50-باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً وأنه يأرز بين المسجدين . 51-باب الاستسرار بالإيمان للخائف. 52-باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع . 53-باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة . 54-باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته . 55-باب نزول عيسى ابن مريم حاكماً بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . 56-باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان .
يتناول شرح بداية الإسلام وغربته وعودته إلى الغربة، مركزًا على الأحاديث النبوية التي تؤكد هذا المعنى وتشرح ظاهرة الفتن وتأثيرها على الإيمان. يُفصّل مسائل إيمانية متعلقة بزيادة الإيمان ونقصانه وفتن آخر الزمان.
يشرح حديث النبي حول بداية الإسلام وعودته إلى الغربة، ويتناول مسائل إيمانية متعلقة بزيادة الإيمان ونقصانه، وفتن آخر الزمان، وفضل مكة والمدينة، وطرق النجاة من الفتن، وأهمية العلم والعمل الصالح في حفظ الإيمان.
يناقش بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالتأليف والكتابة والإحصاء في الإسلام، ويشرح مشروعية هذه الأعمال عند الحاجة إليها، كما يتطرق إلى نزول عيسى بن مريم عليه السلام وأحكام ذلك مثل تحريم الخنزير ووضع الجزية.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب بياني أن الإسلام بدى غريبًا وسيعود غريبًا وأنه يأرز بين المسجدين. قال حديث حذيفة رضي الله عنه: قال كنا جلوسًا عند عمر رضي الله عنه، وقال: أيكم يحفظ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قال: قلت أنا، كما قاله. قال: إنك عليه أو عليها لجريء. قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي. قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: يكسر أم يفتح؟ قال: يكسر. قال: إذن لا يغلق أبدًا. قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة. إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط. قال: فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروقًا فسأله، فقال: الباب عمر. قال: أخرجه البخاري في كتاب مواقع الصلاة، باب الصلاة كفارة. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها». قال: أخرجه البخاري في كتاب فضائل المدينة، باب الإيمان يأرز إلى المدينة. قال: باب الاستسرار بالإيمان للخائف. قال حديث حذيفة رضي الله عنه: قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس». فكتبنا له ألفًا وخمسمائة رجل. فقلنا: نخاف ونحن ألفا وخمسمائة. فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف. قال: أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب كتابة الإمام للناس. قال: باب تألف قلب من يخاف على إيمانه أو يخاف على إيمانه لضعفه، والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع. قال حديث سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى رهطًا وسعد جالس. فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا هو أعجبهم إليه. فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا. فقال: «أو مسلمًا؟» فسكت قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي. فقلت: ما لك عن فلان؟ فوالله إني لا أراه مؤمنًا. فقال: «أو مسلمًا؟» فسكت قليلًا، ثم غلبني ما أعلم منه، فعدت لمقالتي. وعاد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «يا سعد، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار». أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة. قال: باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال: ولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي». ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد. ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي. أخرجه البخاري بكتاب الأنبياء، باب قوله عز وجل: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾. قال: باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». قال: أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل. قال حديث أبي موسى: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران». قال: أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب تعليم الرجل أمته وأهله. قال: باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، فيفيض المال حتى لا يقبله أحد». قال: أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب قتل الخنزير. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم؟» أخرجه البخاري بكتاب الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم عليهما السلام. قال: باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها». ثم قرأ الآية. أخرجه البخاري بكتاب التفسير، سورة الأنعام، باب قول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾. قال حديث أبي ذر رضي الله عنه: قال: دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس. فلما غربت الشمس، قال: «يا أبا ذر، هل تدر أين تذهب هذه؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب تستأذن في السجود، فيؤذن لها. وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها». ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا﴾. أخرجه البخاري بكتاب التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. أورد رحمه الله تعالى هذه الأبواب وما فيها من أحاديث لتضمنها لمعاني هذا الكتاب، كتاب الإيمان، في الأحاديث التي اتفق عليها الشيخان. وأول هذه المجموعة من الأبواب قوله: باب بيان أن الإسلام بدى غريبًا وسيعود غريبًا وأنه يأرز بين المسجدين. وأورد حديث حذيفة، وقد أورده البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى عن الأعمش، قال: حدثني الشقيق، قال: سمعت حذيفة، فذكره بلفظه. وحديث أبي هريرة أورده البخاري في الباب المشار إليه بلفظه، فقال: حدثنا إبراهيم بن المندر، قال: حدثنا أنس بن عياب، قال: حدثني عبيد الله عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة، فذكره بلفظه. وقد انفرد الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بحديث فيه: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء». وهو من أفراد مسلم في هذا الباب. وهكذا كذلك انفرد مسلم بحديث عن ابن عمر، وهو من أفراده في هذا الباب، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية». ومعنى المسجدين: أي مكة والمدينة. ومعنى أن الإسلام بدأ غريبًا: أهله في قلة وفي غربة، لا يعرفه الكثير من أهل الأرض. وسيأتي على الناس زمان بعد انتشار الإسلام وتوسعه أن يرجع إلى ما كان من غربته وجهل الناس به وقلة أهله، حتى يرجع من حيث بدأ، حسًا ومعنى، فيكون أهله بين المسجدين: مكة والمدينة، أي في هذا الموضع. وجاء في حديث حذيفة رضي الله عنه لفظ انفرد به مسلم، وهو قوله في لفظ له: حين حدث عن الفتن، وأنها تعرض على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، حتى تصير القلوب على قلبين، إلى آخر الحديث المشهور، وهو من ألفاظ حديث حذيفة المتفق عليه، لكنه انفرد به مسلم رحمه الله تعالى. وفي هذا الباب وما فيه من أحاديث مسائل كثيرة، من أهمها: إثبات زيادة الإيمان ونقصانه، من جهة أحوال الناس، ومن جهة كذلك الناس أجمعين والأرض، فهو يزيد وينقص ويذهب ويأتي. فإذا كان كذلك، فهو في حق الفرد من باب أولى أنه يزيد وينقص. والناس يتفاوتون في العلم بالإسلام والعمل به، وبقدر تفاوتهم يزيد إيمانهم وينقص. وقد ضرب الله عز وجل مثل المؤمن في آيات من كتابه بمثل المطر النازل من السماء، والأودية التي في الأرض تمشي بالماء. فالناس كالأودية، منها الوادي الصغير ومنها الوادي الكبير، وذلك على قدر أخذهم من العلم والعمل. فكما أن الوادي الصغير يأخذ ماءً صغيرًا قليلًا، فكذلك الوادي الكبير يأخذ ماءً كثيرًا. فكذلك قلوب الناس وأعمالهم بالنسبة للعلم والعمل بهذا الدين، فهم يتفاوتون في دينهم وإيمانهم كتلك الأودية صغارًا