الدرس في بعثة النبي ومناصرته، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 7 ربيع أول 1429هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض الخطيب نعمة الإسلام والهداية للتوحيد كأعظم نعم الله، مقارناً بين ظلمات الجاهلية من عبادة الأوثان ووأد البنات ونور الإسلام الذي أخرج الناس إلى الهدى. ويؤكد فضل الله بإرسال النبي محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين لهداية البشرية.
يصف المقطع حال العرب قبل الإسلام من الضعف والفرقة، ثم وحدة القلوب بنعمة الإسلام، مستعرضاً نماذج من أذى المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم كمحاولة أبي جهل وطأ رقبته ووضع السلاء على ظهره. ويذكر دعاء النبي عليهم واستجابة الله له بنصره يوم بدر.
يبين الخطيب أن الابتلاء سنة الأنبياء والصالحين لرفع الدرجات وتكفير السيئات، مؤكداً أن نصرة الدين تكون بالتمسك بالكتاب والسنة واقتفاء أثر السلف الصالح. ويحذر من البدع والموالد والتمثيليات المخالفة للهدي النبوي، ومن التنازع الموجب للفشل وذهاب الريح.
يختتم الخطيب بدعاء جامع يسأل الله فيه حفظ الدين والدنيا والآخرة، وأن يجعل الحياة زيادة في الخير والموت راحة من كل شر. ويختم الخطبة بالحمد لله رب العالمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله عز وجل قد امتن على خلقه وعلى عباده بنعمه الكثيرة وآلائه العظيمة التي لا تُعَد ولا تُحْصَى، فقال ربنا عز وجل: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾، وقال عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾. هكذا ربنا عز وجل يمتن على خلقه وعلى عباده بهذه النعم وبهذا الفضل العظيم الذي يستوجب علينا، عباد الله، أن نقابله بالحمد والثناء والشكر الجزيل لله عز وجل الذي هو المتفضل على خلقه والمنعم على عبيده. أيضًا إخواني في الله، ينبغي علينا أن نحافظ على هذه النعم وأن نرعاها كل الرعاية، وأن لا نفرط فيها بأي أنواع من أنواع التفريط، فنستعملها في طاعة الله عز وجل وفيما يقربنا من الله عز وجل، ونثبت على ذلك حتى نلقاه جل في علاه. ثم كذلك أيضًا إخواني في الله، نعم الله عز وجل على خلقه وعلى عبيده تتفاوت وتتفاضل، فمن أعظمها إخواني في الله، من أعظم هذه النعم التي من بها ربنا عز وجل علينا معاشر أهل الإسلام: نعمة الإسلام، نعمة الهداية إلى التوحيد والإيمان. فهذه يا عبد الله نعمة تعتبر من أجل ما أنعم الله بها عليك يا عبد الله، أنه سبحانه شرح صدرك للإسلام وهداك إلى التوحيد والإيمان، أرسل إليك رسولًا من أشرف الرسل، أرسله بلسان عربي مبين. فهذا يا عباد الله من إكرام الله عز وجل لهذه الأمة التي وصفت بأنها أمة مرحومة. ولهذا إخواني في الله، الله عز وجل في شتى آيات كتابه يمتن علينا بأنه أرسل إلينا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه أرسله بلغتنا، أرسله بلساننا ومن أنفسنا، نعرف نسبه ونعرف أصله. قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِيتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وقال عز وجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. إذا أردت يا عبد الله أن تعرف قدر هذه النعمة وعظمة هذه المنة التي تفضل بها ربك عز وجل عليك، فانظر إلى حالة الناس التي كان يعيشونها قبل أن يأتيهم النبي عليه الصلاة والسلام، وقبل أن يمن الله عليهم بالإسلام. تجد أخي في الله أن الناس كانوا يعيشون حياة مظلمة، وحياة انتشر فيها كثير من الشرور من العادات السيئة والأخلاق الرذيلة. كان الناس في ذلكم الزمان يعبدون الحجر والشجر والصنم والوثن والقبر، يعبدون غير الله عز وجل. ومن فطنة عقول أولئك الناس أن الواحد منهم لربما صنع له صنمًا من تمر يعبده، فإذا جاع أكله. كان الناس إخواني في الله حياتهم حياة مظلمة، انتشر فيها شرب الخمور ولعب القمار ووأد البنات. كان الواحد يا عباد الله إذا بشر بأنه ولدت له أنثى، أي بنت، لربما حزن واسود وجهه وصار كظيمًا، وأصبح بين حالين اثنين: إما أن يبقي هذه البنت وهو عين ذليل يستخفي من الناس ويخاف الفقر والعار، وإما أنه يحفر لها حفرة في الأرض ثم يدفنها وهي حية. وفي هذا يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾، وقال عز وجل: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾. نعم إخواني في الله، كان الناس في ذلكم الزمان يعيشون حياة شبيهة بحياة الوحوش في الغابات: كبيرهم يأكل صغيرهم، وغنيهم يستغل فقيرهم، وقويهم يستبد بضعيفهم. كانت القبيلة التي عندها قوة ومنعة تهجم على القبيلة الضعيفة، فتقتل من تقتل منهم وتسبي من تسبي منهم. وظل الناس يعيشون على هذا الحال وعلى هذه الحياة الصعبة حتى من الله عليهم بالإسلام، ومن عليهم ببعثة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأعزهم الله عز وجل من بعد الذل، وأغناهم من بعد الفقر، وقواهم من بعد الضعف، وألف بين قلوبهم من بعد الفرقة. ولهذا يقول الله عز وجل مذكرًا عباده ومذكرًا خلقه بهذه النعمة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، فقام النبي عليه الصلاة والسلام بما أوجب الله عز وجل عليه من الدعوة إلى هذا الدين، من الدعوة إلى توحيد الله عز وجل وإخلاص العبادة لله سبحانه. قام النبي عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى هذا الدين، إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب. نعم أيها الناس، أوجب الله عز وجل عليه ذلك، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُتِينِي رِسَالَةُ رَبِّي، صَدَقْتُ بِهَا ذَرْعًا، فَقِيلَ لِي: إِمَّا أَنْ تَفْعَلَ وَإِمَّا أَنْ يُخْسَفَ بِكَ، إِمَّا أَنْ تَفْعَلَ وَإِمَّا أَنْ يُخْسَفَ بِكَ، أَوْ يُفْعَلَ بِكَ». نعم أيها الناس، قام النبي عليه الصلاة والسلام بالدعوة إلى الله عز وجل، بالدعوة إلى هذا الدين العظيم. لكن أيها الناس، لا يظن الواحد أن الطريق كان مفروشًا بالورود، أو أنه كان ميسّرًا من الصعاب. بل لاقى النبي عليه الصلاة والسلام الأذية العظيمة والابتلاء الشديد في سبيل نشر هذا الدين، وفي سبيل تبليغ هذه الرسالة. النبي عليه الصلاة والسلام تعرض لأذية شديدة، من ذلكم إخواني في الله أنه كان يطعن فيه، فكانوا يرمونه بالألقاب السيئة: تارة يقال له ساحر، وتارة يقال له شاعر، وتارة يقال له كاهن، وتارة يقال عنه مجنون. فبرأه الله عز وجل مما قالوا، ودافع عنه ربنا عز وجل من فوق سبع سماوات. ولم تقف أذية المشركين بمجرد رميهم بالألقاب والطعن فيه بالأنساب، بل حاول بعضهم أن ينال من النبي عليه الصلاة والسلام. ومن ذلكم إخواني في الله ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن أبا جهل بن هشام خرج يومًا على أصحابه فقال لهم وهم في مجلسهم: «هل يعفر محمد وجهه بالتراب بين أظهركم؟» بمعنى أنه يصلي في البيت. فقالوا: نعم. فقال أبو جهل: «واللات والعزة، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، أو لأعفرن وجهه بالتراب». فأت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجعل يصلي في البيت، فأت أبو جهل، عليه من الله ما يستحق، زعم أنه يطأ على النبي عليه الصلاة والسلام أو يعفر وجهه بالتراب. قال: «فلما دنا منه، فما فجأهم إلا وهو يرجع القهقرى ويتقي بيديه». فقيل له: ما لك؟ قال أبو جهل: «إني لقد رأيت خندقًا وأهوالًا وأجنحة». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو دنا مني لتخطفته الملائكة عضوًا عضوًا». وجاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن أبا جهل بن هشام خرج على أصحابه أيضًا فقال لهم: «من يذهب إلى بيت فلان بن فلان فيأتي بسلاء جزور لهم قد نُحِرَت بالأمس؟» قال: فانبعث لها أشقى القوم، وهو عقبة بن أبي معيط. فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام يصلي عند البيت، فلما سجد وضعها على ظهر النبي عليه الصلاة والسلام وهو ساجد. وسلاء الجزور يا عباد الله: ما يخرج من رحم الناقة عقب الولادة من الأوساخ والأذى والقذر كالمشيمة ونحوها. فوضعها على ظهر النبي عليه الصلاة والسلام. قال ابن مسعود: وأنا واقف أنظر، ولو كان لي قوة لدفعت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فجعلوا يتضاحكون، حتى جعل بعضهم يميل إلى بعض من شدة الضحك. فلما قال: فذهب إنسان فأخبر فاطمة، أخبر فاطمة رضي الله تعالى عنها. قال: فجاءت وهي جويرية، فرفعت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم أقبلت على المشركين فجعلت تسبهم. فلما انصرف النبي عليه الصلاة والسلام انصرف من صلاته، قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط». قال الراوي: وذكر السابع ولم أحفظه. قال: فلما سمعوا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا تكلم تكلم ثلاثًا، فلما سمعوا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام أمسكوا عن الضحك، وخافوا أن تنالهم دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. قال ابن مسعود رضي الله عنه: «فوالذي بعث محمدًا بالحق لقد رأيت هؤلاء الذين سماهم النبي عليه الصلاة والسلام، لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، حتى سُفِعُوا إلى القليب، يعني قليب بدر». أيضًا إخواني في الله، جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي عز الله خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو متوسد بردة له تحت ظل الكعبة، شكونا له ما نلقى من المشركين. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُوضَعُ فِيهَا ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ فَيُمْشَطُ مَا بَيْنَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ قَوْمٌ تَسْتَعْجِلُونَ». والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، من أرسله ربه رحمة للعالمين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، فهذا بعض أنواع الأذى الذي كان يتعرض له نبيكم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه: الابتلاء والامتحان والاختبار. نعم، حتى يتمحص أو يمحص الله عز وجل من شاء من خلقه، وهكذا يرفع درجة من شاء من خلقه، وهكذا يكفر ذنوب من شاء من خلقه. وهذه إخواني في الله من ثمرات الابتلاء، من ثمرات الابتلاء أنه يكون فيه رفعة للدرجات، وتكثيرًا للأجور والحسنات، وتكفيرًا للخطايا والسيئات، إلى غير ذلك من أنواع... إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة التي في الابتلاء والامتحان. وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام كما في حديث سعد بن أبي وقاص وهو في الصحيح المسند لشيخنا الوادعي رحمه الله تعالى: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ اشْتَدَّ عَلَيْهِ فِي الْبَلَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ». فإذا كان الأمر كذلك يا عباد الله، وأن هذا الخير الذي نعيشه اليوم لم يصل إلينا بالنوم والكسل، ولا باللعب واللهو، وإنما بُذِلَت فيه أنفس وأرواح: كم سُفِكَت فيه من الدماء، وكم أُزْهِقَت فيه من الأرواح، وكم أُنْفِقَت فيه من الأموال. نعم إخواني في الله، فكان حقًا علينا يا عباد الله أن نحافظ على هذا الخير، وأن نرعى هذا الخير، وأن نستغل هذا الخير أيما استغلال وأيما محافظة. نعم أيها الناس، نسعى في العمل بهذا الدين، وبالعمل بما جاء به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن هذا يعتبر من أعظم المحافظة، ومن أعظم النصرة لهذا الدين، ولنبينا عليه الصلاة والسلام. أخطأ بعض الناس ممن ظن أن نصرة هذا الدين ونصرة النبي عليه الصلاة والسلام تكون بالبدع والخرافات، أو بالموالد والحضرات كما يزعم بعضهم، فيكثر من الموالد زاعمًا أن في ذلك نصرة النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا هو حال أهل التصوف، أهل التصوف الذين ابتلاهم الله عز وجل بالبدع ومخالفة نبينا صلى الله عليه وسلم. وهكذا أيضًا عباد الله، أخطأ من ظن أنه ينصر هذا الدين وينصر النبي عليه الصلاة والسلام بالتمثيليات، أو بالأناشيد، أو بغير ذلك مما هو مخالف لهديه عليه الصلاة والسلام. وأخطأ أيضًا يا عباد الله من ظن أنه ينصر هذا الدين وينصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمظاهرات، أو بالمسيرات، أو بغير ذلك من أنواع المخالفة. كيف ننصر هذا الدين وكيف ننصر رسولنا صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره ومخالفة هديه؟ لا نصرة يا عباد الله إلا بالمحافظة على هذا الدين، وبالمحافظة على سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فنعمل بما جاءنا به النبي عليه الصلاة والسلام، ونحافظ كل المحافظة على ذلك. نعم، فإذا كنا كذلك صار لهذا الدين قوة، وصار لهذا الدين شأن عظيم، يهاب أهل الإسلام أعداءهم من ورائهم. أما إذا سلكنا أسباب الضعف، وأسباب التمزق، وأسباب الفرقة والاختلاف، وأصبح بعضنا يعادي بعضًا، وبعضنا ينشغل ببعض، وبعضنا يتكلم في البعض الآخر، نعم، فإن ذلك يكون سببًا للفشل، ويكون سببًا للتنازع. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا﴾. فلا بد يا عباد الله، لا بد من الصبر على هذا الدين، ومن الثبات على هذا الدين، ومن العمل بهذا الدين، العمل بما جاء في كتاب الله عز وجل وما جاء في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مهتدين في ذلك بما جاء عن السلف الصالح من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن بعدهم من أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين هم أنوار وأعلام، يهتدي بهم السالك، ويسترشد بهم الضال. نعم، ويسر الله للإنسان إلى الحق إذا تمسك بذلك، إذا تمسك بذلك وعمل بذلك. فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا جميعًا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. نسأل سبحانه أن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يحفظ علينا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن يحفظ علينا آخرتنا التي إليها معادنا، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، وأن يجعل الموت راحة لنا من كل شر. إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.