الدرس في كتاب الصلاة 83، ألقاها
شرح حديث ابن عباس حول جمع النبي بين الصلاتين في السفر وتوضيح شروط الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء. يبين أهمية السفر كشرط للجمع.
يتناول آراء الفقهاء حول الجمع بين الصلاتين في السفر، حيث اختلفوا بين جواز الجمع مطلقا أو في حالات محددة مثل عرفة ومزدلفة. الراجح هو جواز الجمع مطلقا.
اختلاف أهل العلم في جمع الصلاة للمسافر بين القول بالجمع أو التفريق، واشتراط نية الجمع وترتيب الصلاتين. الجمهور لا يشترط نية الجمع.
بيان كيفية جمع النبي بين الصلاتين في السفر وعدم صلاة على صلاة، مع ذكر جزء من دعائه صلى الله عليه وسلم.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في باب "الجمع بين الصلاتين في السفر": الجمع كما يقول العلماء هو الضم، ضم شيء إلى آخر، ضم شيء إلى آخر. وقوله "بين الصلاتين" أي ضم صلاة إلى أخرى، ضم صلاة إلى صلاة أخرى. وشرح الكلام على هذا، على ما هي الصلوات التي يجوز ضم بعضها إلى بعض، وما لا يجوز ضم بعضها إلى بعض. وقوله رحمه الله تعالى "في السفر" إشارة إلى أن هذا الحكم يكون في ماذا؟ في السفر. وهو الجمع بين الصلاتين. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع في السفر بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء". قوله رحمه الله تعالى "عن عبد الله بن عباس" تكرر معنا مرارا، وهو حبر الأمة رضي الله عنه وأرضاه، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع في السفر". قوله "يجمع في السفر" يدل على ما بوب عليه الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى. "يجمع في السفر بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير". قوله "إذا كان على ظهر سير" إذا كان في ماذا؟ في مسير. وقع خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة. وسيأتي الكلام عليها بإذن الله عز وجل في المسائل. وقوله "ويجمع بين المغرب والعشاء" فيه إشارة إلى أن المراد بالجمع بين الصلاتين أن المراد به الجمع بين الظهر والعصر فقط، وبين المغرب والعشاء. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء. واستدل له بحديث ابن عباس الذي هو بين أيدينا، وحديث ابن عمر قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين المغرب والعشاء إذا جد به السير". ذهب كثير من الصحابة والتابعين ومن الفقهاء كالثوري والشافعي وأحمد وأصحاب وأشهب من المالكية إلى جواز الجمع بين الصلاتين في السفر مطلقا. وبوّب عليه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه. وقال قوم: لا يجوز الجمع مطلقا إلا بعرفة ومزدلفة، وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه. وأجاب عن هذه الأحاديث بأنه إنما هو جمع صوري. تعقب هذا القول بأن الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقا من الإتيان بكل صلاة في وقتها. ومن الدليل على الجمع، ومن الدليل على أن الجمع رخصة، قول ابن عباس رضي الله عنهما: أراد أن لا يحرج أمته. ﴿أخرجه مسلم﴾. قال الحافظ في الفتح: إن الإخبار جاء صريحا بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وذلك هو المتبادر إلى الفهم من لفظ الجامع. وفي المسألة قول ثالث، وهو أن الجمع يقتصر بمن يجد في السير، قاله الليث وهو المشهور عن مالك. وقول رابع: أنه يقتصر بالمسافر دون النازل، وهو قول ابن حبيب من المالكية. والراجح القول الأول، لما تقدم من الأدلة، سواء كان على ظهر سير أو كان نازلا. وله الجمع وله التقديم وله التأخير. ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن جمع التأخير أفضل، وذلك لأمرين: الأول لأن أحاديث الجمع التأخير أصح. والثاني لأن تأخير الظهر إلى وقت العصر يجوز على قول جماعة من أهل العلم. ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع: ولا يجوز جمع الصبح إلى غيرها، ولا المغرب إلى العصر بالإجماع. وذكر بعض أهل العلم أن الجمع بين صلاة الجمعة والعصر لا يجوز. أيهما أفضل: الجمع أم التفريق في صلاة المسافر؟ قولان لأهل العلم، هما روايتان عن أحمد. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى التفريق. قال: لأنه السنة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه المداومة في الجمع. والقائلون بأن الجمع أفضل قالوا: لأنه أكثر تخفيفا وسهولة. مسألة أخرى: إذا دخل وقت الظهر على مسافر وهو يريد أن يرتحل، صلاها وارتحل. فإذا دخل وقت العصر صلاها كذلك. وله أن يؤخر الأولى إلى وقت الثانية. هل يشترط للجمع نية؟ خلاف بين أهل العلم. فذهب طائفة من أهل العلم إلى اشتراطها، وممن ذهب إلى ذلك الشافعي وأحمد في رواية. وذهب الجمهور إلى عدم اشتراط النية. والراجح عدم اشتراط النية، لعدم وجود ما يدل على هذا الشرط. وأدلة الجمع فيها إشارات لمن تأملها لعدم اشتراط الجمع. هل يشترط للجمع الموالاة؟ قولان لأهل العلم. والصواب عدم اشتراط الموالاة. قال العلامة ابن عثيمين: واختار شيخ الإسلام أنه لا تشترط الموالاة بين المجموعتين. هل يشترط الترتيب للجمع بين الصلاتين؟ هذا الشرط شرط لازم، ولا يعلم فيه خلاف بين أهل العلم. ومعنى الترتيب أن يبدأ بالظهر قبل العصر، والمغرب قبل العشاء. واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». والنبي صلى الله عليه وسلم ما قدم صلاة على صلاة، ولكن جمع بين الصلاتين. إلهنا سبحانك، اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.