شرح الشمائل المحمدية 30

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 30، تابع : باب ما جاء في تكاة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وباب ما جاء في صفة أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم الاتكاء عند الأكل وصفة جلوس النبي صلى الله عليه وسلم

استعرض المقطع أحاديث باب تكأة النبي صلى الله عليه وسلم عند الأكل وبيان أنه لم يكن يأكل متكئاً، مع ذكر خلاف العلماء في حكم الاتكاء بين الكراهة والتحريم واختصاصه بالنبي. كما بين العلة في الكراهة وهي التشبه بالمتعظمين وخشية امتلاء البطن، ووضح الصفة المستحبة للجلوس وهي الجثو أو نصب اليمنى والجلوس على اليسرى.

أهمية استغلال الوقت وآداب الأكل النبوية العامة

أكد المقطع على وجوب شغل الوقت بالطاعات والاجتهاد في العبادة اقتداءً بالسلف الصالح، وتطرق لوصف مرض النبي واعتماده على الصحابة. ثم انتقل لبيان آداب الأكل النبوية كأكله بثلاث أصابع ولعقها، مع التنبيه على مضار الأكل السريع والجشع.

تفصيل آداب الأكل: لعق الأصابع الثلاث والأكل بثلاث أصابع

وضح المقطع الفرق بين رواية "يلعق أصابعه ثلاثاً" و"يلعق أصابعه الثلاث" مبيناً أن المراد الثلاث أصابع التي يأكل بها، وأن لعقها بعد الفراغ سنة ورد على من يستقذره. كما استعرض حكم الأكل بثلاث أصابع وأنه السنة، ويجوز الزيادة لعذر كخفة الطعام.

خاتمة الدرس والترجيح بالسنة مع الدعاء الختامي

أشار المتحدث إلى أن الأخذ بالثلاث أصابع أولى عند عدم التعذر موافقاً للسنة النبوية، ثم ختم المجلس بالتسبيح والاستغفار والدعاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: ما زلنا في الشمائل للإمام الترمذي رحمه الله تعالى، وآخر ما أخذنا باب ما جاء في تكأة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذنا عدة أحاديث في هذا الباب، منها حديث جابر بن سمرة وهو صحيح، أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً على وسادة على يساره. وحديث بكرة وهو في الصحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أحدثكم بأكبر الكبائر؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». وكان متكئاً فجلس، قال: «وشهادة الزور، وقول الزور». فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وأما الحديث الآخر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما أنا فلا آكل متكئاً، فلا آكل متكئاً». وهذا حديث أبي جحيفة، وهو في البخاري. وأخذنا أيضاً بعض كلام أهل العلم في معنى الاتكاء، كم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في معنى الاتكاء: عندك ثلاث كيفيات: الكيفية الأولى: الاتكاء على إحدى يديه. نعم، والاتكاء على مقعدته على جنبه، الاتكاء على جنبه. هذه ثلاث كيفيات، وذكر أن الثلاث مذمومة. وقلنا: هذا على تفسير بعض أهل العلم، وإلا فإن من فسر الحديث بأن الاتكاء على الجنب، مثل الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى، فيكون هذا هو المكروه في حالة الأكل. وأما التربع، فعلى هذا التفسير غيره مكروه. وأخذنا بعض فوائد هذا الحديث، وأيضاً من تلكم الفوائد التي ذكرها الحافظ رحمه الله في الفتح: قال: واختلف السلف في حكم الأكل متكئاً، ما حكم الأكل متكئاً؟ قال: فزعم ابن القاص أن ذلك من الخصائص النبوية، يعني من هذا الحديث يقول: هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأكل متكئاً. وتعقبه البيهقي فقال: قد يكره لغيره أيضاً؛ لأنه من فعل المتعظمين، وأصله مأخوذ من ملوك العجم، أصله مأخوذ من ملوك العجم أنهم كانوا إذا أكلوا اتكؤوا. والذي قاله البيهقي هو الصحيح، أنه ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل هذا أيضاً لغيره؛ لأنه فعل المتعظمين. قال: فإن كان بالمرء مانع لا يتمكن معه من الأكل إلا متكئاً، لم يكن في ذلك كراهة. مانع يعني عذر، إذا كان له عذر يمنعه من الجلوس مثلاً ولا يستطيع إلا أن يكون متكئاً، فليأكل ولا حرج عليه. قال: ثم ساق عن جماعة من السلف أنهم أكلوا كذلك، وأشار إلى حمل ذلك عنهم على الضرورة. قال: وفي الحمل نظر. فقول الحافظ أن البيهقي حمل ذلك على الضرورة، يعني الصحابة الذين أكلوا متكئين، يقول: هذا محمول على الضرورة، أنهم ما كانوا إلا ألجئوا إلى ذلك الفعل. قال: وقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس، وخالد بن الوليد، وعبيد السلماني، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن يسار، والزهري: جواز ذلك مطلقاً. أي أن من الصحابة ومن التابعين من ذهب إلى جواز الأكل متكئاً مطلقاً. قالوا: إذا ثبت كونه مكروهاً، والصحيح أنه مكروه، قالوا: خلاف الأولى. فالمستحب في صفة الجلوس للآكل أن يكون جاثياً على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى. وهذا قد جاء في بعض الأحاديث في صفة أكل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه كان يجثو على ركبتيه، ويقول: «آكل كما يأكل العبد». أو صفة أخرى: بأن ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى. كيف هذه الكيفية عندك؟ عندك يا إبراهيم يجلس على اليسرى؟ نعم، هذه الكيفية. والكيفية الأخرى على الركب: يجثو على ركبتيه، بأن يجثو على ركبتيه ويأكل. ما هي علة الكراهة؟ ما هي علة الكراهة في هذه الصفة؟ يقول: واختلف في علة الكراهة، وأقوى ما ورد في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي، قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا اتكاءة، مخافة أن تعظم بطونهم. يعني أن في الأكل متكئاً فيه معنى الشبع، فيه معنى الشبع وامتلاء البطن، فهذا يؤدي إلى أن تعظم البطون وتكبر، ولهذا كرهوا ذلك أن يأكلوا على اتكاء. قالوا: إلى ذلك يشير بقية ما ورد فيه من الأخبار، فهو المعتمد. يعني من أخبار الأطباء ونحوهم، ووجه الكراهة فيه ظاهر. أيضاً فيه فعل ماذا؟ المتعاظمين. يعني عندما يأكل إنسان وهو على جنبه. وكذلك ما أشار إليه ابن الأثير من جهة الطب، والله أعلم. خلاصة هذا المبحث: أن المسلم يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ما استطاع في ذلك، في صفة أكله، بأن يجثو على ركبتيه، أو يجلس على إحدى رجليه وهي الرجل اليسرى، وينصب اليمنى، وإلا فليقعد على مقعدته، والله تعالى أعلم. قال: باب ما جاء في اتكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني كيف كان يتكئ على غيره، وهذا في غير الجلوس. قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، وهو الإمام المعروف بالدارمي. قال: حدثنا عمر بن عاصم، وهو صدوق في حفظه شيء. قال: حدثنا حماد بن سلمة، أبو سلمة قد تقدم شيء من ترجمته، كان زاهداً عابداً رحمه الله، وكان يستغل وقته، كما قال موسى بن إسماعيل: أبو سلمة التبوذكي قال: لو قلت إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكاً لصدقت. كان مشغولاً، كان إما أن يحدث، أو يقرأ، أو يسبح، أو يصلي. قال: عن حميد. وقال ابن المبارك عنه: لو قيل لحماد يعني ابن سلمة: تموت غداً، ما قدر أن يزيد على ما هو عليه شيء. وهذا يدل على أنه كان يحافظ على الوقت ما استطاع من العمل الصالح، وهكذا ينبغي أن يشغل المرء وقته بما ينفعه في أخراه. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله». احرص على ما ينفعك في دينك وأخراك، واستعن بالله عز وجل، ولا تعجز. لا تعجز، احذر من العجز، احذر من الكسل، بل كن جاداً مجتهداً نشيطاً، مستغلاً قدر المستطاع وقتك فيما ينفعك ويقربك إلى الله. قال: عن حميد، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان شاكياً، فخرج يتوكأ على أسامة بن زيد، وعليه ثوب قطري قد توشح به، فصلى بهم. قد تقدم هذا الحديث في الأبواب المتقدمة في باب الثياب، وهو لبس الثوب القطري المنسوب، لا هذه البلدة بالبحرين قطر، وهي المعروف الآن، يعني منسوج من تلك البلاد. وفي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام اشتكى، يعني مرض، واشتكى وجعاً، فخرج يتوكأ على أسامة، معنى أنه اتكأ عليه ويمشي به، يساعده في المشي. فالمريض إذا احتاج إلى ذلك، لا حرج ولا بأس أن يتوكأ على غيره. وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، قال: حدثنا محمد بن المبارك، وهو ثقة. قال: حدثنا عطاء بن المسلم الخفاف الحلبي، وهو صدوق يخطئ كثيراً. قال: حدثنا جعفر بن برقان، وجعفر صدوق، عن عطاء بن أبي رباح، وعطاء إمام في المغازي، وقد كان يجلس يفتي الناس في مواسم الحج، والله عز وجل أتاه علماً ورفعه بالعلم، مع أنه كان عبداً نوبياً، كان أسود، ربما ذميم الخلقة، لكن رفعه الله بالعلم، فصار الملوك وأبناء الملوك وكثير من الناس يجلسون إلى عطاء بن أبي رباح رحمه الله. قال: عن الفضل بن عباس، قال: دخلت على رسول الله رضي الله عنه. قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه، وعلى رأسه عصابة صفراء. سلمت عليه، فقال: «يا فضل». قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «اشدد بهذه العصابة رأسي». قال: ففعلت، ثم قعد، فوضع كفه على منكبي، ثم قام، فدخل في المسجد. والحديث ضعفه الألباني رحمه الله في إرواء الغليل (برغم مئة سبعة). لكن قصة مرض النبي صلى الله عليه وسلم، خروجه واعتماده على بعض الصحابة كعلي والزبير وغيرهما، هذه ثابتة في الصحيح. خرج النبي صلى الله عليه وسلم متوكئاً لما مرض عليه الصلاة والسلام، وقد ساعده بعض الصحابة رضي الله عنهم في المشي. ثم قال الترمذي رحمه الله: باب ما جاء في أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني الآن باب صفة الأكل، كيف يأكل نبينا صلى الله عليه وسلم؟ إذا أكل، ماذا يفعل بعد الأكل؟ قال ابن القيم رحمه الله: وكان يأكل بأصابعه الثلاث، كان يأكل بأصابعه الثلاث، ويلعق إذا فرغ، يلعق أصابعه إذا انتهى من الطعام. الثلاث هي هذه الثلاث. قال: وهو أشرف ما يكون من الأكلة، فإن المتكبر يأكل بإصبع واحدة، يأكل بإصبع واحدة، والجشع، والجشع الحريص، يأكل بالخمس، ويدفع بالراحة، ويدفع بالراحة يعني بكلها يده. هذا الجشع الحريص؛ لأنه يكبر اللقمة ويريد أن يستزيد من الطعام، والله المستعان. فيحرص كل من على أن يأكل بأصابعه الثلاث، ويقلل في لقمته حتى يستسيغها أكلاً، فإنها إذا كبرت اللقمة دخل كثير منها إلى البطن، وربما ساء هضمها بعد ذلك، سوء الهضم، وتصبح عند الشخص بعد ذلك مشاكل من سوء الهضم، وغرشة، ونحو ذلك. لكن لو خفف في لقمته، استطاع أولاً أن يلوكها بأضراسه ويمضغها مضغاً جيداً، ثم يهضمها، وتسهل عليه حتى في الخروج كذلك. لأن بعض الطعام لا ينهضم إذا لم يطحن بالمطاحن، وربما بعد ذلك سبب إمساكاً عند بعض الناس، تكون معدته خفيفة ضعيفة، ليست قوية، فيحصل بعد ذلك إمساك عنده، ربما أدى إلى البواسير، وهات من هذه الأمور. هذا كله بسبب ماذا؟ بسبب أنه ما يراعي، ما يراعي نفسه عند الطعام، فيأكل بهدوء. عندما يأكل، يأكل بهدوء، مسكيناً، ولا يأكل مستعجلاً، يدفع الطعام دفعاً، بل يحاول بقدر المستطاع أنه يأكل بتأنٍ وتؤدة، حتى ما يكون هناك بعد ذلك يتضرر من هذا الطعام. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل بثلاث أصابع. يقول الترمذي رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار. وهذا في طعام، يعني الثلاث الأصابع في طعام يؤكل بالثلاث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في شرح هذه الأحاديث، لأن بعض الطعام ما يؤكل بالأصابع، ما يؤكل بالأصابع. لكن إذا كان الطعام يؤكل ويؤخذ بالأصابع، فتكون اللقمة بالثلاث الأصابع، فعل النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، أبو حسان العنبري. قال: عن سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن ابن لكعب بن مالك، عن أبيه، وهو كعب بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلعق أصابعه ثلاثاً. هذه اللفظة: «ثلاثاً» شاذة. كان يلعق أصابعه ثلاثاً، يعني الأصابع يلعقها ثلاث مرات، والعل الراوي وهم؛ فإن في الصحيح لأنه مخالف لرواية الثقات. فالثقات رووه: كان يلعق أصابعه الثلاث. فرق بين: كان يلعق أصابعه الثلاث، وبين قوله: كان يلعق أصابعه ثلاثاً. فقول هذا يعني أنه يكرر اللعق على الأصابع ثلاث مرات، لكن هذا غير مراد. فالأحاديث الصحيحة التي جاءت: كان يلعق أصابعه الثلاث، يعني التي يأكل بها، فيلعق الأول، ثم الثاني، ثم الثالث. ولهذا ضعف هذا الحديث الألباني رحمه الله تعالى، كما في مختصره (برغم مئة وتسعة عشر). قال أبو عيسى: من أبو عيسى عندك؟ روى غير محمد بن بشار هذا الحديث، قال: يلعق أصابعه الثلاث، يلعق أصابعه الثلاث. إذن هذه الرواية هي الصحيحة. لذا شار الترمذي أن غير ابن بشار رووها بأن النبي صلى الله عليه وسلم يلعق أصابعه الثلاث. ثم قال: حدثنا الحسن بن علي الخلال، ووثقه. قال: حدثنا عفان، وهو ابن مسلم الصفار، وكان عفان يجله الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لأنه ثبت في المحنة، في محنة خلق القرآن، فلم يجب وصبر رحمه الله تعالى. وكان يأخذ الأجر على التحديث، لأنه كان اشتغل بالحديث عن قوت عياله، لهذا استساغ أن يأخذ تلك الأجرة. وكان في بيته، كما قال عن نفسه، ثلاثة عشر نفساً، لهذا ما كان يعولهم إلا من هذا الأمر وهو من الحديث، وهذا جائز. إذا شغل الإنسان بالعلم والتعليم، يعلم غيره وغيره، يكفيه المؤونة، فهذا جائز. قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، وهو البناني، عن أنس رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث. والحديث هذا في صحيح مسلم: لعق أصابعه الثلاث. يقول الحافظ رحمه الله تعالى: وهو أيضاً بعضه في الصحيح. يقول: ويأخذ من حديث، من هذا الحديث، رد على من كره لعق الأصابع استقذاراً. يعني بعض الناس يقول: إيش هذا يلعق أصابعه الثلاث؟ استقذر ذلك. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشرف الخلق، لعق أصابعه. قال: نعم، يحصل ذلك لو فعله في أثناء الأكل، لأنه يعيد أصابعه في الطعام، وعليها أثر ريقه. يعني لو فعل ذلك أثناء الطعام، عنده ناس تستقذر. بعض الناس لكن لو فعله آخر الطعام، فهذا هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أكل طعاماً، وإذا فارغ من طعامه لعق أصابعه الثلاث. لكن لا يلعقها أثناء الأكل، يأكل ثم يلعق، يعني يرجع مرة أخرى، فإنه ربما تستقذر من فعله من يأكل معه. قال الخطابي رحمه الله: عاب قوم، أفسد الله عقولهم الترفه، فزعموا أن لعق الأصابع مستقبح، كأنهم لم يعلموا أن الطعام الذي علق بالأصابع والصحفة جزء من أجزاء ما أكلوه. الطعام هذا جزء من أجزاء ما أكلوه. يعني هؤلاء الذين عابوا، حتى بعد الطعام، هؤلاء العقلانيون. فالطعام الذي أكلته هو جزء، هذا الذي يكون بالأصابع جزء مما أكلته، فكيف تستقذره؟ قال: وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذراً، لم يكن الجزء اليسير منه مستقذراً. وليس بذلك أكبر من مصه أصابعه بباطن شفتيه، ولا يشك عاقل في أنه لا بأس بذلك. يعني عندما يلعق أصابعه بباطن الشفة، فقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصبعه فيه، فيدلك أسنانه وباطن فمه، ثم لم يقل أحد ذلك قذاراً أو سوء أدب. انتهى كلام الخطابي. يعني أشد من ذلك، عندما يدخل الإنسان أصبعه في فمه حال المضمضة، عندما يتمضمض، فإنه يدلك أسنانه ونحو ذلك، مع ذلك لم يقل أحد من الناس أن هذا قذارة، أو أن هذا سوء أدب، أو نحو ذلك. فهذا الفعل لا يجوز أن ينكره أحد، لأنه فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما الحديث الآخر الذي ذكر، الذي قبله، وهو حديث كعب بن مالك، يقول عنه الحافظ رحمه الله تعالى: ويأخذ منه أن السنة الأكل بثلاث أصابع، وإن كان الأكل بأكثر منها جائزاً. يعني الأكل بأربعة أصابع أو بخمسة أصابع جائز. السنة أن يأكل بثلاث أصابع. قال عياض: والأكل بأكثر منها من سوء الأدب، يعني عندما يريد أن يستزيد، وسوء الأدب، وتكبير اللقمة، ولأنه غير مضطر إلى ذلك، لجمعه اللقمة وإمساكها من جهاتها الثلاث، يعني ما يترك لها مهرباً تهرب منه، يمسك اللقمة من جميع الجهات. قال: فإن اضطر لذلك لخفة الطعام وعدم تلفيفه بالثلاث، فيدعمه بالرابعة أو الخامسة. لو كان الطعام يهرب، يعني خفيف، يقول: لا، لكنك تمسكه بالرابعة، تدفعه بالخامسة، تحاول معه. لكن لو كان الطعام متماسكاً، الطعام متماسك، هذا تأكله بالثلاث. وقال النووي رحمه الله تعالى في هذا الحديث، بعدما ذكر مسلم جمعاً من الحديث: قال: في هذا الحديث أنواع من سنن الأكل، منها استحباب لعق اليد، محافظة على بركة الطعام، وتنظيفاً لها. لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار في حديث جابر بأن الطعام لا يدرى أين فيه البركة، ربما تكون البركة في الأصابع، هذه آخر الطعام في الصحفة، آخرها كذلك. قال: واستحباب الأكل بثلاث أصابع، ولا يضم إليها الرابعة والخامسة إلا لعذر، بأن يكون مرقاً وغيره مما لا يمكن بثلاث، وغير ذلك من الأعذار. فإذا تعذر أخذ الطعام بالثلاث، يأخذوا بالأربع أو بالخمس. وإذا لم يتعذر، فالثلاث أولى، وهي السنة، وفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، لعله جاء الوقت. إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. سبحانك اللهم وبحمدك، سبحانك اللهم وبحمدك.