الدرس في شرح كتاب الأصول الثلاثة 14، الدرس الرابع عشر:من:(وأركانه ستة أن تؤمن بالله وملائكته ... ودليل القدر قوله تعالى إنا كل شيء خلقناه بقدر ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع مناظرة عالم سني مع قدري حول خلق الشر والهداية، مبيناً أن الهداية فضل إلهي لا استحقاق للعبد. ثم ينتقل لتعريف الإيمان بالقول والعمل والاعتقاد مستدلاً بحديث الشعب السبعين، وموضحاً فضله على الإسلام.
يشرح الدرس مرتبة الإيمان بتعريفها الشرعي وفضلها، ثم يستعرض أركانها الستة مستدلاً بآية البر وآية القدر، ويفصل في الأربعة الأولى: الإيمان بالله تفصيلاً، والملائكة، والكتب، والرسل.
يتناول المقطع خاتمية النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأحوال اليوم الآخر من البعث إلى المصير، ثم يوضح مراتب القدر الأربع مستفيضاً في العلم والكتابة مع الأدلة النقلية والعقلية.
يبين المقطع المرتبة الثالثة (المشيئة) والفرق بين الكونية والشرعية، والرابعة (الخلق) مع إثبات اختيار العبد، ويرد على طوائف الجبرية والقدرية، مختتماً بتلخيص المراتب الأربع.
بسم الله الرحمن الرحيم درس هذه الليلة إن شاء الله تعالى، فهو متصل بالمرتبة الثانية وهي مرتبة الإيمان. وقد ذكر رحمه الله تعالى تعريف الإيمان الشرعي من خلال الحديث الذي هو من أصح الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو متفق عليه: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، وفي رواية: «ستون»، «أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». فذكر في هذا الحديث أن الإيمان قول وعمل واعتقاد. القول مثل نطق الشهادتين، أعلاها قول لا إله إلا الله. والعمل مثل إماطة الأذى عن الطريق. وهذا يدل على أن شعب الإيمان، والحياء شعبة من الإيمان، أي أن الحياء أمر قلبي. فذكرت ثلاثة الأمور في هذا الحديث. وذكرنا الأدلة على أهمية الإيمان، وأنه أعم من الإسلام، فالإسلام يدخل في الإيمان كما قال أهل العلم: كل مؤمن مسلم، لأنه عام يدخل فيه الإسلام وهو أوسع من الإسلام، وهي أعلى مرتبة من الإسلام. وينبغي على كل مسلم أن يسعى في إيجاد خصال الإيمان التي يستكمل بها إيمانه، يستكمل بها إيمانه. فإذا ترقى في درجات الإيمان صار مؤمناً حقاً. وهناك صفات لأهل الإيمان ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم في أكثر من آية، صفات المؤمنين. ومن ذلك، أي من شعب الإيمان، النطق، وأن المسلم ينبغي عليه أن ينطق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. هذه أعلاها، كلمة التوحيد التي تقدم في دروسنا أن معناها: لا معبود بحق إلا الله. هذا معنى كلمة التوحيد. ثم بعد ذلك المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في المتن أن أركان الإيمان ستة. أن أركان الإيمان ستة: أول هذه الأركان أن تؤمن بالله، وثانيها ملائكته، وثالثها كتبه، ورابعها رسله، وخامسها اليوم الآخر، وسادسها والقدر خيره وشره. وهو سادس الأركان. وذكر الدليل على هذه الأركان الستة في قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ الآية. الشاهد منها أنها ذكرت فيها خمسة أركان: وهي الإيمان بالله، وبملائكته، وبكتبه، وبرسله، وباليوم الآخر. بقي الإيمان بالقدر، ذكره المؤلف رحمه الله تعالى مستقلاً لأنه لم يذكر في الآية، فقال: ودليل القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، ليضم بهذه الآية مع التي قبلها أركان الإيمان الستة. فأول أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله. وهذا يشمل الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. في هذه الآية إثبات اسمين من أسماء الله عز وجل، وهما السميع والبصير. وأيضاً أن الله عز وجل ليس له مثيل، أي أنه كامل سبحانه وتعالى في أسمائه وفي صفاته. هذا بالاختصار: أن الإيمان بالله يدخل فيه الإيمان بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وأيضاً يؤمن بوجود الله عز وجل. وأما الإيمان بالملائكة فهناك إيمان جملة وإيمان على التفصيل. على الجملة: أننا نؤمن بجميع الملائكة، نؤمن بجميع الملائكة من ذكر منهم ومن لم يذكر اسمه، لأن ملائكة الله سبحانه وتعالى لا يعلم عددهم ولا يحصيهم إلا الله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾. وذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن البيت المعمور يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون، لا يعودون يعني مرة أخرى كل يوم سبعون ألف ملك، إذن لا يحصيهم ولا يعلم عددهم إلا الله عز وجل. هذا إيمان على الجملة. وأن أيضاً الملائكة لهم أعمال موكلون بها. وعلى التفصيل: نؤمن بمن سمى الله عز وجل منهم كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك خازن النار. وأما رضوان فلم يثبت أنه خازن الجنة، أي اسمه رضوان في حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك لفظ أو اسم إزرائيل أنه ملك الموت، هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ملك الموت ملك يقال له ملك الموت. وعما اسم إزرائيل هذا انتشر، لعله من إسرائيليات والله أعلم، لكن لم يثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم. وأننا نؤمن كذلك بأن الملائكة عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، كما أخبر الله عز وجل عنهم. والأعمال التي يوكلون بها من الله سبحانه وتعالى: فمنهم الملائكة الموكلون بحفظ أعمال العباد وإحصاء أعمال العباد وكتابة أعمال العباد، ومنهم الملائكة الموكلون بالأرحام، وهناك موكلون بالحفظ، أي حفظ العبد بأمر الله سبحانه وتعالى، له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله. عباد ملائكة موكلون بهذا الإنسان. وأيضاً الملكان الذين يسألان الميت في قبره: منكر ونكير، ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضاً نؤمن بجبريل عليه السلام، وأنه أمين الوحي ينزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام بالوحي من الله سبحانه وتعالى. وأيضاً ميكائيل موكل بالنبات والقطر من السماء. وأيضاً إسرافيل موكل بالنفخ في الصور. وهكذا أعمال كثيرة لهؤلاء الملائكة، الله سبحانه وتعالى وكلهم بها فهم قائمون بها لا يعصون الله عز وجل. وأن منهم الملائكة حملة العرش، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، وأخبر الله عز وجل كذلك في كتابه الكريم عنهم، وأنهم ثمانية، عددهم ثمانية: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. هذا الإيمان بالملائكة يشمل كل هذا. وأما الإيمان بالكتب المنزلة، فإيمان على الجملة وعلى التفصيل. فنؤمن بأن هناك كتباً أرسلها أو أنزلها الله سبحانه وتعالى على أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام. ونؤمن على التفصيل منها بصحف إبراهيم وموسى، وبالزبور، وبالتوراة، وبالإنجيل. أن الزبور على داود عليه السلام، وأن التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والقرآن وهو خاتمتها على نبينا صلى الله عليه وسلم. وأن القرآن كلام الله، بل كلها كلام الله عز وجل. وأن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى غير مخلوق، وأنه مهيمن على الكتب السابقة. ومعنى