كلمة الشيخ الفاضل عبدالله بن عبدالرحيم البخاري - هاتفياً -

الدرس في كلمة الشيخ الفاضل عبدالله بن عبدالرحيم البخاري - هاتفياً -، الأربعاء 6 شوال 1431هـ بمسجد الحبش بالديس الشرقية . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

وجوب لزوم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات الفتن

يؤكد المحاضر على ضرورة التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بوصفها النور المبين والهادي إلى الصراط المستقيم، لا سيما في أزمنة الفتن وقلة العلم، داعياً إلى اتباع هديه في الاعتقادات والمعاملات والسلوك استدلالاً بوصفة في التوراة.

اتباع هدي النبي وسنة الخلفاء الراشدين وطريق الصحابة سبيل النجاة

يبين أن الفلاح والنجاة من الفتن يكمن في لزوم هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ومنهج الصحابة رضوان الله عليهم، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث صحيحة وآثار السلف كابن قدامة وابن القيم، محذراً من مخالفة سبيلهم ومحدثات الأمور.

خطر الابتداع وضرورة التمسك بالمنهج السلفي بعلم وعدل

يشدد على أن التمسك بالسنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين هو السبيل الوحيد للنجاة من الاختلاف المذموم والفتن، مستعرضاً حديث العرباض بن سارية وأقوال الأئمة، مبيناً أن الابتداع سبب لتكالب أهل الباطل على ثوابت أهل السنة، وأن الأمن من الزلل لا يتحقق إلا بلزوم الهدي النبوي والسلفي.