وكبارًا. وهكذا كذلك حال أهل هذا الدين. وكذلك فيه من المسائل: هذا الذي هو من دلائل نبوة صدق رسالة عليه الصلاة والسلام مما سيكون في آخر الزمان، وهو حق وصدق نؤمن به كما أخبر عليه الصلاة والسلام. وفيه من المسائل: فضل مكة والمدينة، وأنها من أفضل بقاع الله، وكذلك فضل السكن فيهما. وفيه من المسائل كذلك: مواضع النجاة من الفتن. وفيه من المسائل كذلك: ما يحرص عليه المسلم من العلم والعمل، فإن ذلك من دواع حفظ الإيمان. وفيه من المسائل: فضل حملة العلم، أهل الغربة، فإنهم حفظة هذا الدين. فالمسلم يحرص على ملازمتهم والقرب منهم، فإنهم يكونون من أهل النجاة. وهكذا كذلك فيه من المسائل: بيان أقسام الفتن، وأن منها فتن لا يسلم منها زمان ولا مكان ولا أحد، وهي فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره. والمراد بها: ما قد يبتلى به، فتكون به السقطات والزلات. فهذه تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي، أي النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيه دليل كذلك على إثبات ما أثبت أهل السنة والجماعة من تكفير السيئات بالحسنات، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. وفيه دليل كذلك على ما يجب أن يصبر عليه المسلم فيما يبتلى في أهله وماله وولده وجاره، وأن هذا مما يكثر فيه الامتحان والابتلاء، فعليه لزوم الشرع في ذلك. وفيه من المسائل كذلك: ذكر الفتن الكبار التي تموج كموج البحر، والمراد بها: الفتن التي تكون بها سفك الدماء وذهاب الأمن وحصول الشر للناس عامة. فهذه من الفتن الكبار، وأولها ومفتتحها كان بموت عمر رضي الله عنه أرضاه. وهذا هو قوله: «دونك ودونها باب»، يا أمير المؤمنين، أي أنك لا تدرك هذا الزمان. وعلم عمر رضي الله عنه أنه الباب، ولهذا جاء في بعض الروايات أنه استرجع رضي الله عنه أرضاه. ومعنى قوله: «أن دون الغد الليلة»: أي تأكيد أنه علمه حقيقة وعرفه عن قرب. وكذلك فيه من المسائل: فضل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرضاه، فإنه الباب الذي حفظ الله عز وجل به الفتن عن المسلمين حتى توفاه الله، فكان في ذلك ما كان للمسلمين. وفيه من المسائل: علم آخر من علام ودلائل نبوة عليه الصلاة والسلام، إذ أخبر بموت عمر رضي الله عنه. وقد أخبر بذلك في أحاديث كثيرة، كقوله عليه الصلاة والسلام حين اهتز أحد: «أثبت أحد، إنما عليك نبي وصديق وشهيدان». ويريد بالشهيدين: عمر وعثمان رضي الله عنهما. وفيه إثبات الشهادة لهذين الخليفتين الراشدين رضي الله تعالى عنهم جميعًا وأرضاهم. وفيه من المسائل كذلك: ما أخبر في هذا الحديث مما تكون به النجاة من الفتن، كما جاء في رواية مسلم في ذكر عرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا. فإن مما ينجي من الفتن: عدم الاستشراف لها، فلا يستشرف ولا يشرئب لهذه الفتن، كما جاء في الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي». ومعنى هذا وغيره مما ورد في هذا الباب: أن لا يستشرف الإنسان الفتن، فضلًا أن يخوض فيها. فالواجب على المسلم أن يعرض عنها بقلبه وبصره وأذنه ولسانه وسائر جوارحه، فذلك أدعى أن ينجو منها. ولهذا إذا خاف على نفسه منها، فليعتزل المدن إذا كانت في المدينة، وليذهب إلى البادية، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خير مال المسلم يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها الرجل شعف الجبال، مواضع القطر، يفر بدينه من الفتن». وفيه كذلك من المسائل: التعليم بضرب الأمثال، فإن خصوصًا المحسوسة، فإنه يقرب المعلوم المعنوي إلى محسوس، ويؤكده. ثم أورد باب الاستسرار بالإيمان للخائف، وأورد حديث حذيفة، قد أورده البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة، فذكره بلفظه. وفي هذا الحديث ما أشار إليه وبوّب به من جواز أن يستسر الإنسان بالإيمان إذا خاف على نفسه. وقد ذكر لنا في الكتاب والسنة من هذا أمثلة ونظائر. فهذه امرأة فرعون أسرت بإيمانها، ومع ذلك كانت مؤمنة. وهكذا النجاشي. وفي هذا دليل كذلك على جواز إخفاء شعائر الدين، فضلًا عن أصل الدين، إذا ثبت إخفاء أصل الدين، فكذلك شعائر الدين. وهنا يأتي ويرد سؤال: وهو هل من الإخفاء أن يجاهر المخفي بالكفر؟ الجواب في هذا تفصيل: إذا كان ذلك على وجه الإكراه والإضطرار، فقد قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. وأما إذا لم يكن كذلك، فلا يجوز، فلا يجوز أن يفعل أو يقول الكفر. وأما إذا أكره، فالضرورات تبيح المحظورات، على أن بعض المسائل استثنى العلماء فيها الإكراه، وذلك بأوصافها وشروطها، كما هو موضح ومجلى في مواضعه في كتب ومسائل التوحيد. فليس كل أحد يُعذر، ولا كذلك في كل حال تكون ضرورة. وكذلك من باب أولى إذا كان هذا في فعل الممنوع، فالتأخر في ترك الواجب إذا خشي الضرر، جاز له الاستسرار به، لا أن يتركه بالكلية. فاستسر في عباداته وواجبات هذا الدين. وفي هذا الحديث كذلك من المسائل: ما أشير إليه من معنى الكتابة، ففيه مشروعية وجواز الإحصاء والكتابة. وفي هذا دليل على أن تدوين عمر رضي الله عنه كان عن سنة سبقت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أول تدوين حقيقة كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أمر بكتابة وإحصاء المسلمين. ففي رواية مسلم: «أحصوا لي من تلفظ بالإسلام». وفي رواية: «اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام». وهنا إشكال: جاء في بعض الروايات في حديث الأعمش أنهم خمسمائة دون ذكر الألف. وجاء في رواية أبي معاوية أنهم بين الستمائة إلى السبعمائة. وقد رجح بعضهم رواية الثوري التي فيها ذكر ألف خمسمائة، لأنها بالجزم، وممن هو أوثق، ووفق في هذا. وفيها ذكر الأكثر، كما صنع الإمام البخاري رحمه الله. وبعضهم وجهوا بتوجيه، فقال: كلها صحيحة، لكن نقل بعضهم بحسب ما ذكر، فيكون أحصوا أولًا خمسمائة، ثم ستمائة، ثم سبعمائة، ثم كان آخر الإحصاء ألف خمسمائة. وبعضهم قال: بل كان الإحصاء بحسب المحصى، فمع النساء والأطفال ألف خمسمائة، ودون النساء والأطفال من ستمائة إلى سبعمائة، والمقاتلين الخلص خمسمائة. وهذه كلها أوجه يمكن أن يوجه بها في الجمع بين هذه الروايات على مذهبه وقول من صححها، وهو صنيع الإمام مسلم رحمه الله. وفي الحديث من المسائل كذلك: مشروعية الإحصاء والكتابة عند الحاجة إليه، حتى ولو كان في الأعمال الصالحة. ولهذا كان على مر التاريخ بعض الفتاوى للعلماء، وكذلك صنع بعض الأمراء من أمر الإحصاء في معاني متنوعة وعديدة عند الحاجة إليه. فإذا وقعت الحاجة، فلا بأس بالإحصاء، وليس هذا من المحدثات في دين الله عز وجل، ولكن عند الحاجة، لا على وجه التكلف. ثم ذكر باب تألف قلب من يخاف على إيمانه، وذكر حديث سعد. والمعنى فيه ظاهر في معنى التألف، فقد أورده البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرنا عامر بن سعد بن أبي وقاص عن سعد، فذكر الحديث بلفظه. والحديث فيه مسائل، من أهمها: ما أشير إليه في التبويب من مشروعية التألف، تأليف المؤلفة. وتأليف المؤلفة يكون لأحد أمرين: إما لتحبيبه لهذا الدين وترغيبه فيه، وإما لدفع شره وأذاه. وكلا المعنيين قد صحت أدلته من الكتاب ومن السنة. وفي السنة من ذلك كثير مما فعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأذن به. وهذا من هذا الكثير، وذلك في قوله: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار». وفيه كذلك: السياسة الشرعية التي يسلكها الإمام في إصلاح أحوال المجتمع، فتارة بالإعطاء، وتارة بالتفريق في الإعطاء، وتارة كذلك بإعطاء بعض والتقليل على بعض، بحسب ما يكون الحال وتقتضيه المصلحة. فإذا كان كذلك، وجب إعذار الإمام وولي الأمر ومن يقوم مقامه في هذا الباب، فلعل له مجوزًا شرعيًا، وأنت تظن أنه ليس كذلك. وما أكثر ما يحصل التحامل على الأمراء ومن كان بمعنى هؤلاء بسبب عدم فهم ما قد يراعيه هذا الراعي من المصالح وما يدرأ به من المفاسد. وفيه من المسائل كذلك: التفريق بين الإيمان والإسلام، التفريق بين الإيمان والإسلام، فإنه عليه الصلاة والسلام قال: «أو مسلمًا؟» وهذا التفريق هو على القول