مهيمن: أي مسيطر، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. هذا الكتاب وهو القرآن، المعجزة التي أعجز الله سبحانه وتعالى الفصحاء والبلغاء على أن يأتوا بسورة مثله، أو بعشر سور، أو بمثله، فهم لم يستطيعوا أن يأتوا ولا بآية من مثل ما أنزل الله سبحانه وتعالى، لأنه تنزيل من حكيم حميد. وأن في هذه الكتب السماوية الهدى والنور، فمن أخذ بها وعمل بما فيها فإنه سينجو في الدنيا والآخرة. وأما الإيمان بالرسل، فإيمان على الجملة والتفصيل. نؤمن بمن سُمّي منهم، ومن علمناه منهم، ومن لم نعلمه منهم، فنؤمن بجميعهم. وأنهم معصومون، بلغوا رسالة الله إلى أقوامهم، وأيدهم الله عز وجل بالمعجزات والحجج والبراهين، وأنهم صادقون، وهذه الحجج والبراهين دالة على صدقهم فيما أخبروا به عن الله عز وجل. ونؤمن بأن خاتمتهم وآخرهم هو نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أرسله الله بالحنيفية السمحة، بدين الإسلام الذي لا يقبل الله عز وجل ديناً سواه، كما قال سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. فدين الإسلام أرسل الله به محمداً عليه الصلاة والسلام، وأنه أكرم الخلق وأشرف الخلق وأفضل الخلق على الله سبحانه وتعالى. اختصه الله سبحانه وتعالى بهذا الدين العظيم، شرفه وكرمه وفضله على سائر الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام، وهو سيد ولد آدم كما أخبر عن نفسه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأما الإيمان باليوم الآخر، فيشمل الإيمان بأحوال يوم القيامة. وأحوال يوم القيامة تبدأ يعني من النفخ، يعني من النفخ. وهناك علامات على قيام الساعة، على قيام الساعة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم: من خروج يأجوج ومأجوج، والدجال، وعيسى بن مريم، وكذلك دابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها. هذه علامات على الساعة. وأنه بعد ذلك ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور، فيصعق من في الأرض، أي من كان حياً، ثم ينفخ فيه أخرى فيقومون، يقومون من قبورهم أو من الأرض، يقومون أحياء، ويحشرون إلى الله. وأن أحوال الآخرة تبدأ من ممات الإنسان، فإذا مات الإنسان فإنه دخل في أمر الآخرة، لأن البرزخ مرحلة بين الدنيا وبين الآخرة، وهي أول مراحل الآخرة. كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فمن نجا منه فما بعده أيسر، ومن لم ينج منه فما بعده أشد، كما قال عليه الصلاة والسلام، حديث عثمان، حديث عثمان. ويؤمن العبد بنعيم القبر وعذاب القبر، وأن هذا حق. وأن المؤمن ينعم في قبره، وأن الفاجر أو قال الكافر يعذب في قبره، ويكون التعذيب على الروح والجسد، كما أنه أيضاً يكون التنعيم على الروح وعلى الجسد. وهذا هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ثم يؤمن بالبعث، وأن الناس يبعثون من قبورهم، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾، ويحشرون إلى الله عز وجل طرائق، طرائق، كيف يحشرون إلى الله سبحانه وتعالى على طرائق مختلفة، حفاة عراة، في مكان واحد، في صعيد واحد. وأن الأرض تتبدل، والسماوات أيضاً تتبدل، كما أخبر الله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. وأن الله عز وجل يأتي لفصل القضاء، وينزل سبحانه وتعالى نزولاً يليق بجلاله عز وجل. وكذلك نؤمن بالحوض والميزان والصراط، والقنطرة التي بين الجنة وبين النار، أي بعد مرور الصراط يتقاص المؤمنون المظالم التي كانت بينهم في الدنيا قبل أن يدخلوا الجنة، يتحاسبون ويتقاصون المظالم التي كانت بينهم في الدنيا. وبعد ذلك المصير إما جنة وإما نار. