الخطبة بعنوان نصيحة للتجار، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 30 رجب 1432هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يحث الخطيب المسلمين على التراحم والتكافل في ظل الأزمة الاقتصادية، مستشهداً بأحاديث تشبه المؤمنين بالبنيان والجسد الواحد. ويوجه نداءً للتجار بالسماحة في البيع والشراء وترك الاحتكار طمعاً في رحمة الله.
يؤكد الخطيب على وجوب الرحمة بالفقراء واليتامى والأرامل، مرجعاً ذلك إلى أحاديث تربط الرحمة بنيل رحمة الله والجنة. ويحذر بشدة من احتكار السلع والتلاعب بالأسعار معتبراً ذلك معصية كبرى ورد فيها الوعيد النبوي.
يستعرض المقطع مواقف الأشعريين في التعاون ثم يركز على عثمان بن عفان الذي اشترى بئر رومة وجعلها سقاية للمسلمين، وجهز جيش العسرة من ماله ووسع المسجد النبوي. وتُذكر هذه الأعمال كحجة لإحسانه للأمة عند محاصرته.
يختتم المتحدث بالدعاء للمسلمين بالتوفيق والهداية والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويكرر الشكر والامتنان خاتماً الخطبة بخير.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله إن الحمد لله، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار عباد الله، كلنا يعلم ما تمر به بلادنا من أزمةٍ اقتصاديةٍ عصيبة، ومن ضائقةٍ معيشيةٍ شديدة، من غلاءٍ في الأسعار، ومن انعدامٍ لبعض الوقود والضروريات، ومن كذلك قلة المعايش والمكاسب والأعمال، فهذه الضائقات وهذه الأزمات يحتاج فيها أهل الإسلام إلى أن يرحم بعضهم بعضاً، وإلى أن يتفقد بعضهم بعضاً، وإلى أن يواسي بعضهم بعضاً، وإلى أن يعطف بعضهم على بعض فقد دعا الإسلام، دعا الإسلام أهل الإسلام إلى التعاون والتآزر والمواساة فيما بينهم على وجه العموم، ففي مثل هذه الأزمات وفي مثل هذه الضائقات يتأكد الأمر في تحقيق تلكم المعاني جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»، وشبك بين أصابعه عليه الصلاة والسلام وجاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» ثم فينبغي على أهل الإسلام أن يرحم القوي منهم الضعيف، وأن يرحم الغني منهم الفقير، وأن يرحم الكبير منهم الصغير يا من من الله عليه من فضله فأصبح من أهل الغنى واليسار، ويا من فتح الله عليه من رزقه فأصبح من التجار، ارحم إخوانك المسلمين، وذلك بالسماحة في بيعك وشرائك، وبالقناعة في اليسير من الربح، وفي التجاوز عن المعسر، وفي كذلك عدم الاحتكار والغلاء في الأسعار أخي التاجر المسلم، ألا تحب أن تكون ممن رحمهم الله عز وجل؟ ألا تحب أن تنال دعوة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرحمة؟ جاء في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، وإذا اقتضى» دعوة من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لك، أخي المسلم، إن كنت سمحاً في بيعك وشرائك ألا تحب يا أيها المسلم أن تنال رحمة الله فتسعد بهذا المال وتؤديه في الحق الذي أراد منك ربك؟ ألا تحب أن تكون من المرحومين؟ فأرفق بأهل الإسلام، أرفق بأهل الإسلام، وارحم أهل الإسلام، فإن الجزاء من جنس العمل جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من لا يرحم لا يرحم، من لا يرحم لا يرحم» وهكذا جاء في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد، من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» وجاء في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» وجاء عند أبي داود والترمذي من حديث جماعة من الصحابة، ومنهم الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» فهكذا، أخي المسلم، ينبغي عليك أن تشكر نعمة الله عز وجل عليك أن أعطاك من الأموال الكثيرة أخي التاجر المسلم، احمد الله عز وجل أن أعطاك من فضله، فليكن هذا المال سبباً في سعادتك، سبباً في رحمة الله عز وجل لك أخي المسلم، أخي التاجر المسلم، يا من وسع الله عليه من رزق هذه الدنيا، إن في مجتمعك الذي تعيش فيه فقراء وأيتاماً ومساكين وأرامل ومحتاجين، هل تفقدتهم؟ هل سألت عنهم؟ ألا تريد يا أيها التاجر المسلم أن تكون قريباً من نبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الجنة؟ فسخر هذا المال في رحمة المسلمين من الضعفاء والمساكين قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»، وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله»، وأحسبه قال: «كالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر» انظر إلى عظم الرحمة، أخي المسلم، كيف بسبب هذه الأعمال الجليلة تنال رحمة الله، تنال جنة الله سبحانه وتعالى واحذر، احذر أن تكون ممن قد نزعت الرحمة من قلبه، فالأمر خطير، خطير جاء عند أبي داود والنسائي من حديث، جاء عند أبي داود والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت الصادق المصدوق صاحب هذه الحجرة، أبا القاسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي، لا تنزع الرحمة إلا من