قبس من السيرة النبوية  3

قبس من السيرة النبوية 3

الدرس في قبس من السيرة النبوية 3، نسب النبي صلى الله عليه وسلم . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نسب الرسول صلى الله عليه وسلم وأهميته

يتناول هذا الفصل أهمية دراسة نسب الرسول صلى الله عليه وسلم وذكر نسبه الشريف. يبرز شرف هذا النسب واصطفاء الله تعالى له من خيرة البيوت والقبائل.

أقسام النسب النبوي ودرجة ثبوت أجزائه

يقسم هذا الفصل النسب النبوي إلى ثلاثة أقسام ويتناول درجة ثبوت كل قسم. يشير إلى أن القسم الأول من نسبه إلى عدنان ثابت، بينما القسمين الآخرين محل خلاف بين العلماء.

صحة الأنساب بعد عدنان وتأكيد العلماء على الإمساك عنها

يتناول هذا الفصل صحة الأنساب بعد عدنان ويشير إلى ميل العلماء للإمساك عما وراء عدنان لعدم وجود ما يؤيد صحته. يبين أن النسب بعد إسماعيل عليه السلام غير مثبت.

خاتمة الدرس والتأكيد على نفع العلم

يختتم هذا الفصل الدرس ويشير إلى وجود مسائل متعلقة بنسب النبي صلى الله عليه وسلم سيتم تناولها لاحقا. يطلب المتحدث من الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَيَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ، فِي دُرُوسٍ مَاضِيَةٍ كَانَ الْكَلَامُ كَمُقَدِّمَةٍ حَوْلَ أَهَمِيَّةِ دِرَاسَةِ السِّيرَةِ، وَدَخَلْنَا وَوَلَجْنَا فِي الْمَوْضُوعِ، فَقَدْ دَرَجَ الْمُؤَلِّفُونَ وَالْمُؤَرِّخُونَ مِمَّنْ كَتَبَ فِي السِّيرَةِ وَالتَّارِيخِ أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِذِكْرِ أَحْوَالِ الْعَرَبِ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الْبِعْثَةِ، وَكَيْفَ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَذَا الْأَمْرُ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي فَهْمِ السِّيرَةِ بَلْ وَالِاسْتِيعَابِ لِلسِّيرَةِ، لَكِنَّ هَذَا الْبَابَ -إخْوَانِي فِي اللَّهِ- سَيَطُولُ ذِكْرُهُ وَيَسْتَصْعِبُ اسْتِقْصَاؤُهُ، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ الْيَسِيرَةِ، لِذَا فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْبَابِ يُتْرَكُ إلَّا إذَا يَسَّرَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بِمَقَامٍ آخَرَ بِذِكْرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، وَسَنَدْخُلُ فِي السِّيرَةِ مُبَاشَرَةً. وَأَوَّلُ مَا نَذْكُرُهُ وَمَا سَنَبْدَأُ بِهِ -بِإِذْنِ اللَّهِ- الْكَلَامُ وَالنَّظَرُ حَوْلَ نَسَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ ذِكْرُ نَسَبِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. قَالَ إمَامُ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَحِيحِهِ: "كِتَابُ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، كِتَابُ مَنَاقِبِ الْأَنْصَارِ، بَابُ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلَيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ". وَهَذَا النَّسَبُ بِطُولِهِ أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَحِيحِهِ فِي ذِكْرِ نَسَبِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهْنَا مَسَائِلُ سَرِيعَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذَا النَّسَبِ الشَّرِيفِ. أَوَّلًا: أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ نَسَبَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ أَشْرَفِ الْأَنْسَابِ، اصْطَفَاهُ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا مِنْ خِيَرَةِ الْبُيُوتِ وَمِنْ أَشْرَفِ الْقَبَائِلِ وَمِنْ أَكْرَمِ بُطُونِ الْعَرَبِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَمَنْ تَأَمَّلَ أَوْ دَرَسَ أَوْ قَرَأَ فِي تَرَاجِمِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ الَّذِي يَنْحَدِرُ مِنْهُمْ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَعَلِمَ شَرَفَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ أَقْوَامِهِمْ وَفِي أَزْمَانِهِمْ، فَهُوَ خِيَارٌ ابْنُ خِيَارٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَقَدْ جَاءَتْ الْأَدِلَّةُ الْكَثِيرَةُ تَدُلُّ عَلَى شَرَفِ نَسَبِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَمِنْ ذَلِكُمْ مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ إسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ". وَاسْتَخْرَجَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ خِيَرَةِ الْأَنْسَابِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ. وَقَدْ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ مُرْسَلَةٍ وَكَذَلِكَ مَوْصُولَةٍ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ عَنْ نَفْسِهِ: "خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إلَى أَنْ وَلَدَنِي أَبِي وَأُمِّي، وَلَمْ يُصِبْنِي مِنْ سِفَاحِ الْجَاهِلِيَّةِ شَيْءٌ". وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْإِرْوَاءِ وَفِي صَحِيحِ الْجَامِعِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى شَرَفِهِ وَعَلَى تَكْرِمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيْنَ الْعَشَائِرِ وَبَيْنَ الْقَبَائِلِ وَبَيْنَ النَّاسِ جَمِيعًا. وَكَذَلِكَ ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وَجَاءَ كَذَلِكَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ". فَهَذِهِ مَفْخَرَةٌ وَمَنْقَبَةٌ فِي نَسَبِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِنَبِيِّنَا، بَلْ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا أَنَّهُ إذَا بَعَثَ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا مِنْ الرُّسُلِ فَإِنَّهُ يُرْسِلُهُ وَيَبْعَثُهُ مِنْ شَرَفِ قَوْمِهِ. وَلِهَذَا فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ الطَّوِيلَةِ عِنْدَمَا جَلَسَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَخَذَ يَسْأَلُ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ يُجِيبُ، فَكَانَ مِنْ أَسْئِلَةِ هِرَقْلَ لِأَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ قَالَ عَنْ نَبِيِّنَا: "كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟" فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ مُجِيبًا وَهُوَ صَادِقٌ فِي إجَابَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ: "هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، لَا أَحَدَ -لَا صَدِيقٌ وَلَا عَدُوٌّ- يَسْتَطِيعُ أَنْ يَغْمِزَ أَوْ يُلَمِّزَ فِي نَسَبِهِ وَفِي شَرَفِ مَكَانَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ". فَقَامَ هِرَقْلُ وَعَلَّقَ عَلَى هَذِهِ الْإِجَابَةِ بِقَوْلِهِ: "فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا". وَهَكَذَا الرُّسُلُ، مَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا يُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهِ. فَمِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ وَمِنْ تَقْدِيرِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ أَنْ جَعَلَ الْأَنْبِيَاءَ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا وَفِي أَشْرَافِ أَقْوَامِهَا. وَهْنَا مَسْأَلَةٌ ثَانِيَةٌ كَذَلِكَ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَسَبِهِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ الْعَامُّ إلَى مَا هُوَ مُتَوَاجِدٌ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ وَالسِّيرِ، مَا يَتَعَلَّقُ بِنَسَبِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْهُ إلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُقْسَمُ إلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ. أَيْ مَا يَتَعَلَّقُ بِنَسَبِهِ مِنْهُ إلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَسَمَ الْعُلَمَاءُ هَذَا النَّسَبَ الطَّوِيلَ إلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ، وَلِكُلِّ جُزْءٍ وَلِكُلِّ قِسْمٍ حُكْمٌ. فَالْجُزْءُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا كَانَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى عَدْنَانَ، وَهَذَا الَّذِي قَدْ مَضَى بِذِكْرِهِ، وَالَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: "مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَى عَدْنَانَ"، هَذَا يُجْعَلُ فِي جُزْءٍ عَلَى حِدَةٍ وَقِسْمٍ مُنْفَرِدٍ. مَا حُكْمُ هَذَا الْقِسْمِ؟ وَمَا صِحَّةُ هَذَا النَّسَبِ؟ هَذَا الْجُزْءُ مِنْ النَّسَبِ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا النَّسَبِ وَعَلَى ثُبُوتِهِ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الزَّادِ بَعْدَمَا أَوْرَدَ هَذَا الْقِسْمَ مِنْ النَّسَبِ قَالَ: "إلَى هُنَا مَعْلُومُ الصِّحَّةِ، إلَى هُنَا مَعْلُومُ الصِّحَّةِ وَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ النُّسَابَةِ وَلَا خِلَافَ الْبَتَّةَ". أَيْ هَذَا الْمَقْطَعُ لَا فِيهِ مَغْمَزٌ وَلَا فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ التَّارِيخِ فِي صِحَّةِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ إلَى عَدْنَانَ. وَيَقُولُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي كِتَابِهِ "جَوَامِعُ السِّيَرِ" قَالَ: "وَهَا هُنَا انْتَهَى النَّسَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ". فَهَذَا الْمَقْطَعُ إلَى عَدْنَانَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ هَذَا مِمَّا قَامَ عَلَى الْإِجْمَاعِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَّةِ، لَا خِلَافَ وَلَا نِزَاعَ فِي ثُبُوتِهِ وَفِي صِحَّةِ سِلْسِلَتِهِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَالْجُزْءُ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي يَقْدُرُ مَا بَيْنَ مَا فَوْقَ عَدْنَانَ إلَى إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَا بَيْنَ عَدْنَانَ يَنْتَهِي إلَى إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا قِسْمٌ آخَرُ. وَهَذَا الْقِسْمُ مِنْ النَّسَبِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ مِمَّنْ كَتَبَ فِي التَّوَارِيخِ وَالْأَنْسَابِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ. وَاسْتَرْحَ الْعُلَمَاءُ بِالِاخْتِلَافِ الْمَوْجُودِ فِي هَذَا الْجُزْءِ. يَقُولُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَالَ: "لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَ عَدْنَانَ وَإِسْمَاعِيلَ مِنْ الْآبَاءِ". وَيَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا فَوْقَ عَدْنَانَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ". أَيْ هُنَا دَبَّ الْخِلَافُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُمْكِنُ حَصْرِ وَيُمْكِنُ سَرْدُهُ. وَقَدْ أَوْرَدَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ مِنْ كُتُبِ التَّوَارِيخِ حَيْثُ قَامَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِذِكْرِ النَّسَبِ النَّبَوِيِّ مِنْ نَبِيِّنَا إلَى عَدْنَانَ، ثُمَّ وَاصَلُوا مِنْ عَدْنَانَ إلَى إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. بَعْضُهُمْ قَدْ أَوْرَدَ هَذِهِ السِّلْسِلَةَ وَهَذِهِ الْأَنْسَابَ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا، اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَالَّذِينَ دَخَلُوا فِي هَذَا