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل الجنة. وأما الإيمان بالقدر، فيشمل أربعة أمور: أولاً أن يعلم العبد ويعتقد أن كل شيء في هذا الكون يجري بمشيئة الله سبحانه وتعالى وإرادته، وأنه لا شيء يخرج عن تصرفه وإرادته ومشيئته، فالخلق خلقه، والأمر أمره، والملك ملكه. هذا الذي يجب أن يعتقده كل إنسان، فلا يحدث شيء في هذا الكون إلا وقد علمه الله سبحانه وتعالى في سابق علمه، فهو العليم الخبير، العليم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وأن الله سبحانه قد أحاط بكل شيء علماً. مراتب القدر التي ذكرها أهل العلم استنباطاً من كتاب الله عز وجل أربعة: أولها العلم، وثانيها الكتابة، وثالثها المشيئة، ورابعها الخلق. فأما الأول وهو العلم، فلا بد لكل مسلم مؤمن يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى قد علم كل شيء، علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، منها قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. وفي آية المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. فهاتان الآيتان تدلان على أن الله سبحانه وتعالى قد علم كل شيء. وقال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾. فهذا يدل على علمه سبحانه وتعالى. ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، أي الناس لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، أي إلا بما أطلعهم عليه وعلمهم إياه. ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، من الذي علم آدم أسماء الأشياء؟ هو الله سبحانه وتعالى العليم بكل شيء. فهذه المرتبة الأولى. وأن من أنكر العلم كفر. قال الشافعي رحمه الله تعالى: «حاج القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا». القدرية الذين خالفوا في هذه المسألة يقولون ماذا؟ إن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد حدوثه. فهذا منهم اتهام وتنقص لله سبحانه وتعالى، أنه ما يعلم الشيء إلا بعد ما يحدث، يقولون يعلمه، أما قبل ذلك فلا يعلمه. والله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالعلم، وصف نفسه بأنه العليم، وسمى نفسه العليم، وهو أيضاً علام. هذه الصيغ، ماذا؟ العلام على صيغة فعال، المبالغة، علام الغيوب سبحانه وتعالى. فالقدرية أنكروا هذا، ولهذا هؤلاء مجوس هذه الأمة، مجوس هذه الأمة، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في طرق يقوي بعضها بعضاً، يقوي بعضها بعضاً. فنحذر من هذا، من هذا الصنف الذين ينكرون علم الله سبحانه وتعالى. الأمر الثاني: الكتابة. الكتابة أي أن الله سبحانه وتعالى كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، كتب كل شيء في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وهذا جاء في حديث ابن عمر عند الإمام مسلم. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾. وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾. وقال تعالى وهو يحكي عن المجرمين الذين يقولون: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. إذا كانت الملائكة تحصي عليهم كل شيء، فإن الله سبحانه وتعالى قد أحصى كل شيء. وأيضاً الأرض تحدث أخبارها، ذلك بأن ربك أوحى لها. الله سبحانه وتعالى قد كتب كل شيء، وأن هذا الإنسان سيفعل كذا وكذا في يوم كذا وكذا في ساعة كذا وكذا، قد علم كل ذلك سبحانه وكتبه. وجاء في حديث أبي هريرة المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. قال: رب، وما أكتب؟ قال: اكتب ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، إلى قيام الساعة». والله سبحانه وتعالى قد كتب ذلك في أم الكتاب، ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ. فهذه الأدلة تدل على الكتابة. والمؤمن لا بد أن يؤمن بأن كل شيء مكتوب، حتى أن علياً رضي الله تعالى عنه ضرب يوماً يده وقال: هذا مكتوب. يعني هذا مكتوب أني سأضرب الآن يدي، هذا مكتوب. ضرب يده وقال: هذا مكتوب. هذا يدل على قوة الاعتقاد وقوة اليقين أن كل شيء يجري في هذا الكون قد كتبه الله سبحانه وتعالى، الذي علم كل شيء. المشيئة هي المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر. أي أن الله سبحانه وتعالى ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. فلا شيء يحدث في هذا الكون إلا وهو بمشيئة الله سبحانه وتعالى. والمشيئة إذا أطلقت، المراد بها الإرادة الكونية. المشيئة إذا أطلقت: ﴿مَا تَشَاءُونَ﴾، ﴿وَمَا شَاءَ﴾، ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾، المراد بها المشيئة الكونية، الإرادة الكونية. المراد بها الإرادة الكونية. الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية وإرادة شرعية. المشيئة تأتي في كتاب الله عز وجل المراد بها الإرادة الكونية إذا أطلقت، وإذا قيدت فقد يراد بها الإرادة الشرعية، الإرادة الشرعية. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في أبيات له: «ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسلم على ذا مننت وهذا خذلت وهذا عنت وذا لم تعن فمنهم شقي ومنهم سعيد ومنهم قبيح ومنهم حسن» يعني كل شيء هو بمشيئة الله سبحانه وتعالى. شاء الله عز وجل أن يخلق إبليس لحكمة أرادها الله، وهي الابتلاء، ليعلم سبحانه من يطيعه ممن يعصيه، من يطيعه ممن يعصيه. فهذا شاءه الله سبحانه وتعالى. شاء الله عز وجل أن يخلق النار أيضاً والجنة، كل هذا الابتلاء، من يعمل للجنة يطيع الله فيدخله الجنة، ومن يعصيه فيدخله النار. وهكذا الجن والشياطين والشرور، هذه كلها بمشيئة سبحانه وتعالى، خلقها لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى. والله عز وجل جعل أيضاً للعبد إرادة واختياراً وقدرة، وهي خاضعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى، لكنه ليس مكتوفاً كما مكتوف، أو مجبوراً، أو كالريشة في مهب الريح، كما تقول الجبرية. الجبرية فرقة من القدرية، من القدرية الذين يقولون إن العبد مجبور على الأفعال، فإن فعل المعصية فهو مجبور. وهي طائفة من القدرية. القدرية ينقسمون إلى نَفَاة القدر، وهؤلاء الذين يقولون: ما يعلم الله الشيء إلا بعد حدوثه. وطائفة منهم أنكرت خلق أفعال العباد، يعني قالوا: أفعال العباد غير مخلوقة لله سبحانه وتعالى. وهؤلاء الذين جعلوا خالقين، كما قال المجوس. المجوس يؤمنون بإله للخير وإله للشر، أو إله للنور وإله للظلمة. هذا المجوس فعلوا ماذا؟ جعلوا خالقين. يقولون: الخير فقط هو الذي خلقه الله، والشر ما خلقه الله. طائفة من القدرية قالت ذلك: الخير خلقه الله، والشر ما خلقه الله. وربما استدلوا ببعض الأحاديث، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك». مع أن العلماء في تأويل هذا الحديث لهم خمسة توجيهات. والشر ليس إليك، ما معنى الشر ليس إليك؟ قيل: لا يرفع إليك. وليس معنى أن الله ما خلق الشر، بل سبحانه وتعالى خلقه، ولكنه سبحانه وتعالى تنزه عن النقائص والمعايب والقبائح، لأنه كامل سبحانه وتعالى في أسمائه والصفات، وإنما خلق الشر للابتلاء. فينكر هذا طائفة من المبتدعة كالجبرية وغيرهم. وبعضهم يجعل العبد مسلوب الإرادة، ليس له قدرة ولا اختيار. وهذا يصادم الأدلة من كتاب السنة. الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، أثبت للعباد مشيئة. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فالعباد لهم مشيئة ولهم قدرة. بين الله عز وجل لهم طريق الخير، وبين لهم طريق الشر، وأمرهم بسلوك طريق الخير واجتناب طريق الشر. ثم يأتي واحد يقول: هذا مجبور. كيف؟ وأنا أعلم أن لي إرادة ولي اختيار ولي قدرة، وقد بين لي هذا وهذا. فمن الذي سلك طريق الشر سلكه باختياره، ومن الذي سلك طريق الخير سلكه باختياره. والله المعين، الله المعين. علم أن هذا العبد سيسلك طريق الخير، فعانه ووفقه، فالتوفيق من الله سبحانه وتعالى. وعلم أن هذا العبد لا يستحق إلا أن يمشي في هذا الطريق، فخلى فمشى في طريق الشر. وهذا باب خفي على كثير من العوام، العوام حتى يذكرون، يقول لك الإنسان: مسير ولا مخير؟ يعني يأتي بمثل هذا اللغز. الإنسان مخير ولا مسير؟ واحد يأتيك يقول لك: مخير ولا مسير؟ بعضهم يقولون: مسير، كحالة الجبرية، مسير، خلاص يمشي هكذا. واحد قال: لا، مخير. والحق في ذلك أن الإنسان مخير، مخير ومسير. أن الإنسان مخير في أشياء، ومسير في أشياء ليس له اختيار فيها ولا قدرة ولا إرادة، وإنما الله سبحانه وتعالى يقدرها عليه، كالموت. حد يحب الموت يريد يختاره؟ إلا ينزل عليه الموت. الموت كذلك المرض، ما أحد يحب المرض ولا يريده ولا يختاره، لكن يقع عليه بإذن الله. الحوادث، سواء كان حوادث سيارات وغيرها، يمشي فإذا هو سقط، كيف سقط؟ الله أعلم كيف سقط. هذا الله عز وجل أراد له أن يموت بهذه الحالة، يمرض بهذه الحالة، يتكسر، يتعور. فبعض هذه الأمور التي تجري على العبد هي ليس له فيها حول ولا قوة ولا قدرة. وأمور هناك له إرادة وله اختيار وله قدرة على فعلها. والكل، أي أفعال العباد، مخلوقة لله سبحانه وتعالى. ولهذا الإمام البخاري ألف كتاب «خلق أفعال العباد»، يرد على القدرية الذين يقولون أن أفعال العباد غير مخلوقة لله سبحانه وتعالى. الله عز وجل يقول: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ عَمَلَكُمْ﴾، أي أفعالكم التي تفعلونها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله خالق كل صانع وصنعته»، كل صانع وصنعته مخلوقان لله سبحانه وتعالى، خلق السماوات والأرض. وهذه المرتبة، المرتبة الرابعة، التي ينبغي لكل عبد أن يؤمن بها، وهي مرتبة الخلق. أن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء، خلق كل شيء. الله خالق كل شيء، السماوات وما فيهن، والأرضون وما فيهن، خلقهن الله سبحانه وتعالى. بعض أهل العلم جمع هذه المراتب الأربعة بقوله: علم كتابة مولانا مشيئته خلق وهو إيجاد وتكوين هذه المراتب الأربع في بيت واحد. إذا تريد أن تحفظها في قول القائل: علم كتابة مولانا مشيئته خلق وهو إيجاد وتكوين. بعد البيت: دخل رجل من باب الفائدة على عالم من العلماء في حلقة من الحلقات، يعني في مسجد أو في بيت، كان هذا العالم من أهل السنة يدرس، وهو أبو إسحاق الإسفرايني. يذكرون عنه شيء من تشييع الإسفرايني، هذا الشافعي. لكن الشاهد في هذا الباب أن هذا القدري دخل وهو يقول بصوت عالٍ: سبحان من تنزه عن الفحشاء، سبحان من تنزه عن الفحشاء. ما معنى هذا الكلام؟ مراد هذا القدري أن الله عز وجل ما خلق الشر، إنما خلق الخير، الله متنزه عن الفحشاء، مثل الزنا، مثل الفواحش، مثل إبليس، كل شر، سبحان من تنزه عن الفحشاء، هذا ما خلقه الله. ففطن له ذلك العالم، فرد عليه قائلاً: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء. فغلب هذا القدري. قال: أرأيت إن كتب الله علي الردى وحكم علي، أرأيت إن منعني الهدى وحكم علي بالردى، أحسن الله إلي أم أساء؟ هذا القدري يقول: أرأيت، يقول للعالم: إن منعني الله الهدى، ما جعلني موحداً، جعلني ظالماً، وحكم علي بالردى، أي بالهلاك، من أصحاب النار، أحسن الله إلي أم أساء؟ هذا إحسان ولا إساءة؟ هذا اتهام لله سبحانه وتعالى، كما يقول بعض العوام: يا أخي، أنا خلاص محكوم علي بالشقاوة، أنا خلنا أصحاب النار، خلاص، رب يبغانا كذا. يقول لك: رب يبغانا كذا، كيف رب يبغانا كذا؟ الله مستعان، يا أخي، استقم، تب إلى الله. يقول لك: خلنا هكذا، أنا أبغانا، خلاص. يقول: أن الله خلاص، يعني موحّن أن الله كتبه شقياً، كأنه اطلع على ما في اللوح المحفوظ. سبحان الله، ما يقول هذا الإنسان عاقل. فقال له العالم: إن كان منعك شيئاً هو لك فقد أساء، وإن كان منعك شيئاً ليس لك فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. أفهمه. قال له: إن كانت الهداية لك وحقك فقد أساء، لأنه منعك شيئاً حقك أنت، حقك هذه الهداية، كيف منعك إياها؟ وإن كانت الهداية عبارة عن فضل ومنة من الله سبحانه وتعالى، فهذا فضل الله يأتيه من يشاء، ليس لك أن تتحكم. الهداية فضل، الجنة فضل من الله سبحانه وتعالى ومنة، فأنت تطلب شيئاً ليس لك، إذن ما أساء إليك الله سبحانه وتعالى. إذا منعك الهدى، فالهدى فضل من الله سبحانه وتعالى، يهبه من يشاء، فأنت ليس لك أن تتحكم، وتعني تقول: هذا منعني شيء حقي. فأنت لا بد تعلم أنك لا تستحق شيء بذاتك، إلا إن من الله سبحانه وتعالى عليك، فهو المان، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الفوائد: فهو المان به ابتداء من غير قدرة للعبد ولا استحقاق منه. يعني بعض الناس يظن في نفسه أنه مستحق للهداية، أو أنه مستحق مثلاً للعلم النافع، أو أنه مستحق للجنة، يقول: أنا حقي هذا، مستحقها، أنا، ليش كذا جعلني الله؟ لأني مستحق. لا، هذا خطأ، هذا غرور من الشيطان يدخله على العبد. من أنت؟ لو تفكرت في نفسك وما من الله به عليك، من أنت حتى تقول: أنا مستحق لأن أكون عالماً؟ يعني ما أعطانا الله العلم لأن بعضهم قد يدخله ذلك الشيء في نفسه، يقول: ما أعطانا الله العلم إلا لأني مستحقه، وما أعطاني الله المال إلا لأني مستحقه، وما أعطاني كذا وكذا من النعم لأني مستحقها. هذا غرور من هذا الإنسان. بل لا بد لكل إنسان يعلم أن الله عز وجل إذا منّ عليه بنعمه، أي إذا أعطاه شيئاً من النعم، سواء كان دنيوية أو منّ عليه في الآخرة بالجنة، فهو فضل، فهو فضل وإحسان ومنة من الله سبحانه وتعالى، ليس باستحقاق ذلك العبد. لأن الذي خلقه وأوجده هو الله سبحانه وتعالى، فكيف تقول: هذا حقي، وهو الذي أنشأك، وهو الذي أخرجك من صلب أبيك بعد أن لم تكن شيئاً؟ فمن المنّ عليك بالخلق هو الله، ولو شاء ما خلقك، ثم بعد ذلك تقول: حقي، لي، وأنا أستحق هذا؟ وإنما بلغت هذه الدرجة إلا أن الله يعلم أني أستحق هذا. هذا خطأ، هذا خطأ. لا ينبغي للمسلم المؤمن أن يعتقد ذلك في قلبه، بل لا بد أن يعتقد في قرارة نفسه أن كل فضل وكل عطية منه من الله، امتن بهذه، فيحمد الله لهذا. أنبياء الله عز وجل لما آتاهم الله النبوة، ما قالوا: لأننا نستحق بجمالنا، أو بأننا خلقنا على غير صفة الناس، أو أننا بجاه، أو بأننا نسلطان، أو أننا كذا استحققنا النبوة. لا، قال: ﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. النبوة فضل، الرسالة فضل. فكل ما هداك الله سبحانه وتعالى الاستقامة فضل، يعني إذا جعلك الله مستقيماً على السنة وعلى الصراط المستقيم، هذا فضل من رب العالمين، ينبغي أن