شقي»، حسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله احذر أخي التاجر المسلم أن تكون ممن يحتكر في البضائع، وممن يطمع في الأرباح السريعة، فإنك آثم، عاصٍ بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد جاء في صحيح مسلم من حديث معمر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يحتكر إلا خاطئ» قال بعض شراح هذا الحديث: أي لا يحتكر إلا عاصٍ آثم والاحتكار كما قال الإمام الأوزاعي عليه رحمة الله: المحتكر هو الذي يعترض السوق، هو الذي يعترض السوق أن يلعب بالأسعار في السوق فيضر بالمسلمين وقال الإمام النووي عليه رحمة الله: الاحتكار المحرم إنما يكون في المطاعم، وذلك بأن يشتري الطعام في وقت الغلاء فلا يبيعه في الحال، لا يبيعه في الحال، بل يدخره ينتظر ارتفاع الأسعار والمغالات في الأسعار، فبعد ذلك يستغل حاجة المسلمين، يستغل حاجة المسلمين، فهذا عاصٍ آثم بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فنسأل الله بمنه وكرمه أن يوفق المسلمين جميعاً لما يحب ويرضى الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين أما بعد، عباد الله، وقد أثنى نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الأشعريين، وهم من أهل اليمن، لما كان بينهم من التعاون، ومن المواساة، ومن الرحمة في حال الأزمات والضائقات فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الأشعريين إذا أرملوا في غزوهم» - أي فني عليهم الطعام في حال السفر والغزو، أو قل طعام عيالهم في المدينة - «جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه في إناء واحد بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم» هذا هو عمل الأشعريين من أهل اليمن، كانوا غاية في التعاون والتراحم، وفي المواساة والإيثار، فإذا قل طعامهم، إذا نزلت بهم نازلة ضائقة شديدة، جمعوا ما معهم من الطعام، كل يأتي بما معه، صاحب القليل يأتي بالقليل، وصاحب الكثير يأتي بالكثير، فيجمع في ثوب واحد، ثم يقسم بينهم بالسوية، تعاون وتراحم وإيثار وهكذا، أخي المسلم، يا من وسع الله عليك من الرزق، يا من جعلك من تجار أهل الإسلام، لك قدوة حسنة في تاجر من تجار المسلمين، إنه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، ذلكم الصحابي الجليل الذي شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجنة، كم أنفق في سبيل الله عندما تنزل الضائقات والأزمات بالمسلمين؟ فقد جاء عند أبي داود والنسائي، ويحسن الحديث العلامة الألباني في مواضع من كتبه، أن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت يوم الدار، أي يوم حوصر عثمان من قبل أهل الفتنة، قال: شهدت يوم الدار فاطلع عليهم عثمان فقال لهم: «أنشدكم بالله وبالإسلام، هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، غير بئر رومة؟» ومعنى يستعذب: أي لا يوجد ماء يستطيع الناس أن يشرب منه، وقد جاء في بعض الروايات أن هذا البئر كان ليهودي، فكان يبيع ماءه لأهل المدينة، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يقول عثمان لهؤلاء -: «من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين؟» ثم قال: «وله بذلك أكثر منها في الجنة»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام قال عثمان: فاشتريتها، فاشتريتها بخالص مالي، أو بصلب مالي، فجعلت دلوي مع دلاء المسلمين، مع دلاء المسلمين، ثم أنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟ فقالوا: اللهم نعم ثم قال رضي الله تعالى عنه: «هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من ينفق نفقة متقبلة والناس مجهدون معسرون؟» قال: فجهزت جيش العسرة من مالي فقالوا: اللهم نعم ثم قال رضي الله تعالى عنه لهم: «ألا تعلمون أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أن المسجد ضاق بالناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فقال عليه الصلاة والسلام: من يشتري، من يشتري بقعة آل فلان فيجعلها في المسجد؟» قال: فاشتريتها بصلب مالي فزدتها في المسجد، ثم أنتم تمنعوني أن أصلي فيه؟ قالوا: اللهم نعم، اللهم نعم انظروا يا عباد الله إلى هذه الأعمال الجليلة التي قدمها رضي الله تعالى عنه لمصالح المسلمين، ولفك أزمات المسلمين، كان الناس يشترون الماء شراء، فاشترى تلكم البئر وجعلها سبيلاً يشرب منها المسلمون، وهكذا جهز جيشاً عظيماً، كان الناس في عسر، وكان الناس في شدة، فيسر عليهم بما أعطاه الله عز وجل من الرزق الحلال الطيب، وهكذا اشترى تلكم الأرض التي كانت سبباً في التوسعة على المسلمين حتى كفاهم مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلك في هذا الصحابي الجليل، أخي التاجر المسلم، قدوة حسنة، قدوة حسنة فنسأل الله بمنه وكرمه أن يوفق المسلمين جميعاً لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلي اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، كثيراً شكراً، شكراً، شكراً، شكراً