تهمل التوحيد لأغراض دنيوية، مع أن التوحيد ميسر مفهوم للعامة والعبرة بالعمل به لا بمجرد التلاوة والحفظ.

التركيز على العمل والتدبر وفهم آيات التوحيد

يؤكد المتحدث أن المسلم يسعى لجمع العبادات، فإن عجز يركز على العمل الصالح والتدبر في القرآن وفهم آيات التوحيد تحديداً. ويختتم بالتأكيد على كفاية هذا التوجيه مع الدعاء بالخير للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الشارح الفوزان حفظه الله تعالى عند قول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في ذكره للأصل الأول من الأصول الثلاثة: قال الأصل الأول إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له. وهذه العبارة قد تقدم شرحها. ثم قال: "وبيان ضده الذي هو الشرك بالله". هذا هو الأصل الأول: إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله. فكما أنه يجب على المسلم إخلاص الدين لله ومعرفة التوحيد، فيجب عليه كذلك أن يعرف ضده، ألا وهو الشرك، وبضدها تتبين الأشياء. قال الشارح الفوزان حفظه الله: ضد التوحيد الشرك بالله عز وجل. فالتوحيد هو إفراد الله بالعبادة، والشرك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله عز وجل، كالذبح والنذر والدعاء والاستغاثة، إلى آخر أنواع العبادات. هذا هو الشرك. والشرك المقصود هنا هو الشرك في الألوهية. أما الشرك في الربوبية فهذا غير موجود في الغالب. وقوله "غير موجود في الغالب" أي أن كما سيأتي الفطر تقر بهذا الأمر، ألا وهو توحيد الربوبية. ولذلك تجد المنكرين لهذا التوحيد - توحيد الربوبية - قليلا جدا. ولذلك قال: "فهذا غير موجود في الغالب". وإلا فيوجد قليل من الخلق ينكرون هذا النوع من أنواع التوحيد كما سيأتي معنا. قال: فالأمم كلها مقرة بتوحيد الربوبية اضطرارا، كما قال تعالى في كتابه الكريم حاكيا عن نبيه موسى عليه السلام، أو عن رسله، حاكيا عن رسلهم: ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [إبراهيم: 10]. فهذا شيء تضطر إليه النفوس أن تقر به، ألا وهو توحيد الربوبية. قال: فالأمم كلها مقرة بتوحيد الربوبية اضطرارا، لم يجحده إلا من تظاهر بالإنكار مع أنه يعترف به في الباطن. ومن أولئك فرعون، لعنه الله، أنكر هذا النوع من أنواع التوحيد، وكان إنكاره في الظاهر، أما في الباطن فهو مقر بهذا. وهذا من الإجهاد، ومن التكبر. ومن التكبر كما قال الله سبحانه وتعالى حاكيا عن نبيه موسى قال لفرعون: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَسْحُورًا ﴾ [الإسراء: 101]. نعم، مسحورا. فرعون أنكر هذا في ظاهره، لكن في قرارة نفسه فهو مقر به، كما قال الله عز وجل عن فرعون وعن أتباعه: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾ [النمل: 14]. انظر إلى هذه الآية: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ﴾. في قرارة أنفسهم مستيقنون بأن لهذا الكون خالقا ومدبرا حكيما عليما، لأن هذا الكون يمشي على نظام بإتقان محكم، فهم مقرون في قرارة أنفسهم أن هذا الكون له خالق وله مدبر سبحانه وتعالى، ولكنه الجحود، ولكنه الجحود والاستكبار، استكبارا في الأرض ومكر السيء، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه. وإلا فهذا الأمر كما ذكر المؤلف تقره النفوس اضطرارا، اضطرارا، ولم يجحده إلا من تظاهر بالإنكار مع أنه يعترف به في الباطن. وأيضا في العصر، أو في الوقت الحاضر، أنكر هذا النوع من أنواع التوحيد الشيوعيون. الشيوعيون أنكروا توحيد الربوبية، وقالوا: لا إله، والحياة مادة. وهذا من كذلك تكبرهم وجحودهم. وإلا فهم يقرون في قرارة أنفسهم أن هذا الكون له مدبر وله خالق سبحانه وتعالى. فمن الخطأ أن يتوسع في هذا الأمر، وهو تقرير توحيد الربوبية، وتؤلف فيه المؤلفات الخاصة، وإلى غير ذلك، ويهمل توحيد الألوهية، كما يفعل بعض دعاة التحزب في هذا العصر، في هذا الزمن. فإنهم ربما غلوا في تقرير توحيد الربوبية، وأفردوا المؤلفات في توحيد الخالق، كما عنونوا لكتابهم بذلك. وفي المقابل لا تجد لهم كلاما في توحيد الألوهية، وكذلك تصنيفا مستقلا في توحيد الألوهية. وهذا من انحرافهم ومن ضلالهم. فإن توحيد الربوبية قد أقر به حتى مشركو العرب، كما سيأتي معنا، وهذا مما تقره النفوس اضطرارا، ومما كذلك تفطر عليه النفوس. فإن توحيد الربوبية له علامات واضحة بينة تقر بها النفوس، كما في هذه الآيات الظاهرة، وفي هذا الكون المحكم الذي يسير بإتقان، وكذلك بإحكام، إلى غير ذلك. وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد. فيا عجبا كيف يعصى الإله، أم كيف يجحده الجاحد؟ وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد. فيحتج على المنكر بهذا التوحيد بأشياء محسوسة يراها ويشاهدها. ويذكر عن أبي حنيفة رحمه الله أنه ابتلي بقوم، أو بأفراد، كانوا ينكرون هذا النوع من أنواع التوحيد، توحيد الربوبية. فأراد أن يحاجهم، أن يحاجهم بشيء محسوس ملموس. فذات مرة أتى إليهم وقال لهم: بينما أنا في ساحل البحر، فإذا بخشب أتى إلي مفرق، فإذا به اجتمع، وإذا به يكون على شكل سفينة، فركبت فيها وجئت عندكم، وهذه هي السفينة. أي أن هذه السفينة صنعت هكذا بدون صانع، بدون صانع، بدون نجار، اجتمعت الأخشاب وهكذا، يعني تكونت حتى صارت سفينة تجري في البحر. فقالوا له: هذا لا يمكن، كيف هذا؟ هل يمكن تأتي الأخشاب وتتركب هكذا وحدها؟ هذا لا يمكن. فقال لهم: سبحان الله، فسماوات، فسماوات ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدلاني على الخبير الحكيم؟ أو كما قال رحمه الله تعالى. فحاجهم بهذه الحجة التي ما يستطيع أحد أن يردها وأن يدفعها، أن يردها وأن يدفعها. فهم استغربوا من هذا الأمر الحسي الذي هو من صنع البشر، من صنع البشر، فكيف بهذا الكون بما فيه من سماوات ومن أرض، ومن طلوع شمس ومن غروبها، ومن نزول أمطار، ومن وجود بحار وأنهار، ومن وجود أبراج ونجوم، وهكذا من وجود فجاج، أي طرق في الأرض، إلى غير ذلك؟ من الذي أحكم هذا؟ لا شك أن الفطر السليمة تؤمن اضطرارا بأن لهذا الكون خالقا، فلا يحتاج هذا إلى كثير تقرير، ولا إلى كذلك كثير اهتمام. هذا معنى قول الشارح: فالأمم كلها مقرة بتوحيد الربوبية اضطرارا، لم يجحد إلا من تظاهر بالإنكار مع أنه يعترف به في الباطن. قال: لأن الإقرار به ضروري، فالجميع يعرف أن هذا الخلق وهذا الكون لا بد له من خالق، وهذا الخلق الذي يسير لا بد له من مدبر، ليس موجودا بمجرد الصدفة، أو موجودا من نفسه. ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ﴾ [الطور: 35-36]. فالصدفة يعني الشيء هكذا الذي بدون قصد لا يكون محكما، لا يكون محكما، بل لا بد أن يخطئ، وأن يكون فيه شيء من يعني النقص، ومن العيب، وإلى غير ذلك. نعم، مثلا لو أن إنسانا أعمى، إنسانا أعمى، قيل له: ارم هذا الهدف، وأخذ السيف، أو أخذ القوس ورمى، فإذا به أصاب الهدف، أصاب الهدف، هذا بدون رمي، كما يقال "بدون رمي"، ما يرى الهدف، لكن رمى فجاء في الهدف. لكن لو طلب منه مرة ومرتين وثلاث وأربع، أهو في كل الأحيان يستطيع أن يصيب؟ ما يستطيع أن يصيب في كل الأحيان، لأن هذا شيء بغير قصد، هذا شيء بغير قصد. فالصدفة لا بد فيها من نقص، ومن خلل، ومن عيب، وإلى غير ذلك. فتعالى الله أن يكون هذا خلقه الحكيم وكذلك المتقن صدفة بدون خالق. تعالى الله عن ذلك سبحانه وتعالى. ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ﴾. قال: فالإقرار بتوحيد الربوبية ضروري وفطري، لكنه لا يكفي. يعني ما يكفي أن الإنسان يقر بهذا، أن هذا الكون له خالق، وأن هذا الكون له مدبر سبحانه وتعالى. ما يكفي هذا. قال: لم يكف المشركين إقرارهم به، كما في القرآن. فالقرآن صريح في هذا. ولئن سألتهم من خلقهم، ماذا يجيبون؟ يجيبون: الله. أي الله هو الذي خلقنا. هذا توحيد الربوبية. فالمطلوب هو توحيد الألوهية. يعني لما أقر المشركون بهذا، هل تركهم رسول الله؟ وهل أقرهم على ذلك؟ وهل تآلف معهم وتآخى معهم وتناصر معهم؟ لا، لم يكن شيء من ذلك. دليل على أن هذا الأمر وحده لا يكفي. لا يكفي أن يقر، أن يقرأ الإنسان بتوحيد الربوبية ويترك توحيد الألوهية. بل إن الصراع والخصام بين الأنبياء والرسل وبين أقوامهم كان في هذا الأمر، ألا وهو توحيد الألوهية. قال: فالمطلوب هو توحيد الألوهية. هذا الذي حصل فيه النزاع والخلاف والخصام بين الرسل والأمم، وبين الدعاة إلى الله وبين الناس. هذا هو الذي فيه الخصومة، فيه القتال، وفيه ما يتعلق بذلك من الولاء والبراء وغير ذلك. وأهل الحق يدعون إليه، أهل السنة والجماعة. أما غيرهم من الجماعات فإنهم يهملون، أو يهملون هذا الجانب، توحيد الألوهية. ولذلك ما تجدهم يعني يبينون هذا الجانب من جوانب التوحيد، وهو توحيد الألوهية. همهم أن يجمعوا الناس، همهم أن يجمعوا الناس، لأنهم يعلمون أنهم إذا دعوا الناس إلى هذا الأصل العظيم ربما نفر الناس منهم، وربما تركهم الناس. وهذا خطأ منهم. لأن العبرة ليس بأن تجمع الناس ولو كانوا على شرك، ولو كانوا على عبادة غير الله. وإنما العبرة أن تخلص أولئك الناس من الشرك بالله سبحانه وتعالى، ومن غرس التوحيد في نفوسهم، الذي هو سبب في سعادتهم في الدنيا والآخرة، سبب في سعادتهم في الدنيا والآخرة. ولذلك أهل السنة همهم أن يسعد الناس، فيتتبعون الأسباب التي تكون سببا في سعادتهم. ومن أعظم هذه الأسباب دعوتهم إلى توحيد الله عز وجل، لأن بتحقيق التوحيد سعادة المرء في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]. أهل السنة يريدون الأمن ويريدون الاهتداء للناس جميعا، فيدعونهم إلى هذا الأصل العظيم. وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ [طه: 123]. ومن أعظم الهدى الذي جاءت به الرسل، بل هو من أول الهدى الذي كان الرسل يدعون قومهم إليه، هو توحيد الله سبحانه وتعالى. بخلاف غيرهم من الجماعات الضالة، فإنهم يهملون هذا الجانب، لأنهم يريدون تجميع الناس، كجماعة التبليغ، وجماعة الإخوان المسلمين، والسرورية، وغيرهم من الفرق الضالة، فإنها تهمل هذا الجانب. فالتبليغ عندهم هذا مما يفرق، وهذا من أمراض الأمة التي يجب أن يجتنب. وهكذا الإخوان المسلمون، عندهم هذا مما ينفر الناس عن انتخاباتهم، وعن أصوات الناس لهم، وإلى غير ذلك من الأغراض التي هي من أسس وأصول دعوتهم. وهكذا السرورية، منهم من يقول: أن التوحيد والعقيدة ربما تدرس في عشر دقائق. وهكذا هذه الكتب، كتب الصفراء، والكتب القديمة، هي سبب في الجفاء، وإلى غير ذلك مما يرددون من كلام فيه يعني تزهيد من تعليم الناس، ودعوة الناس إلى هذا الجانب العظيم، ألا وهو توحيد الله سبحانه وتعالى في ألوهيته. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "وكونوا أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى بكلام يفهمه أبلد العامة". قال الشارح: الله جل وعلا يقول: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [النساء: 36]. قال: هل هذا كلام غامض؟ إذا قيل لأي إنسان: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، هل هذا الكلام فيه غموض، وفيه خفاء، وفيه صعوبة؟ أبدا. فيه أمر بالعبادة، وفيه نهي عن الشرك. هذا معنى قول المؤلف: "وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى بكلام يفهمه أبلد العامة". يفهمه أبلد العامة. فهو كلام ميسر، سهل، يفهمه الكل، خصوصا فيما جاء في هذا الجانب، جانب توحيد الله سبحانه وتعالى، لا سيما وأن الله عز وجل قرر هذا الجانب في كتابه من وجوه شتى، كما مر معنا من كلام ابن القيم، وكما سيأتي من كلام الشارح حفظه الله. قال: هل هذا كلام غامض؟ العوام يفهمونه: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾. يفهمون من هذه، يفهمون من هذه الأمر بالعبادة والنهي عن الشرك، ولو أنهم لم يتعلموا، يعرفون هذا من لغاتهم. هذه آية واحدة، والقرآن مملوء من مثل هذا. فمعرفة التوحيد سهل ميسر، وإنما وقع كثير من الناس في خلافه، ألا وهو الشرك، بسبب عنادهم، وبسبب تكبرهم، وبسبب اتباع أهوائهم. قال: هذه الآيات يمرون عليها ويقرؤونها، لكن لا يفكرون فيها. يقول الله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾. وانظر إلى قوله "شيئا"، نكرة في سياق النهي: ﴿ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾، فتفيد العموم. أي شيء، سواء كان نبيا مرسلا، أو ملكا مقربا، أو وليا صالحا، أو إلى غير ذلك. قال: هذه الآيات يمرون عليها ويقرؤونها، لكن لا يفكرون فيها. يقول الله تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾. قال: وهم يقولون: يا علي، يا حسين، يا بدوي، يا تيجاني، يا عبد القادر. وهؤلاء يعني أضرحة وقبور يتوجه إليها عباد القبور. وفي بلدنا، وفي بلادنا غير هؤلاء، يعني المحضار، والعيدروس، وهكذا، وبكر بن سالم، وغيرهم ممن يعني هؤلاء يعظمونهم، ويعقدون لهم الزيارات، وهكذا يعملون لهم يعني الموالد، وإلى غير ذلك. ثم يأتي الناس ويدعونهم، ويستغيثون بهم، وهكذا يذلون عندهم، ويخشعون عندهم، إلى غير ذلك مما هو موجود في واقعهم، بدون افتراء. والله لقد رأينا مثل ذلك بأعيننا، ورأى بعض الناس في فيلم مصور عن أحدهم وهو يتذلل، وهو يخشع، ويبكي أمام هذا القبر الذي جاء لزيارته من بلاد أخرى. قال: وهذا الذي ينادي الميت، ويصرخ، بما ويصرخ، ربما أنه يحفظ القرآن بالقراءات السبع أو العشر. يعني أن بعض الناس ربما يجيد قراءة القرآن تجويدا وإتقانا، وربما عنده القراءات العشر، وما شاء الله صوت حسن، ولكنه يقرأ الآية: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾، وإذا به يدعو غير الله، ويستغيث بغير الله. هذا ما استفاد من القرآن، وهذا لم ينفعه القرآن، لم ينفعه القرآن. فكما مر معنا، العبرة بالعمل بالقرآن، وليس بحفظه وقراءته وتجويده فحسب. فالمسلم يجمع بين هذه الأمور إن استطاع، وإن لم يستطع فيركز أكثر ما يركز على مسألة العمل، وعلى مسألة التدبر، وعلى مسألة الفهم، فهم الآيات، خصوصا التي جاءت في تقرير التوحيد. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.