الْبَابِ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الْأَسْمَاءِ وَفِي تَحْدِيدِ السِّلْسِلَةِ، حَتَى أَنَّهُمْ وَصَلُوا إلَى ثَلَاثِينَ قَوْلًا، كُلٌّ يَقُولُ: "هَذَا الطَّرِيقُ"، يَقُولُ: "لَا، هَذَا الطَّرِيقُ الْآخَرُ"، كُلٌّ يَأْتِي بِأَجْدَادٍ وَيَأْتِي بِأَسْمَاءٍ. وَهَذَا يُدَلُّك عَلَى صُعُوبَةِ حَصْرِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ الزَّمَنِيَّةِ، حَصْرِ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ الزَّمَنِيَّةِ. وَلَمَّا وُجِدَ هَذَا الْخِلَافُ وَصُعُوبَةُ الْحَصْرِ لِهَذِهِ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ، ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى الْمَنْعِ مِنْ الْخَوْضِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَنَّ النَّسَبَ النَّبَوِيَّ نَقِفُ عِنْدَهُ إلَى عَدْنَانَ فَقَطْ. هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مُصَرِّحًا فِي الْكُتُبِ وَالتَّوَارِيخِ مِمَّا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ. وَمَا فَوْقَ عَدْنَانَ لَا نَخُوضُ فِيهِ وَلَا نَذْكُرُهُ وَلَا نَسْرِدُهُ. وَلِهَذَا يَقُولُ ابْنُ سَعْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الطَّبَقَاتِ: "الْأَمْرُ عِنْدَنَا الْإِمْسَاكُ عَمَّا وَرَاءَ عَدْنَانَ إلَى إسْمَاعِيلَ". يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "الْأَمْرُ عِنْدَنَا -أَيْ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نَلْتَزِمَ بِهِ- الْأَمْرُ عِنْدَنَا الْإِمْسَاكُ عَمَّا وَرَاءَ عَدْنَانَ إلَى إسْمَاعِيلَ"، أَيْ مَا وَرَاءَ عَدْنَانَ نَقِفُ، لَا نَخُوضُ فِيهِ وَلَا نَنْشَغِلُ بِهِ وَلَا نَسْرِدُهُ لِعَدَمِ وُجُودِ مَا يُؤَيِّدُ صِحَّةَ مَا نَذْهَبُ إلَيْهِ. وَهَكَذَا يَقُولُ الْبَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ" قَالَ: "وَلَا يَصِحُّ حِفْظُ النَّسَبِ فَوْقَ عَدْنَانَ، لَا يَصِحُّ حِفْظُ النَّسَبِ فَوْقَ عَدْنَانَ". فَأَمَّا فِي شَيْءٍ ثَابِتٍ وَارِدٍ عَنْ النَّسَبِ النَّبَوِيِّ إلَى مَا بَعْدَ عَدْنَانَ إلَى إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَهْنَا فَائِدَةٌ، وَقَدْ تَنَاقَلَ النَّاسُ وَكَذَلِكَ بَعْضٌ مِمَّنْ تَكَلَّمَ فِي التَّوَارِيخِ حَدِيثًا يَرْفَعُهُ إلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهُوَ الَّذِي نُسِبَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا انْتَهَى إلَى عَدْنَانَ أَمْسَكَ"، أَيْ يَتَكَلَّمُ عَنْ نَسَبِهِ: "ابْنُ كَذَا وَابْنُ كَذَا"، إذَا انْتَهَى إلَى عَدْنَانَ أَمْسَكَ أَيْ تَوَقَّفَ وَمَا اسْتَكْمَلَ النَّسَبَ، قَالَ: "أَمْسَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: كَذَبَ النُّسَابَةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾". هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ، بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ. وَقَدْ ذَكَرَهُ شَيْخُ الْأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي "السِّلْسِلَةِ الضَّعِيفَةِ"، فِي "السِّلْسِلَةِ الضَّعِيفَةِ". فَلَا يَصِحُّ هَذَا النَّسَبُ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُؤَيِّدَ وَالْمُخَالِفَ فِي هَذَا الْمَثَلِ، الْكُلُّ مُجْمِعٌ عَلَى أَنَّ عَدْنَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إسْمَاعِيلَ، هَذَا لَا خِلَافَ بِالْجُمْلَةِ. الْمُؤَيِّدُ لِصِلَةِ النَّسَبِ إلَى إسْمَاعِيلَ، وَمِمَّنْ خَالَفَ وَيَرَى ذِكْرَ النَّسَبِ، الْكُلُّ مُتَّفِقٌ عَلَى أَنَّ عَدْنَانَ يَرْجِعُ فِيمَا بَعْدُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَنْ؟ إلَى سِلَالَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. يَقُولُ إمَامُ الذَّهَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي "السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ": "وَعَدْنَانُ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ". وَيَقُولُ: "وَعَدْنَانُ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ". فَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَعَدْنَانُ هُوَ يَنْتَهِي مِنْ سِلَالَةِ إسْمَاعِيلَ، مِنْ سِلَالَةِ إسْمَاعِيلَ. لَكِنْ كَيْفَ الْوُصُولُ إلَى إسْمَاعِيلَ؟ هَذَا مَا عِنْدَنَا عَنْهُ عِلْمٌ، لَيْسَ عِنْدَنَا عَنْهُ عِلْمٌ أَوْ كَيْفِيَّةٌ أَوْ شَيْءٌ يُثْبِتُ أَوْ يُذْكَرُ فِي هَذَا الْبَابِ. وَكَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: فَالسَّلَامُ الْإِمْسَاكُ، نُمْسِكُ، نَقِفُ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ إلَى عَدْنَانَ. فَهَذَا مِمَّا ثَبَتَ عَنْ نَبِيِّنَا. وَالْجُزْءُ الثَالِثُ وَالْأَخِيرُ، وَهُوَ نَسَبُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى آدَمَ، مِنْ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى آدَمَ. هَذِهِ السِّلْسِلَةُ الثَالِثَةُ. وَهَذِهِ السِّلْسِلَةُ -كَمَا تَرَوْنَ- بَعِيدَةٌ وَبَعِيدَةٌ جِدًّا. صَحِيحٌ قَامَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ، حَاوَلَ أَنْ يَأْتِيَ بِتَرْكِيبٍ مُرَكَّبٍ وَذَكَرَ السِّلْسِلَةَ بَيْنَ إبْرَاهِيمَ إلَى آدَمَ، حَاوَلَ هَؤُلَاءِ. وَلَكِنْ مَنْ رَجَعَ إلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ -كَمَا فَعَلَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَالْخَلَالَنِيُّ وَجَمَاعَةٌ- يَرَى أَنَّ هَؤُلَاءِ اعْتَمَدُوا وَصَرَّحُوا بِهَذَا أَنَّهُمْ اعْتَمَدُوا عَلَى مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْكُتُبِ. وَاعْتَمَدُوا عَلَى مَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْكُتُبِ، وَهَذَا لَا يُثْبِتُ، وَهَذَا لَا يُثْبِتُ. وَلِهَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةُ الْمُنْعِ، بَلْ نُقِلَ عَنْ إمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُرْفَعَ النَّسَبُ إلَى آدَمَ، يَكْرَهُ ذَلِكَ. فَلَمَّا يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ: "مَاذَا؟ وَمَنْ الَّذِي أَخْبَرَكَ؟ مَنْ أَخْبَرَكَ؟ تَقُولُ: فُلَانٌ، فُلَانٌ إلَى أَبِي إلَى آدَمَ، فَمَنْ أَخْبَرَكَ؟ هَذِهِ السِّلْسِلَةُ عَمِيقَةٌ جِدًّا، سَحِيقَةٌ، لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ أَلِفَ وَلَا مَنْ دُونَ، وَلَيْسَ هُنَاكَ كُتُبٌ بَلَغَتْ، كَيْفَ أُعْطِيَ؟ جِدًّا". فَكَانَ الْعُلَمَاءُ يَكْرَهُونَ الْوُصُولَ إلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَشَاهَدٌ -إخْوَانِي فِي اللَّهِ- أَنَّ نَعُفَّ السِّلْسِلَةَ بِشَكْلٍ عَامٍّ مِنْ بَابِ التَّبْسِيطِ، لِذَا تَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ. قِسْمٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى عَدْنَانَ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ. وَقِسْمٌ مِنْ بَعْدِ عَدْنَانَ إلَى إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، هَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَصَحِيحٌ عَدَمُ ثُبُوتِهِ. وَقِسْمٌ آخَرُ مَا بَيْنَ إبْرَاهِيمَ إلَى آدَمَ، فَهَذَا كَذَلِكَ لَا يُثْبِتُ، بَلْ كَمَا قُلْنَا: كُرِهَ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ كَرِهَ فِي ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَهُنَاكَ مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَسَبِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، يُتْرَكُ -إنْ شَاءَ اللَّهُ- فِي دَرْمٍ قَادِمٍ. فَأَسْأَلُ مَوْلَايَ جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.