الدعاء الختامي بالإخلاص وحسن الاتباع وكشف الغمة

يختتم المحاضر بالدعاء لله أن ينفع بالكلام، ويكشف الغمة عن الأمة، ويرزق الإخلاص في القول والعمل وحسن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده تعالى ونستغفره ونعوذ بالله من سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيباً. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. بعداً أيها الأحبة، أحمد الله جل وعلا، وإن كان هذا اللقاء أو هذه الكلمة في وقت متأخر جداً، وعلى كل حال فالتعاون على البر والتقوى أمر مطلوب شرعاً، أقول: أمر مطلوب شرعاً، التعاون بين أهل الحق على البر والتقوى. وإن كانت من كلمة، أيها الأحبة، فإني أذكر، والذكرى تنفع المؤمنين، بوجوب لزوم حقي ومنهج المعصوم في مثل هذه الأوقات، أعني أوقات الفتن، التي من علامات وجودها وكثرتها قلة العلم، أعني بذلك العلم السني المبني على الوحيين بفهم السلف رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. مع العلم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أبان المحجة وأظهرها، ولم يمت صلى الله عليه وآله وسلم إلا وقد أتم البيان وأكمل الرسالة، ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده صلى الله عليه وآله وسلم. قال الله جل وعلا: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾. قال الإمام ابن جرير رحمه الله في تفسيره عند هذه الآية، بقوله تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾، قال: يعني بالنور محمداً صلى الله عليه وآله وسلم الذي أنار الله به الحق وأظهر به الإسلام ومحا به الشرك، فهو نور لمن استنار به صلى الله عليه وسلم، يبين به الحق. فلزوم الحق ولزوم هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه استنارة بمن لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. فمن أراد النور الذي جاء به عليه الصلاة والسلام فليلزم طريقته وسنته في جميع أحواله وشؤونه، في باب الاعتقادات، وفي باب المعاملات، وفي باب السلوك إلى جميع شؤون حياته، صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها. فقال الإمام البخاري في الصحيح: حدثنا عبدان بن سعيد، قال: أخبرنا عبد الله بن عمر، قال: قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، لأن عبد الله بن عمر كان عنده علم من الكتاب، من التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَحِرْزاً لِلْأُمِّيِّينَ أَنتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَن يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُناً عُمْياً وَآذَاناً صُمّاً وَقُلُوباً غُلْفاً ﴾، وكان كذلك. انتهى الحديث. أقول: وكان كذلك عليه الصلاة والسلام، فما مات حتى فتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً. فمن رام الفلاح أيها الأحبة فليلزم هديه عليه الصلاة والسلام، وهدي أصحابه رضوان الله عليهم في الشؤون كلها، كما قلت، كما قال الله جل وعلا: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾. وجاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته». وجاء عند مسلم في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي الناس خير؟ قال: «القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني، ثم الثالث». فهذه الخيرية الواردة في هذه الآية العظيمة، والتي جاءت بها النصوص أيضاً، وهي كثيرة جداً، سواء في القرآن أو السنة، كلها تدل على خيرية الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم سلفنا الصالح، متقدمون في العلم والفضل والإيمان، لا شك في ذلك ولا ريب. فمن خرج عن طريقتهم وصار على غير سننهم هلك وضل، وما ضر إلا نفسه. وبخاصة في أوقات الفتن يتعين ويتأكد أن يلزم الإنسان هذا الهدي ولا يحيد، إذا كان يرجو النجاة. ولهذا قال الحافظ ابن قدامة رحمه الله، الإمام ابن قدامة في كتابه «ذم التأويل»: «لأنه عليه الصلاة والسلام على صراط المستقيم، فسالك سبيله سالك صراط الله المستقيم لا محالة، فيجب علينا اتباعه والوقوف حيث وقف، والسكوت عما سكت عنه». والله جل وعلا قد وعد من لزم هديه عليه الصلاة والسلام وسنته أن يهتدي، كما قال الله جل وعلا: ﴿ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾، وتوعد من خالف سبيله وهديه عليه الصلاة والسلام بالوعيد الشديد، في قوله جل وعز: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾. قال الحافظ ابن قدامة رحمه الله في «ذم التأويل»: «فمن أحب أن يكون مع السلف في الآخرة، وأن يكون موعوداً بما وعدوا به من الجنات والرضوان، فليتبعهم بإحسان. ومن اتبع غير سبيلهم دخل في عموم قوله تعالى: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴾». انتهى كلامه رحمه الله. أقول: ويقول جل وعلا: ﴿ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾. وابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين» وجه الاستدلال بهذه الآية: أنه تعالى أخبر عن المعتصمين به بأنهم قد هدوا إلى الحق. فنقول: الصحابة رضوان الله عليهم معتصمون بالله، فهم مهتدون، فاتباعهم واجب، فاتباعهم واجب. ولا يخفى عليكم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن، كأبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وهو حديث صحيح، حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه، وفيه قوله عليه الصلاة والسلام: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». قال ابن القيم رحمه الله في «الإعلام»: «فقرن سنة خلفائه بسنته عليه وسلم، وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته، وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعض عليها بالنواجذ، وهذا يتناول ما أفتوا به وسنوه للأمة». قال الحافظ ابن قدامة رحمه الله في «ذم التأويل» أيضاً عقب هذا الحديث: «فأمر بالتمسك بسنة خلفائه كما أمر بالتمسك بسنته، وأخبر أن المحدثات بدع وضلالة، وأنها لم يتبع فيها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سنة أصحابه». انتهى كلامه رحمه الله. فمن لزم هذا الأمر أيها الأحبة، وبخاصة في أوقات الفتن، أمن إن شاء الله من الزلل، أمن إن شاء الله، تحقيقاً، هذا اللفظ بالاستثناء، تحقيقاً. من لزم هذا الهدي بعلم وعدل، أخبر صلى الله عليه وسلم، أمن من الوقوع في الفتن. وحديث العرباض خير دليل: «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً»، كيف النجاة يا رسول الله؟ ما هو النجاة؟ كيف الخلاص؟ قال: «فعليكم بسنتي». تريدون الخلاص والنجاة. ولهذا من ثمرات هذا التمسك بسنته عليه الصلاة والسلام الأمن من الزلل والوقوع في الفتن. فمن حصل ذلك ولزمه كما قلت بعلم وعدل فهو محصل للهداية والسلامة من الزيغ والضلال. قد جاء في الصحيح عند مسلم وغيره قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله». ومعلوم أيها الإخوة أن مما جاء في كتاب الله جل وعلا الأمر باتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمر باقتفاء هدي سلف الأمة الصالح، كما مر معنا التنبيه والتنويه إلى بعض من ذلك. وفي هذا اللزوم، لزوم الهدي السني الصحيح، نعم، كما قلت، أمن من الوقوع في الاختلاف، في الفرقة المذمومة والاختلاف المذموم. فالنصوص من الوحيين كلها تصب في مصب واحد، وتدل دلالة واضحة على وجوب الاجتماع والائتلاف، ولكن هذا الاجتماع مشروط بأن يكون على الحق وبالحق. قال الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾، والآيات كثيرة. تقول الآيات كثيرة. ولهذا حديث العرباض الذي مر حديث عظيم وأصل، كما قال بعض أهل العلم. هذا الحديث دل على أمرين عظيمين: أولهما وجوب الاتباع، والثاني النهي عن الابتداع. ولذا قال الحافظ البغوي رحمه الله في «شرح السنة» معلقاً على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً»: «إشارة إلى ظهور البدع والأهواء، والله أعلم». فأمر بلزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين والتمسك بها بأبلغ وجوه الجد، ومجانبة ما أحدث على خلافها، ومجانبة ما أحدث على خلافها. فيا إخواني، كم هي الصوارف، وكم هي الشواغل، وكم هي المنغصات، وكم هي المثبطات عن لزوم هذا الهدي، خاصة في مثل هذه الأوقات، أوقات الفتن. فقد تكالب أهل الشرك والضمار والانحراف والهلاك على الضرب والنيل من ثوابت أهل الحق وأهل السنة، ولتكالبهم أسباب، أعظم تلك الأسباب البعد، بعد كثيرين عن التمسك بصدق وعدل وعلم بالمنهج المعصوم الذي ثبت وجاء ونقل إلينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وسلف الأمة الصالح، رضا الله عليهم. فلما رأوا هذا الضعف وهذا الخور في كثيرين تكالبوا وأجلبوا على أهل الحق بخيلهم ورجلهم، فبدأوا يأتون بالشبه من هنا وهناك، ويشككون في الثوابت والأصول، في ضعف من حملة الحق وأهل الحق في صد هذا العدوان. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن ينفع بما قلنا، وأن يدفع، وأن يكشف هذه الغمة عما نزل بالأمة، وأن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وحسن الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إنه جواد كريم. وصلى الله على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.