الدرس في توجيهات حول الطلب 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد على أهمية احترام العلماء وتوقيرهم، مشيرًا إلى أن هذا الأدب واجب على الناس كافة. يُستدل على ذلك بالأدلة من الكتاب والسنة.
يُشدد على أهمية احترام العلماء وتوقيرهم في الإسلام، ويُظهر كيف كان السلف يحترمون العلماء. يُقارن بين احترام المسلمين وغير المسلمين لعلمائهم.
يجب على المسلمين احترام وتوقير العلماء، وعدم الخوض في أعراضهم. العلماء لهم مكانة عظيمة عند الله، وقد أمر الله ورسوله بتوقيرهم.
يُشير إلى أن البركة كانت موجودة في الأزمنة الماضية، ويقارن ذلك بواقع الأمة الحالي الذي يفتقر إلى البركة، مع التعبير عن الحاجة إلى التضرع إلى الله.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلَا زِلْنَا إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ ذِكْرِ أَهَمِّ التَّنْبِيهَاتِ وَالْوَصَايَا وَالتَّوْجِيهَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا طَالِبُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَهُوَ بَابٌ فِي مِضْمَارِ الْعِلْمِ، وَفِي سُلُوكِ دَرْبِ الْعِلْمِ. وَمِمَّا يَنْبَعِ عَلَيْهِ إخْوَانِي فِي اللَّهِ، وَهُوَ مِمَّا يَتْبَعُ وَيَلْحَقُ بِمَا مَضَى مَا مَضَى ذِكْرُهُ فِي دَرَسِ أَمْسِ حَوْلَ الْأَدَبِ وَالتَّخَلُّقِ بِالْآدَابِ الْفَاضِلَةِ. فَهَا هُنَا إشَارَةٌ إلَى أَدَبٍ عَظِيمٍ، إلَى أَدَبٍ رَفِيعٍ يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَلَّى بِهِ النَّاسُ جَمِيعًا، أَلَا وَهُوَ الْأَدَبُ مَعَ الْعُلَمَاءِ. وَهَذَا الْخُلُقُ وَهَذَا الْأَدَبُ لَيْسَ خَاصًّا بِطَلَبَةِ الْعِلْمِ، بَلْ هُوَ لَهُمْ بِالْخُصُوصِ، وَكَذَلِكَ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً أَنْ يَكُونُوا لِعُلَمَاءِ الْأُمَّةِ الْإِجْلَالَ وَالِاحْتِرَامَ وَالْإِعْظَامَ وَالتَّوْقِيرَ. وَقَدْ دَلَّتْ الْأَدِلَّةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ. فَالْعَالِمُ يُوقَرُ، بَلْ هَذَا مِنْ تَوْقِيرِك لِلْعِلْمِ. لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُوقِرَ الْعِلْمَ وَهُوَ لَا يُوقِرُ أَهْلَهُ، لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ. بَلْ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ عَلَى تَعْظِيمِكَ لِلْعِلْمِ أَنْ تُعَظِّمَ أَهْلَ الْعِلْمِ، تُعَظِّمُ الْعُلَمَاءَ. فَالْعَالِمُ لَا يُعَظَّمُ لِذَاتِهِ، وَلَا يُعَظَّمُ لِجُثَّتِهِ وَجُثْمَانِهِ، وَإِنَّمَا الْعَالِمُ يُعَظَّمُ لِلْعِلْمِ الَّذِي حَمَلَهُ، وَالَّذِي حَازَهُ بَيْنَ صَدْرِهِ، عَلَى مِقْدَارِ الْعِلْمِ الَّذِي حَازَهُ، وَالَّذِي بَذَلَهُ لِلنَّاسِ، فَإِنَّهُ يُعَظَّمُ وَيُقَدَّرُ التَّعْظِيمُ الشَّرْعِيُّ وَالتَّقْدِيرُ الشَّرْعِيُّ. ثَبَتَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ». لَيْسَ مِنَّا، لَيْسَ مِنْ دِينِنَا، لَيْسَ مِنْ مِلَّتِنَا. وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ اسْتَصْوَبَ أَنْ تُتْرَكَ مِثْلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى ظَاهِرِهَا. «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ». الْعَالِمُ لَهُ حَقٌّ، الْعَالِمُ لَهُ حَقٌّ عَلَى الْأُمَّةِ، يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى حَقُّهُ وَيُعْطَى قَدْرُهُ مِنْ الْإِجْلَالِ وَالْإِعْظَامِ، فَلَا أَحَدَ يُدَانِيهِ، وَلَا أَحَدَ يُسَاوِيهِ. قَالَ جَلّ فِي عَلَامٍ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، مَا يَسْتَوِي أَبَدًا، لَا يَسْتَوِي الْعَالِمُ وَغَيْرُ الْعَالِمِ. الْعَالِمُ فِي الدُّنْيَا مَشْغُولٌ بِعِلْمِهِ، مَشْغُولٌ بِعِلْمِهِ، فَهُوَ بَيْنَ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ مِثَالٍ عِلْمِيٍّ أَوْ عَمَلِيٍّ. ذَهَبَ شَبَابُهُ وَظَهَرَ الشَّيْبُ، شَيْبَةُ لِحْيَتِهِ فِي رَأْسِهِ، وَظَهَرَ الشَّيْبُ فِي جِسْمِهِ، وَذَهَبَ عِزُّ شَبَابِهِ، كُلُّ ذَلِكَ فِي بَذْلِ الْعِلْمِ فِي تَحْصِيلِهِ وَفِي بَذْلِهِ. سَمَتْ رُوحُهُ، وَلَا نُقَلِّبُهُ وَلَا نَطْبَعُهُ، هَذَا هُوَ الْعَالِمُ. أَمَّا غَيْرُهُ فَفِي غَيْرِ وَادٍ، الْوَادِ غَيْرُ الْعَالِمِ مُضَيِّعٌ لِأَوْقَاتِهِ، غَيْرُ مُبَجِّلٍ لِشَرْعِ اللَّهِ وَلَا لِدِينِهِ، لَا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ الْأُمَّةِ. فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَوِيَانِ؟ لَا وَاَللَّهِ لَا يَسْتَوِيَانِ. سَارَتْ مُشْرِقَةٌ وَسِرْتَ مُغْرِبَةً، شَتَّانَ شَتَّانَ بَيْنَ مُشْرِقٍ وَمُغْرِبٍ. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أَهْلُ الْعِلْمِ، الْعُلَمَاءُ هُمْ أَهْلُ الرِّفْعَةِ، يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ. أَهْلُ الْعِلْمِ هُمْ أَهْلُ الْخَشْيَةِ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَزَايَا. فَلِهَذِهِ الْمَزَايَا الَّتِي جَعَلَتْ الْعُلَمَاءَ يَنْبَغِي لِلنَّاسِ جَمِيعًا أَنْ يُعْطُوا لِلْعُلَمَاءِ حَقَّهُمْ وَقَدْرَهُمْ مِنْ الْإِجْلَالِ وَالْإِعْظَامِ وَالتَّوْقِيرِ وَالِاحْتِرَامِ. وَالْأَسَفُ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْأَدَبِ. النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ حَقَرُوا وَهُونُوا مِنْ شَأْنِ الْعُلَمَاءِ. الْوَاحِدُ لَرُبَّمَا يُصْبِحُ وَيُمْسِي وَهُوَ سَبَّابٌ وَشَتَّامٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، يَرْمِيهِمْ بِكُلِّ نَقِيصَةٍ، يَغْمِزُ وَيَلْمِزُ فِي أَعْرَاضِهِمْ وَفِي نِيَّاتِهِمْ، وَيَطْعَنُ فِي عِلْمِهِمْ، وَيُشَكِّكُ فِي تَدْيِينِهِمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَهَذِهِ كَارِثَةٌ، وَهَذِهِ كَارِثَةٌ، وَهَذِهِ خِلَافُ السُّنَّةِ. يَقُولُ طَاوُسُ بْنُ كَيْسَانَ الْيَمَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «مِنْ السُّنَّةِ تَوْقِيرُ الْعَالِمِ». مِنْ السُّنَّةِ، هَذَا مِنْ دِينِ اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، هَذَا عِبَادَةٌ. إنْ أَرَدْتَ أَنْ تَتَعَبَّدَ اللَّهَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِعِبَادَةٍ، فَتَعَبَّدْ اللَّهَ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ، مَا هِيَ؟ أَنْ تَتَعَبَّدَ اللَّهَ بِاحْتِرَامِ الْعُلَمَاءِ، هَذِهِ عِبَادَةٌ بِحَدِّ ذَاتِهَا. يَقُولُ السَّعْدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي رِسَالَةٍ لَهُ، وَيَتَكَلَّمُ عَنْ مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَالَ: «وَإِنَّهُمْ يَدِينُونَ اللَّهَ يَدِينُونَ اللَّهَ بِاحْتِرَامِ الْعُلَمَاءِ». هَذِهِ دِيَانَةٌ، هَذِهِ دِيَانَةٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، يَتَعَبَّدُونَ اللَّهَ وَيَدِينُونَ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا بِاحْتِرَامِ الْعُلَمَاءِ. تَدَيُّنًا لِلَّهِ، لَا كَمَا قُلْنَا، احْتَرِمْ لَا لِذَاتِهِمْ وَلَا لِأَشْخَاصِهِمْ، وَإِنَّمَا لِلْعِلْمِ الَّذِي حَوَوْهُ فِي صُدُورِهِمْ، أَرْفَعَهُمْ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بِهِ. وَعَلَى هَذَا كَانَ دَأْبُ الْعُلَمَاءِ، وَهَكَذَا كَانَ دَأْبُ السَّلَفِ، وَرَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. لَوْ تَأَمَّلْت فِي تَارِيخِ الْأُمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا تَرَى هَذَا. مَاذَا؟ الْإِعْظَامُ وَالتَّقْدِيرُ، كَمَا جَاءَ فِي مِثَالِ إمَامِ أَحْمَدَ فِي غَيْرِهِ. أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ يُمْسِكُ بِزِمَامِ دَابَّةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَكَانَ زَيْدٌ يَسْتَعْظِمُ هَذَا الْأَمْرَ، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، أَتَأْخُذُ بِزِمَامِ دَابَّتِي؟ فَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَصْنَعَ بِعُلَمَائِنَا. هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَصْنَعَ بِعُلَمَائِنَا. الْأَدَبُ وَالْوَقَارُ وَالْإِجْلَالُ وَالتَّعْظِيمُ وَالِاحْتِرَامُ وَالتَّوْقِيرُ لِأَهْلِ الْعِلْمِ. بَلْ لِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ أَنْ جَعَلُوا هَذَا الْبَابَ مِنْ الْمُعْتَقَدَاتِ، جَعَلُوهُ فِي كُتُبِ الْعَقِيدَةِ، فِي صَمِيمِ عَقِيدَةِ الْمُسْلِمِ، وَفِي صَمِيمِ عَقِيدَةِ الْمُؤْمِنِ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ الِاحْتِرَامُ وَالتَّوْقِيرُ. يَقُولُ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي عَقِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الْمَعْرُوفَةِ، يَقُولُ فِيهَا: «وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ قَدِيمًا وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ، أَهْلُ الْخَيْرِ وَالْأَثَرِ، أَهْلُ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ، لَا يُذْكَرُونَ إلَّا بِالْجَمِيلِ، لَا يُذْكَرُونَ إلَّا بِالْجَمِيلِ. وَمَنْ ذَكَرَهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ». فَعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنْ السَّابِقِينَ وَمَنْ تَبِعَ بَعْدَهُمْ، لَا يُذْكَرُونَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَّا بِالْجَمِيلِ، نَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ، نُثْنِي عَلَيْهِمْ، نَذْكُرُهُمْ بِخَيْرِ أُمُورِهِمْ، لَا نَجْعَلُهُمْ عُرْضَةً لِلتَّنَقُّصِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، هَذَا مَا يَجُوزُ. وَمَا جَعَلَ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ ذَلِكَ، بِأَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الْفِقْرَةَ فِي مُعْتَقَدِهِ، إلَّا لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الثَّوَابِتِ، مِنْ الثَّوَابِتِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِي ذِهْنِي وَفِي قَلْبِي كُلُّ مُسْلِمٍ، بَلْ هِيَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ «وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَوَالاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، بَعْدَ مَوَالاةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، مَوَالاةُ الْمُؤْمِنِينَ». كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، «وَخُصُوصًا الْعُلَمَاءُ». مَوَالاةُ اللَّهِ، تُوَالِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَتُوَالِي أَهْلَ الْإِيمَانِ، وَخُصُوصًا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «وَخُصُوصًا الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ». إذَا أَرَدْتَ أَنْ تُوَالِيَ أَهْلَ الْإِيمَانِ، فَعَلَيْكَ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ الْعُلَمَاءُ. هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ مَاذَا؟ لَدَيْهِمْ قَصَبُ السَّبْقِ، وَلَهُمُ الْأَوْلَوِيَةُ لِكُلِّ خَيْرٍ. إنْ كُنْتَ وَلِيَ عَبْدِ اللَّهِ بِذَلِ خَيْرٍ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَابْذُلْهُ لِلْعُلَمَاءِ. أَظْهِرْ مَا عِنْدَكَ مِنْ الطَّاعَةِ وَالْإِذْعَانِ، الطَّاعَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْإِجْلَالِ وَالتَّوْقِيرِ وَالِاحْتِرَامِ. هَذَا الَّذِي يَنْبَغِي إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْأُمَّةِ. لِلْأَسَفِ نَرَى أَنَّ هَذَا الْأَدَبَ لَيْسَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّنَا نَرَى عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِ الْمِلَلِ. نَرَى أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَهُمْ كُفَّارٌ عَلَى دِينٍ مُنْحَرِفٍ، عَلَى دِينٍ مُنْحَلٍّ. لَكِنِ انْظُرْ كَيْفَ هُمْ عُلَمَاؤُهُمْ. سُبْحَانَ اللَّهِ، الْآنَ دَوْلَةُ الْيَهُودِيَّةِ، كَيْفَ هُمْ؟ مِنْ الَّذِي يَسِيرُهُمْ مِنْ السَّاسَةِ؟ هُمْ مَشَايِخُهُمْ، عُلَمَاؤُهُمْ، الْخَامَاتُ. تَجِدُ كَبِيرَهُمْ الْحَاخَامُ، هَذَا الَّذِي يُدِيرُ الدَّوْلَةَ الْإِسْرَائِيلِيَّةَ أَوْ الْيَهُودِيَّةَ، الْكُلُّ تَحْتَ لِوَائِهِ. أَصْبَحَتْ هَذِهِ الدَّوْلَةُ مُتَدَيِّنَةً بِمَاذَا؟ بِعُلَمَائِهَا. أَصْبَحَ هُوَ يَهُودِيًّا، يَهُودِيًّا عَلَى ضَلَالٍ، عَلَى فُجُورٍ، عَلَى مَروق مِنْ الدِّينِ الْحَقِّ. وَمَا بَالُهُ فِي مُجْتَمَعَاتِهِمْ يَكُنُونَ الِاحْتِرَامَ لِعُلَمَائِهِمْ؟ إذَا مَرَّ الْعَالِمُ، فَلَا أَحَدَ مِنْهُمْ يَرْفَعُ صَوْتًا، وَلَا يُشَاوِرُ، وَلَا يُخَاطِبُ بَعْدَ قَضَاءِ الْعُلَمَاءِ فِي قَضِيَّةٍ مَا، سِيَاسِيَّةٍ، اجْتِمَاعِيَّةٍ. الْكَلِمَةُ الْعُلْيَا لَهُمْ. وَهَكَذَا يَقُولُ فِي النَّصَارَى. انْظُرْ النَّصَارَى، أَيْنَ هُمْ مِنْ الْبَابَا؟ الْبَابَا خَلَاصٌ، يُعْتَبَرُ إذَا قَالَ الْبَابَا الْكَلِمَةَ، هِيَ الْكَلِمَةُ الْعُظْمَى، لَا أَحَدَ يُقَاطِعُهُ، لَا أَحَدَ يُعَارِضُهُ. لِمَاذَا؟ شَعْبٌ تَرَبَّى عَلَى تَعْظِيمِ عُلَمَائِهِ، وَهُمْ نَصَارَى، وَهُمْ نَصَارَى. هَذَا يَعْنِي أَنَّ الَّذِي يُحَرِّجُ الَّذِي يَكُونُ مِمَّا يَدْمَى الْقَلْبَ أَنْ تَرَى هَذِهِ الْأُمَّةَ الْكَافِرَةَ تُعْطِي لِعُلَمَائِهَا مِنْ الْقَسِيسِينَ، مِنْ الرُّهْبَانِ، مِنْ الْحَاخَامَاتِ، تُعْطِيهِمْ الْإِجْلَالَ وَالْإِعْظَامَ وَالتَّقْدِيرَ. مَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَهْزِئَ بِهِمْ أَوْ يَنْتَقِصَ مِنْ قَدْرِهِمْ. لَكِنِ انْظُرُوا أَيْنَ الْأُمَّةُ مِنْ ذَلِكَ؟ سُبْحَانَ اللَّهِ. تَرَى الْوَاحِدَ مِنَّا مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ، مِنْ دَهْمَاءِ النَّاسِ، لَرُبَّمَا فِي مَقْهَاهُ أَوْ فِي بَحْرِهِ أَوْ فِي بَرِّهِ، يَضَعُ رِجْلًا عَلَى رِجْلٍ، ثُمَّ يَتَنَاوَلُ أَعْرَاضَ الْعُلَمَاءِ. فَكَّ عَنْ هَذَا الْعَالِمِ، هَذَا مُجَسُّوسٌ، هَذَا جَاهِلٌ، هَذَا خَبِيثٌ، هَذَا مُعْنًى فِقْهُ وَاقِعٍ، هَذَا مَرِيضٌ، هَذَا عَمِيلٌ، أَعُوذُ بِاَللَّهِ. أَعْرَاضُ الْعُلَمَاءِ يَا عَبْدَ اللَّهِ بِهَذِهِ الْمِثَابَةِ، أَمْرَك رَبُّك جَلّ وَعَلَا، أَمَرَك نَبِيُّكَ بِمَاذَا؟ بِتَوْقِيرِهَا، بِتَعْظِيمِهَا، بِالذَّبِّ عَنْهَا، لَا بِالْخَوْضِ فِيهَا، لَا بِالْخَوْضِ فِيهَا. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَاتَّفَقُوا عَلَى تَوْقِيرِ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى تَوْقِيرِ النَّبِيِّ، وَعَلَى تَوْقِيرِ الْفَاضِلِ وَالْعَالِمِ». هَذَا بِالْإِجْمَاعِ، بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ الْعَالِمَ يُوقَرُ. لِمَاذَا؟ بِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَقَبِيحٌ بِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَخُصُوصًا مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ، أَنَّكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ تَجْعَلُ لِعُلَمَائِكَ مِثْلَ هَذِهِ الْمِثَابَةِ مِنْ الطَّعْنِ وَالْغَمْزِ وَالْهَمْزِ وَاللَّمْزِ. لَا يَا عَبْدَ اللَّهِ، إنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تُعِفَّ قَدْرَ الْعُلَمَاءِ. الْعُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، مَا رَفَعَهُمْ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بَيْنَ الْأُمَّةِ، وَمُصْطَفَاهُمْ مِنْ بَيْنِ الْخَلَائِقِ، إلَّا لِعُلُوِّ أَمْرِهِمْ وَلِرِفْعَةِ شَأْنِهِمْ. جَعَلَهُمْ اللَّهُ مَاذَا؟ آيَةً فِي زَمَنِ النَّاسِ، يُرْجَعُ إلَيْهِمْ فِي الْمَكَارِهِ، فِي الْفِتَنِ، فِي الشَّدَائِدِ، فِي النَّوَازِلِ، يُرْجَعُ إلَيْهِمْ. فَمَا يَنْبَغِي لِوَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يَخُوضَ لِسَانُهُ، أَنْ يَخُوضَ لِسَانُهُ فِي طَعْنٍ فِي أَعْرَاضِ الْعُلَمَاءِ. وَلِهَذَا حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ أَيَّمَا تَحْذِيرٍ مِنْ الْخَوْضِ فِي أَعْرَاضِهِمْ، وَالطَّعْنِ فِي دِينِهِمْ، أَوْ التَّشْكِيكِ كَذَلِكَ فِي عِلْمِهِمْ. يَقُولُهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ «إذَا رَأَيْت الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ عِنْدَ الْمَشَايِخِ، مَجْلِسٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، يَتَكَلَّمُونَ لَهُمْ الْكَلِمَةَ الْمَسْئُولَةَ، تَرْجِعُ إلَيْهِمْ، فَإِذَا يُبْدِي رَجُلٌ فُضُولِيٌّ لَيْسَ مِنْهُمْ وَلَيْسَ مِنْ شَاكِلَتِهِمْ، وَإِنَّمَا يَتَرَفَّعُ عَلَيْهِمْ وَيُعَارِضُ وَيُجَادِلُ». قَالَ سُفْيَانُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «إذَا رَأَيْت الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ عِنْدَ الْمَشَايِخِ، وَقَدْ بَلَغَ مِنْ الْعِلْمِ مَبْلَغًا، فَيَأْسٌ مِنْ خَيْرِهِ، إيَاسٌ مِنْ خَيْرِهِ». قَالَ: «فَإِنَّهُ قَلِيلُ الْحَيَاءِ»، قَلِيلُ الْحَيَاءِ. إذَا هَذَا الرَّجُلُ فَقَطْ تَطَاوَلَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ، وَأَبْدَى رَأْيَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ، فَهَذَا تَيَأَسُ مِنْ خَيْرِهِ. فَبِاَللَّهِ عَلَيْكُمْ، مَاذَا نَقُولُ بِمَنْ يَتَهَجَّمُ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَيَرُدُّ فَتْوَاهُمْ عَلَى وَجْهِهِمْ؟ تَأْتِي فَتْوَى مِنْ فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ فِي نَوَازِلَ، نَوَازِلَ مُصِيرِيَّةٍ، أَوْ مَسَائِلَ مُصِيرِيَّةٍ دَمَوِيَّةٍ فِي أَيَّامِ الْفِتَنِ. تَأْتِي فَتَاوَى الْعُلَمَاءِ عَلَى أَمْرٍ مَا، فَإِذَا بِالْعَامِيِّ، فَإِذَا بِأَشْبَاهِ الْعُلَمَاءِ، وَبَعْضِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا بِهِ يَرْمِي بِهَذِهِ الْفَتْوَى عَرْضَ الْحَائِطِ، لَيْسَ يَرْمِي بِهَا، بَلْ يَتَطَاوَلُ عَلَى عَرْضِ ذَاكَ الْعَالِمِ. هَذَا عَالِمٌ عَمِيلٌ، ضَعِيفٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ. مَا أَدْرَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ اتَّقِ اللَّهَ. رَحِمَةُ اللَّهِ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عِنْدَمَا قَالَ لِطُلَّابِهِ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي الْمَشَايِخِ، فَلَرُبَّمَا اسْتُجِيبَتْ فِيكُمْ دَعْوَةٌ، فَلَرُبَّمَا اسْتُجِيبَتْ فِيكُمْ دَعْوَةٌ». فَالشَّخْصُ يَتَّقِي اللَّهَ فِي أَعْرَاضِ الْعُلَمَاءِ. وَإِيَّاكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ تَسْتَخِفَّ بِعَرْضِ عَالِمٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنْ اسْتَخَفَّ بِالْعُلَمَاءِ ذَهَبَتْ آخِرَتُهُ». مَنْ اسْتَخَفَّ بِالْعُلَمَاءِ ذَهَبَتْ آخِرَتُهُ. فَإِلَّا تَسْتَخِفَّ يَا عَبْدَ اللَّهِ. وَالْمُشْكِلَةُ أَنَّ النَّاسَ أَصْبَحَ الضَّابِطُ عِنْدَهُمْ فِي مَدْحِ الْعُلَمَاءِ وَفِي ذَمِّ الْعُلَمَاءِ، مَتَى؟ إذَا نَظَرُوا فِي الْفَتْوَى إذَا كَانَتْ هَذِهِ الْفَتْوَى مُلَائِمَةً لِمَا أَرَادُوا، فَحِينَئِذٍ اسْمَعْ لِذَاكَ الْمَدَائِحَ وَلِذَاكَ الْمَدِيحَةِ وَالثَّنَاءِ الْعَطِرِ عَلَى الْعَالِمِ. الْعَامَّةُ عَلَى تَيَّارٍ وَعَلَى وَجْهِهِمْ وَعَلَى رَأْيِهِمْ. فَإِذَا جَاءَتْ هَذِهِ الْفَتْوَى مِنْ عَالِمٍ مَا عَلَى رَأْيِهِمْ، فَإِذَا بِالنَّاسِ يَصْفِقُونَ وَيُرَحِّبُونَ بِهَذَا الْعَالِمِ. وَإِذَا جَاءَتْ فَتْوَى الْعَالِمِ عَلَى خِلَافِ مَا أَرَادُوا وَعَلَى خِلَافِ مِنْهَجِهِمْ وَمَا هُمْ يَسِيرُونَ عَلَيْهِ، سُرْعَانَ مَا رَمَوْهُ مِنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، طَاعَنُوا فِي عِلْمِهِ وَطَاعَنُوا فِي عَرْضِهِ. وَهَذَا هُوَ الْبُهْتَانُ الْعَظِيمُ. فَإِخْوَانِي فِي اللَّهِ، فَلْنَتَّقِ اللَّهَ جَلّ وَعَلَا. وَعَلَى الْمُسْلِمِ خَاصَّةً، وَعَلَى الْمُسْلِمِ عَامَّةً، وَطَالِبِ الْعِلْمِ خَاصَّةً فِي طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ، أَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ الْعِلْمِ. وَمِنْ تَعْظِيمِهِ لِقَدْرِ الْعِلْمِ، تَعْظِيمُ الْعُلَمَاءِ. تَعْظِيمُ هَذِهِ الصِّفَةِ وَهَذِهِ الشَّرِيحَةِ الَّتِي اجْتَبَاهُمْ اللَّهُ وَاصْطَفَاهُمْ لِحَمْلِ دِينِهِ. فَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ جَمِيعًا أَنْ يَعْرِفُوا قَدْرَهُمْ وَمَاذَا وَحَقَّهُمْ، وَيُعْطُونَهُمْ مَا أَمَرَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بِهِ مِنْ الْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ وَالتَّقْدِيرِ. فَوَاللَّهِ وَاَللَّهِ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرَ لَكُمْ أَوْ أَنْ نُسَرِدَ لَكُمْ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ فِي تَعْظِيمِهِمْ لِعُلَمَائِهِمْ، فَلَطَالَ بِنَا الْمَقَامُ. أَشْيَاءُ عَجِيبَةٌ غَرِيبَةٌ. كَانَ الْوَاحِدُ مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ رُبَّمَا يَتَحَرَّجُ فِي أَنْ يَفْتَحَ صَفْحَةً أَمَامَ شَيْخِهِ، حَتَّى لَا يُؤْذِيَ شَيْخَهُ مِنْ صَفِيرِ الْأَوْرَاقِ، يَخْشَى أَنْ يُؤْذِيَ شَيْخَهُ مِنْ تَحَرُّقِ الْأَوْرَاقِ فِي مَجْلِسِهِ. كَانَ التَّعْظِيمُ وَالتَّبْجِيلُ شَيْءٌ آخَرُ. وَلِهَذَا كَانَتْ الْبَرَكَةُ مَعَهُمْ، كَانَتْ الْبَرَكَةُ فِي تِلْكَ الْمَاضِيَةِ. لَكِنِ انْظُرْ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي أَزْمِنَتِنَا هَذِهِ، فَإِلَى اللَّهِ الْمُشْتَك