تشكره عليه، لا لأنك ابن فلان، أو لأنك فلان، أو لأن خلقتك كذا. لا، هذا لأن الله عز وجل هو الذي أراد لك ذلك واختارك لذلك، ولو شاء الله عز وجل لجعلك في أسفل سافلين مع فرعون وهامان وقارون، عياذاً بالله. فلهذا العبد لا بد يستشعر فقره وحاجته وضعفه، وأن كل شيء هو من الله سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعين على ذكره وعلى شكره وعلى حسن عبادته. فهذه الفقرة، فقرة مهمة، وهي الإيمان بهذه الأمور الستة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المؤمنين، إنه ولي ذلك والقادر. عليك الحمد لله رب العالمين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتبسم الله الرحمن الرحيم درس هذه الليلة إن شاء الله تعالى، فهو متصل بالمرتبة الثانية وهي مرتبة الإيمان. وقد ذكر رحمه الله تعالى تعريف الإيمان الشرعي من خلال الحديث الذي هو من أصح الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو متفق عليه: «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، وفي رواية: «ستون»، «أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». فذكر في هذا الحديث أن الإيمان قول وعمل واعتقاد. القول مثل نطق الشهادتين، أعلاها قول لا إله إلا الله. والعمل مثل إماطة الأذى عن الطريق. وهذا يدل على أن شعب الإيمان، والحياء شعبة من الإيمان، أي أن الحياء أمر قلبي. فذكرت ثلاثة الأمور في هذا الحديث. وذكرنا الأدلة على أهمية الإيمان، وأنه أعم من الإسلام، فالإسلام يدخل في الإيمان كما قال أهل العلم: كل مؤمن مسلم، لأنه عام يدخل فيه الإسلام وهو أوسع من الإسلام، وهي أعلى مرتبة من الإسلام. وينبغي على كل مسلم أن يسعى في إيجاد خصال الإيمان التي يستكمل بها إيمانه، يستكمل بها إيمانه. فإذا ترقى في درجات الإيمان صار مؤمناً حقاً. وهناك صفات لأهل الإيمان ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم في أكثر من آية، صفات المؤمنين. ومن ذلك، أي من شعب الإيمان، النطق، وأن المسلم ينبغي عليه أن ينطق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. هذه أعلاها، كلمة التوحيد التي تقدم في دروسنا أن معناها: لا معبود بحق إلا الله. هذا معنى كلمة التوحيد. ثم بعد ذلك المؤلف رحمه الله تعالى ذكر في المتن أن أركان الإيمان ستة. أن أركان الإيمان ستة: أول هذه الأركان أن تؤمن بالله، وثانيها ملائكته، وثالثها كتبه، ورابعها رسله، وخامسها اليوم الآخر، وسادسها والقدر خيره وشره. وهو سادس الأركان. وذكر الدليل على هذه الأركان الستة في قول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ الآية. الشاهد منها أنها ذكرت فيها خمسة أركان: وهي الإيمان بالله، وبملائكته، وبكتبه، وبرسله، وباليوم الآخر. بقي الإيمان بالقدر، ذكره المؤلف رحمه الله تعالى مستقلاً لأنه لم يذكر في الآية، فقال: ودليل القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، ليضم بهذه الآية مع التي قبلها أركان الإيمان الستة. فأول أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله. وهذا يشمل الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. في هذه الآية إثبات اسمين من أسماء الله عز وجل، وهما السميع والبصير. وأيضاً أن الله عز وجل ليس له مثيل، أي أنه كامل سبحانه وتعالى في أسمائه وفي صفاته. هذا بالاختصار: أن الإيمان بالله يدخل فيه الإيمان بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وأيضاً يؤمن بوجود الله عز وجل. وأما الإيمان بالملائكة فهناك إيمان جملة وإيمان على التفصيل. على الجملة: أننا