شرح لمعة الإعتقاد 15

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 15، ألقاها

رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة

يناقش إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة بالأدلة الشرعية، ويوضح أن هذه الرؤية ممكنة وتقع في الآخرة. يُؤكد أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم.

تفاصيل رؤية الله تعالى في الجنة

يشرح تفاصيل رؤية الله تعالى في الجنة مستنداً إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وتفسير العلماء لها. يُبين أن المؤمنين يرون الله تعالى بينما يُحجب الكفار.

القضاء والقدر وإرادة الله الكونية

يتناول مفهوم القضاء والقدر وعلاقته بإرادة الله، مؤكداً أن كل شيء يحدث بإرادة الله ولا يخرج عن مشيئته وتقديره. يُوضح أن العباد لا يستطيعون مخالفة إرادته.

الرد على فرق القدرية المخالفة

يرد على طائفتين من القدرية، الأولى نفوا علم الله السابق، والثانية قالوا بخلق أفعال العباد لأنفسهم. يُثبت أن الله خلق الخلق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، مضى معنا في الدرس السابق الكلام، أو تتمة الكلام على صفة الكلام، لا سيما صفة أو كلام على القرآن الكريم، وأنه من كلام الله عز وجل، وأنه حروف وكلمات، وأنه كذلك متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مقرؤ، ومكتوب. وقد ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أدلة كثيرة تدل على هذا المعنى، عندما نُهل السؤال: من كفر بآية أو بسورة، أو جحدها، جحد سورة أو آية، وقال: إنها ليست من كلام الله عز وجل، أو ليست من كتاب الله عز وجل، فما حكمه؟ كافر بإجماع، كافر بإجماع. طيب، وقوله رحمه الله تعالى: «أو حرفًا» متفق عليه. هذا رحمه الله تعالى ذكره للتقييد. قلنا: بناءً على ما تقدم، إنه نقل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه قال في المعوذتين: «إنهما ليستا من القرآن». وقد تقدم توجيه أثر عبد الله بن مسعود، ولا يعلم خلاف لغير عبد الله بن مسعود، أو في غير عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. وقد تقدم توجيه كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. والحاصل: أن من كفر بحرف أو آية من القرآن، فهو كافر بالله العظيم؛ لأنه مكذب لما أجمع عليه المسلمون، بل لما هو ثابت في كلام الله عز وجل، وفي القرآن العظيم. طيب، قال رحمه الله تعالى: «والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه، ويكلمونه». قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؛ فلما حجب أولئك في حال السخط، دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته»، حديث صحيح متفق عليه. قال: وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرء بالمرء؛ فإن الله تعالى لا شبيه له، ولا نظير. قوله رحمه الله تعالى: «والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم»، هذا انتقال منه رحمه الله تعالى من مسألة الكلام إلى مسألة الرؤية، إلى مسألة الرؤية، وأن الله عز وجل يرى حقيقة بالأعيان، أن الله عز وجل يرى حقيقة بالأعيان يوم القيامة. وقوله رحمه الله تعالى: «والمؤمنون يرون ربهم»، هذا فيه دلالة على أن غير المؤمنين... في إشارة من كلام رحمه الله تعالى على أن المؤمنين هم الذين يرون ربهم عز وجل. على أن المؤمنين هم الذين يرون ربهم. وقوله: «في الآخرة»، وقوله: «في الآخرة»، بمعنى أنهم لا يرونه في الدنيا، بأنهم لا يرونه في الدنيا. وهذا محل اتفاق، وهذا محل اتفاق؛ بأن المؤمنين لا يرى أحد من المؤمنين ربهم عز وجل في الدنيا، وإنما اختلف، أو ذكر خلاف في مسألة خاصة من هذه المسائل، وهي: هل رأى نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة ربه عز وجل في الدنيا أم لا؟ والصحيح أنه لم يره، والصحيح أنه لم يره؛ فيكون على هذا: ليس في المسألة، أو أن الله عز وجل لم يره، لم يره نبينا صلى الله عليه وسلم، فضلًا عن غيره من المؤمنين. لذا كانت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة لا تكون إلا في الآخرة. وأما في الدنيا، فإنها لا تكون. لكن هل معنى أنها لا تكون أنها ليست ممكنة؟ أم أنها ممكنة؟ الجواب: أنها ممكنة من حيث الإمكان. رؤية الله عز وجل في الدنيا ممكنة، ولكن الله عز وجل احتجب عنا في الدنيا، ولم يره أحد إلا في الآخرة، بإذنه سبحانه وتعالى. يراه المؤمنون إلا في الآخرة، سيراه المؤمنون بإذنه سبحانه وتعالى. فالحاصل: أن مسألة رؤية المؤمنين لربهم عز وجل من حيث الوقوع لم تقع، ولا يرى أحد من المؤمنين ربه عز وجل. وكما سمعتم: نقل غير واحد الاتفاق على هذا، منهم شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى، نقل الاتفاق على أن أحدًا من المؤمنين يرى ربه عز وجل بعينيه في الدنيا. وقال: واقتلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم... ثم ذكر أن الصحيحة أنه لم يره ربه عز وجل بعينيه في الدنيا. طيب، هذا أمر، أو مسألة أخرى، وهي: هل يرى ربنا عز وجل، أو هل يمكن أن يرى أم لا؟ أو أن رؤيته سبحانه وتعالى مستحيلة؟ الجواب: أن رؤيته سبحانه وتعالى ممكنة. يدل على هذا عدة أمور. نذكر منها أمرين: الأمر الأول: أن الله عز وجل أخبر عن موسى عليه السلام أنه قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، وطلب موسى عليه السلام من ربه عز وجل يدل على ماذا؟ يدل على الإمكان؛ إذ أن موسى أعلم بربه عز وجل من غيره؛ فلما سأل ربه عز وجل هذه المسألة، دل على ماذا؟ دل على أن ربنا عز وجل يرى، على أن الله عز وجل يمكن أن يرى، يمكن أن يرى. ولكنه سبحانه وتعالى امتنع أن يراه أحد من الخلق، لحكمة يعلمها هو سبحانه وتعالى. وقد ذكر بعض أهل العلم من هذه الحكم التي علل بها، قالوا: بسبب ضعف الإنسان، وضعف قواه عن مشاهدة الخالق سبحانه وتعالى في الدنيا. قالوا: بخلاف الآخرة، وخلاف الجنة؛ فإنه يكون في حالة أقوى، وأنفذ من غيرها؛ لذا يرى ربه عز وجل في الآخرة، ولا يراه في الدنيا لهذا المعنى. قلنا: هذا دليل. ودليل آخر: ما ذكر في المسألة من الخلاف في حق نبيه صلى الله عليه وسلم؛ بأنه هل يرى أم لا؟ إذ لو كانت رؤيته مستحيلة، لما وقع خلاف في المسألة. واضح هذا الأمر أم لا؟ لو كانت رؤية الرب سبحانه وتعالى مستحيلة، لم يقع فيه صلى الله عليه وسلم خلاف: هل رأى ربه عز وجل بعينيه رأسه أم لا؟ إذ أن اختلافهم يدل على ماذا؟ يدل على الإمكان. بل، وزيادة: يدل على ماذا؟ هل وقع أم لا؟ أما الإمكان، فهم متفقون على الإمكان. ولكن زيادة على ذلك: اختلفوا في ماذا؟ في الوقوع: هل وقع أم لا؟ وهناك أدلة أخرى. نكتفي بالإشارة إلى المسألة بهذين الدليلين. قوله رحمه الله تعالى: «بأبصارهم» يرونه بأبصارهم؛ لأن هذا هو حقيقة الرؤية؛ أنها تكون بماذا؟ بالأبصار. أما إذا لم تكن بالأبصار، فلا تكون رؤية حقيقية؛ فلا تكون رؤية حقيقية. مثل ما يقولون: «إنه يرى بعين البصيرة، لا بعين البصر»، كما يعبر عنه الأشاعرة، بعض الأشاعرة يقولون: «إن الله عز وجل يرى بعين البصيرة، لا بعين البصر». وهذا كلام باطل، أو فلسفة كذلك باطل، لا محل لها من الواقع. بل إن المؤمنين يرون ربهم عز وجل حقًا، على حقيقة، بأعين رؤوسهم، لا كما يقول أولئك. قوله رحمه الله تعالى: «ويزورونه، ويكلمونه، ويكلمون». كما مضى معنا في حديث أنس، وفي حديث أبي هريرة: في أن الله عز وجل في ساعة من الجمعة يأذن لأهل الجنة بزيارته، يأذن لأهل الجنة بزيارته سبحانه وتعالى؛ فيزورونه سبحانه وتعالى، ويحصل في تلك الزيارة: أن يكلم عباده، ويكلمونه سبحانه وتعالى. وقلنا: أحاديث الجمعة، بمجموعها، بعضها بأفرادها حسنة، وبعضها بمجموعها ترتقي إلى الحسن، وبعضها ترتقي إلى الحسن بمجموع طرقها. طيب، قوله رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، وقوله: «ناظرة»، من النظارة، وهي البهاء والجمال، وهو البهاء والجمال، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، إلى ربها ناظرة. وقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، كما ذكر العلماء: أن النظر إذا عُدي بإلى، فإنه لا يكون إلا بمعنى النظر الحقيقي، بعيني الرأس، إلا بالنظر الحقيقي بعيني الرأس؛ فهذه الآية دليل، فيها دلالة واضحة إلى أنهم يرونه؛ لأن الآية افتتحت بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ ماذا؟ ناظرة، أي: فيها نظارة، فيها جمال، وفيها بهاء. ثم قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾؛ فهي تنظر إلى ربها عز وجل بأتم صورة، وبأجمل صورة، وبأحسن صورة. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. قال: «فلما حجب أولئك في حال السخط، دلنا على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق». أيضًا، هذه الآية استدل بها من استدل من الأئمة. ومن هؤلاء الأئمة الذين استدلوا بها: الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فيما ثبت عنه: أنه قال: «إن هذه الآية فيها معنى، فيها دلالة على أن المؤمنين يرون ربهم عز وجل؛ إذ أن الله عز وجل قال في الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؛ فكان من عقوبة الكفار: أن الله عز وجل احتجب عنهم، أن الله عز وجل احتجب عنهم؛ فدل على أن من نعيم المؤمنين فيه الجنة: أنهم يرون ماذا؟ أنهم يرون ربهم عز وجل». واضح هذا الأمر؟ لما حجب الكفار عن رؤيته سبحانه وتعالى في حال السخط، دل على ماذا؟ دل على أن المؤمنين يرون في حال الرضا، وإلا لاستوى الأمران، وإلا لاستوى المؤمنون مع الكافرين. واضح هذا الأمر أم لا؟ وهذا لا يكون في حكمة الله عز وجل؛ فإن الله عز وجل لا يسوي بين المختلفات، ولا يجمع بين المختلفات، ولا يفرق بين المتماثلات. ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾. وقال رحمه الله تعالى: وقال النبي صلى الله عليه وسلم... طيب، قبلها قال: قال ابن قدامة... فلما حجب أولئك في حال السخط، دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهما فرق. واضح الدلالة، دلالة واضحة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته». وهو حديث كما قال الشيخ رحمه الله تعالى: متفق عليه، جاء من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه وأرضاه. وهذا الحديث كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى: أن الأمة تلقته بالقبول. أن الأمة تلقت هذا الحديث بالقبول. وقوله رحمه الله تعالى: وفي الحديث قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر». «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر». وفي إشارة إلى القمر قال: «لا تضامون في رؤيته»، لا تضامون. قال: «تضامون»، أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض، لا ينضم بعضكم إلى بعض؛ فيحصل في الرؤية تشويش. قال: «بل معنى أنكم كلكم ترونه على حالكم، كلكم ترونه على حالكم، دون أن يحصل منكم ضيم». سواء كان بأن ينضم البعض إلى البعض، أو ضيم بمعنى ماذا؟ بمعنى الظلم، بمعنى أن بعضكم يظلم بعضًا. بل الكل يرون ربهم عز وجل، وهم في حالهم، وهم في حالهم دون أن يحصل لهم ضيم. قال رحمه الله تعالى: وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا للمرء بالمرء؛ فإن الله تعالى لا شبيه له، ولا نظير له. قوله رحمه الله تعالى: وهذا، أي: الحديث، فيه تشبيه للرؤية بالرؤية؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليهم إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر»، كما ترون هذا القمر؛ فيه ماذا؟ تشبيه الرؤية بالرؤية؛ بأنها رؤية واضحة، وأنها رؤية حقيقية. واضح هذا الأمر أم لا؟ لا تشبيه المرء بالمرء، أي: تشبيه القمر بماذا؟ بالله عز وجل. لماذا؟ لأن الله عز وجل ليس كمثله شيء؛ لأن الله عز وجل ليس كمثله شيء. فدل على أن الله عز وجل لما قال، أو النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر»، أراد ماذا؟ تشبيه الرؤية بالرؤية؛ أي: أنكم ترون ربكم عز وجل رؤية واضحة، جلية، بينة، كما ترون هذا البدر، كما ترون هذا البدر. لا تضامون في رؤيته البدر. هل الناس ينضم بعضهم إلى بعض فيراه بعض دون بعض؟ الجواب ماذا؟ الناس كلهم يرونه. الناس كلهم يرونه ممن كان ذا عينين. فهذا من هذا الباب. فهذا من هذا الباب. طيب، هذا كما يقال: مختصر في الكلام على ماذا؟ على مسألة الرؤية. ومن المسائل التي أشار إليها ابن قدامة رحمه الله تعالى. قوله: «فلما حجب أولئك»، أي: الكفار، «في حال السخط»، دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضا، وإلا لم يكن بينهم فرق. وها هنا مسألة، وهي: هل الكفار يوم القيامة يرون الله عز وجل أم لا؟ هل الكفار يرون الله عز وجل يوم القيامة أم لا؟ قال الشيخ لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: قال القاضي أبو يعلى: «كانت الأمة في رؤية الله بالأبصار على قولين: منهم من ينكر الرؤية، وهم المعتزلة، والنجارية، وغيرهم من الموافقين لهم على ذلك. والفريق الآخر: أهل الحق، والسلف من هذه الأمة، متفقون على أن المؤمنين يرون الله في المعاد، وأن الكافرين لا يرونه». قال الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «فثبت بهذا إجماع الأمة ممن يقول بجواز الرؤية، وممن ينكرها، على منع رؤية الكافرين لله». واضح الشاهد من هذا الكلام كله؟ قال: «فثبت بهذا إجماع الأمة ممن يقول بجواز الرؤية، وممن ينكرها، على منع رؤية الكافرين لله». وكل قول حادث بعد هذا الإجماع، فهو مردود. واضح هذا الأمر أم لا؟ فالكفار لا يرون ربنا عز وجل بإجماع. وإنما وقع الخلاف كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في موطن آخر: بعد القرون الثلاثة. أي: ذكر الخلاف في المسألة. أما عند القرون الثلاثة الأولى، فليس فيهم، أو ليس عندهم خلاف في أن الكفار لا يرون ربهم عز وجل. وأثر الشافعي السابق يدل على ماذا؟ يدل على أن الكافرين لا يرون ربهم عز وجل. طيب، وبقي أمر آخر، وهو كما قال أيضًا شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الباب. قال: «وإنما المهم الذي وجب على كل مسلم اعتقاده: أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة، في عرصات القيامة، وبعد ما يدخلون الجنة». واضح هذا الأمر أم لا؟ يقول الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وإنما المهم الذي وجب على كل مسلم اعتقاده: أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة، في عرصات القيامة، وبعد ما يدخلون الجنة». إذن: هذا خلاصة هذا المبحث في هذا الباب: أنه يجب على المؤمنين يجب على المؤمنين اعتقاد أن الله عز وجل يراه المؤمنون في موضعين: في عرصات القيامة، وبعد دخولهم، أو عند دخولهم، أو وهم في الجنة، يرونه في العرصات، وبعد ما يدخلون الجنة. هذا خلاصة هذا المبحث في هذه المسألة. قال رحمه الله تعالى: «فصل القضاء والقدر». طيب، قال رحمه الله تعالى: «فصل القضاء والقدر». قال: «ومن صفات الله تعالى: أنه فعال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد عن القدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور. أراد ما العالم فاعلوه. ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه. خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم. يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته». قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. قال الله تعالى... طيب، عندكم أيش هنا؟ «يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته». هكذا جاء في المخطوط، وهو لعله أصوب. «يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته». ويضل من يشاء بحكمته. هكذا جاء في المخطوط، وهو المناسب للسياق. فكأنه وقع سقط في هذه النسخة. طيب، قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾. وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾. ورواه ابن عمر عن أبيه: أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما الإيمان؟» قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». فقال جبريل: «صدقت». رواه مسلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمنوا بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره». ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمه الحسن بن علي: يدعو به في قنوت الوتر: «وقني شر ما قضيت، وقني شر ما قضيت». قوله رحمه الله تعالى: «فصل»، الفصل يستخدم للفصل بين موضوعين. وقوله: «فصل القضاء والقدر»، أي: انتقال إلى الكلام على مسألة القضاء والقدر. والشيخ رحمه الله تعالى في هذا الكلام نذكر، ذكر عدة مسائل، بل ذكر فيه مسائل كثيرة، وكثيرًا. مسائل قضاء والقدر، وبل ومسائل كبيرة. فنشير إلى هذه المسائل إشارات خفيفة، تتناسب مع مستوى الدرس هذا. قال رحمه الله تعالى: «ومن صفات الله تعالى: أنه الفعال لما يريد». بقول الله عز وجل: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾؛ فمن صفات الله عز وجل: أنه فعال لما يريد. وصيغة فعال: صيغة مبالغة، تدل على ماذا؟ تدل على الكثرة في الفعل؛ وأن الله عز وجل يفعل فعلًا بعد فعل؛ فهو كما سمعتم: يدل على المبالغة في الفعل. فقوله: «ومن صفات الله تعالى: أنه الفعال لما يريد»، وقول: «لما يريد»، بمعنى: أن الله عز وجل ما أراد الله عز وجل كان، ما أراد الله عز وجل كان؛ لا يمنعه شيء، ولا يحجزه شيء سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته». قوله: «لا يكون شيء إلا بإرادته»، الإرادة هاهنا: إرادة كونية. والإرادة تنقسم إلى قسمين: الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية، وإرادة كونية. إرادة شرعية بمعنى المحبة. وإرادة كونية بمعنى المشيئة. بمعنى المشيئة. هذا هو الضابط في هاتين الإرادتين، وفي التفريق بين هاتين الإرادتين؛ بمعنى: أنك إذا أردت أن تعلم، أو تفرق بين هاتين، فاجعل مكان الإرادة المحبة؛ إن صح وضع المحبة مكان إرادة، فهي إرادة شرعية. وإن لم يصح، وصح أن تكون إرادة مشيئة مكان الإرادة، فهي إرادة ماذا؟ فهي إرادة كونية. ووضع هذا واضح أم لا؟ إذا صح وضع المحبة بدلًا من الإرادة، فهي إرادة شرعية. وإذا صح وضع المشيئة بدلًا من الإرادة، فهي إرادة كونية. ووضع هذا واضح أم لا؟ طيب، والفرق بينهما: أن الكونية لا بد أن تقع. الكونية لا بد أن تقع. وقد يحبها الله، وقد لا يحبها. والشرعية قد تقع، وقد لا تقع. ولكن الله عز وجل يحبها. قوله رحمه الله تعالى: «لا يكون شيء إلا بإرادته»، يكون... لا يكون شيء إلا بإرادته. هنا مشيئة، أو إرادة إرادة كونية، أو إرادة شرعية؟ ولماذا؟ أحسنت، أنها وقعت. وما وقع، فهو ماذا؟ فهو بمشيئة الله عز وجل. لا يقع شيء إلا بماذا؟ إلا بمشيئته. وهذا الواقع قد يحبه الله، وقد ماذا؟ وقد لا يحبه. قال رحمه الله تعالى: «وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره». ما هناك شيء يخرج إلا عن ماذا؟ إلا لا يخرج عن تدبير الله عز وجل أبدًا. ولا يصدر إلا عن تدبيره؛ فالله عز وجل خلق وأوجد هذه الأشياء بماذا؟ بتدبيره سبحانه وتعالى. قال: «ولا محيد عن قدر المقدور، ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور». في اللوح المسطور. أراد ما العالم فاعلوه. وقوله: «ولا يتجاوز ما خط في اللوح المسطور»، أيضًا، هذا فيه إشارة إلى ما تقدم من أن كل شيء قد سطر وكتب، وهو مقدر على العباد لا محالة. وقوله رحمه الله تعالى: «أراد ما العالم فاعلوه»، أي: إرادة كونية. إرادة كونية بمعنى: أن أراد ما العالم فاعلوه، ما فعلوه، فهو وقع بإرادة الله عز وجل. ليس كما يقول القدرية: أنهم فعلوه بغير إرادة الله عز وجل. وهذا المبحث من أوله إلى آخره، وهو يتكلم على من يرد على هؤلاء القدرية، يرد على هؤلاء القدرية الذين يقولون: إن الله عز وجل لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها. وأن هذا الموجود في الكون، ما وقع في الكون، ليس هو بتقدير الله عز وجل، ولا بسابق علمه. إنما وقع بفعل العباد عند أنفسهم، لا إرادة ولا مشيئة لله عز وجل عليهم. قال رحمه الله تعالى: «ولو عصمهم لما خالفوه»، أي: لو أن الله عز وجل عصمهم عن المعاصي، ووفقهم إلى الطاعة، لما خالفوه. ولكن لما منع الله عز وجل عنهم التوفيق، ووكلهم إلى أنفسهم، حصل منهم ما حصل من المعاصي. قال: «ولو شاء أن يطيعوه جميعًا لأطاعوه». أين هو؟ أشاء سبحانه وتعالى. وكانت مشيئته بأن يطيعوه جميعًا لأطاعوه؛ كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾؛ فالله عز وجل مع أنه لو شاء، ولو أراد كونًا أن يجعل الناس أمة واحدة، كلهم على الطاعة، لا... وقد هذا. ولكن شاء الله عز وجل أن يكون الناس مختلفين، لحكمة عظيمة علمها الله عز وجل، وعلم بعضها من علم من أصفياء عباده. قال: «ولو عصمهم لما خالفه، ولو شاء يطيعوه جميعًا لأطاعوه». «خلق الخلق وأفعالهم»، وهذا كذلك فيه رد على طائفة أخرى من القدرية؛ لأن القدرية قسمان، أو طائفتان: قدرية غلاة، وهؤلاء هم الذين نفوا العلم السابق عن الله عز وجل. وهؤلاء كفار بإجماع. وهؤلاء كفار بإجماع. طائفة أخرى من القدرية: من قال: إن أفعال العباد مخلوقة للعباد، ليست مخلوقة لله عز وجل. طائفة أخرى من القدرية: من قال: إن أفعال العباد مخلوقة للعباد، وليست مخلوقة لله عز وجل. وهؤلاء ظلالهم العلماء، وتكلفوا فيهم، وحذروا منهم. فالقدرية كما سمعتم: على قسمين. الطائفة الأولى كفار باتفاق. والطائفة الثانية ظلال؛ لأنهم وقع منهم تأويل؛ لأنهم وقع منهم نوع تأويل في هذه المسألة. فلذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: «خلق الخلق وأفعالهم»، رد على من؟ على الطائفة الأولى والثانية. والكلام الأول على الطائفة الأولى. والكلام الأول على الطائفة الأولى. «وقدر أرزاقهم وآجالهم»، هذا رد على القدرية عمومًا. قال: «يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته». إلى هنا نكتفي، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على