الذي استقر عليه قول أهل السنة والجماعة، ودلت عليه عموم النصوص: أن الإيمان شيء زائد عن الإسلام. فالإسلام لأعمال الجوارح، والإيمان يزيد عليه بما يكون في الباطن. وعليه قول الله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. وها هنا مسألة دقيقة من مسائل العلم تتعلق بهذا المبحث خاصة، وذلك أنه نقل عن بعض أهل الحديث وأهل السنة والجماعة، بل نقل عن بعض السلف: عدم التفريق بين الإيمان والإسلام. كما نقل الحافظ بن رجب رحمه الله في شرح هذا الحديث عند الباب المشار إليه: باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، فنقل أنه نقل عن مجاهد وابن زيد ومقاتل. وجاء كذلك عن جماعة من الأئمة. ورجحه ابن نصر: أن ما ورد في معنى هذا الباب فيه دليل على عدم التفريق بين الإيمان والإسلام، وأنه شيء واحد. هكذا نقله الحافظ بن رجب في شرح هذا الباب والحديث. ونقل أنه اختاره ابن عبد البر، ونقله عن جماعة من أصحاب مالك والشافعي وداود. وذكر القول الآخر المروي عن ابن عباس وجماعة من السلف، ومن تبعهم، وقال به الإمام الكبار، وأنه قول قتادة والنقعي وابن زيد أيضًا والزهري وحماد بن زيد وأحمد. ورجحه ابن جرير، وهو قول جماهير أهل العلم: من أن الإسلام شيء والإيمان شيء زائد عليه، من التفريق بين الإيمان والإسلام. فإثبات الإيمان لا يستلزم نفي الإسلام، ونفي الإيمان لا يستلزم نفي الإسلام. فذكر هذين القولين، ولكن نبه بعض أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بعض كتبه: أن المنقول فيما نقل في هذا القول حقيقته أنه يوافق معنى كلامه، يوافق ما قيل في القول الآخر. وأما أن يظن أن الإمام البخاري لا يفرق، وهكذا ينسب لبعض الأئمة على الإطلاق، فهذا ليس بصحيح. فتبويب البخاري ها هنا يدل على التفريق، فقد قال: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، ثم زاد وقال: وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل. ثم ذكر آية الحجرات، وذكر قول الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ دِينًا قِيَمًا لِيَهْوَاهُمْ﴾، ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. فبين بهذا رحمه الله خصوصًا بعد قوله: لو كان على الاستسلام أو الخوف من القتل، لقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾، ثم قال بعده: فإذا كان على الحقيقة كقوله جل ذكره: ﴿إِنَّ الدِينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. فدل أنه رحمه الله لا يرى أنه شيء واحد. ولو قدر أن هذا القول صح وثبت، لا كان معناه أن الإيمان والإسلام قد يأتي بمعنى شيء واحد، لا معناه أنه لا يتبعض ولا يتجزأ إذا ذهب ذهب كله، كما تقول الوعيدية. فننتبه لهذا الأمر، فهو مهم. فمن قال بهذا القول، مراده هو هذا القول الذي في الحقيقة إذا تأمل ودقق فيه وجد أنه خلاف لفظي مع القول الآخر. فالنهاية يرجع إلى شيء ومعنى واحد. على أن بعض أهل العلم انتقد هذا، وقال: هو ليس بصريح، بل كلامهم يدور حول بعض المعنى الذي قال به الآخرون، وليس في ذلك شيء من الخلاف. وعلى تقدير ثبوت هذا الخلاف، فهو خلاف لفظي، ليس فيه مدخل لا من قريب ولا من بعيد للوعيدية الذين جعلوه شيئًا واحدًا، أي الإيمان والإسلام إذا ذهب بعض ذهب كله، أو ضدهم المرجئة الذين استلزموا كذلك أن يبقى كله. وكل القولين خطأ: قول الوعيدية والمرجئة. ثم ذكر بعد هذا باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة، وأورد حديث أبي هريرة، وقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: أحدثنا أحمد بن صالح، قال: أحدثنا بن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكره بلفظه. وفي هذا الحديث مسائل، من أهمها: ما أشير إليه بالتوثيق: زيادة طمأنينة القلب بكثرة الأدلة، وهو تظاهر الأدلة الذي عبر به. وقد استشكل بعض أهل العلم ما جاء في هذا الحديث: «نحن أحق بالشك من إبراهيم». فقالوا: كيف يشك النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك إبراهيم؟ والشك ينافي اليقين الذي يجب في الإيمان. فأجاب العلماء عن هذا بأجوبة، منها أجوبة ضعيفة، كقول بعضهم: كان هذا قبل النبوة. ومنها أجوبة حسنة. وقد أشار النووي إلى أقوال كثيرة، وأشار إلى أحسنها وأصحها، قال: في أحسنها وأصحها قول الإمام أبي إبراهيم المزني صاحب الشافعي، وجماعات من العلماء: أن المراد بالحديث نفي الشك. فالحديث ليس بإثبات الشك، بل فيه نفي الشك. هكذا قال رحمه الله. وذكر بعض أهل العلم جوابًا آخر هو كذلك حسن: أن المراد به ما يعرض في القلب مما يورده الشيطان، وهذا لا يسلم منه أحد، لا أنه مستقر في القلب، فضلًا أن يكون قد عبر به اللسان. فيكون المراد على إثبات هذا اللفظ على ظاهره ليس به الشك الذي ينافي اليقين، ولكن المراد به إزالة الخواطر التي لا يسلم منها قلب. فيكون قوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»: نفيًا للشك، وإثباتًا للخواطر التي قد ترد، ويذهبها ويزيلها النظر والتأمل في الأدلة المتظاهرة التي يكون بها زيادة اليقين. وهو كما قال: «ولكن ليطمئن قلبي». وفي الحديث فضل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولوط، ويوسف، وما ذكر في هذا الحديث من تواضعه عليه الصلاة والسلام لإظهار فضل هؤلاء الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، لا أنه يقع منه ذلك، كما ذكر العلماء هذا. ثم أورد باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته. وأورد حديث أبي هريرة، وقد أورده البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا مالك عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة. وأورد حديث أبي موسى، وقد أورده البخاري في الباب المشار إليه بلفظه، فقال: أخبرنا محمد بن سلام، قال: حدثنا المحاربي، قال: حدثنا صالح بن حيان عن الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. وزاد في آخر الحديث، قال الشعبي لصالح: أعطيناكها بغير شيء. قد كان يركب لمثلها إلى المدينة، أو كما قال. يعني: كانوا يتعبون في تحصيل الحديث الواحد. وفي هذا الباب وما فيه من أحاديث مسائل، أولها: ما أشير إليه من كون رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم تنسخ سائر الرسالات، فيجب الإيمان به عليه الصلاة والسلام. وكذلك أن الله لم يبعث نبيًا إلا أُيِّد بآيات ما على مثلها يؤمن الناس، فتكون بهذا قد قامت الحجة على الخلق. وفي هذا دليل كذلك على أن الواجب على من سمع برسالته عليه الصلاة والسلام أن يبحث عن الحق، فإنه لم يبعث أحد برسالة إلا وكان معه من براهين الحق ما على مثله يؤمن البشر. وهذا يفسر الحديث الذي انفرد به الإمام مسلم في هذا الباب من حديث أبي هريرة: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بأحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار». وهل في هذا دليل على عدم العذر بالجهل؟ الصواب: ليس فيه دليل على عدم العذر بالجهل، بل العذر بالجهل أصل ثابت في الشريعة، دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وكذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث امتحان أهل الفترة وإثبات العذر لهم. وهكذا كذلك كل من عنده شيء من الجل فإنه يُعذر. والجهل يختلف باختلاف الزمان والمكان. وانظر إلى حديث أبي هريرة الذي مر معنا قريبًا في الرجل الذي شك في قدرة الله حتى فعل ما فعل، ومع ذلك أدخله الله الجنة. مع أن الشك في قدرة الله اليوم يُعد مما هو معلوم في الدين للضرورة، ليس مما يُعذر إنسان فيه بجهل. ولكن هذا يدل على ما تقدم: أن الجهل يتفاوت من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان. وفي هذه الأحاديث من المسائل كذلك: فضل هذا الدين، وفيه كذلك: إذ أنه مهيم على ما سبقه من أديان. وفيه كذلك: فضل لليهود والنصارى إذا آمن بنبيه ثم آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه يؤتى الأجر مرتين. وفيه من المسائل كذلك: فضل الإحسان إلى العبد المملوك، وكذلك تأديته لحق الله وحق مواليه، فإنه يؤتى الأجر مرتين، كما في الحديث. وفيه كذلك: فضل الإحسان إلى الأمة وتعليمها، بل وجوب ذلك. ولهذا بوّب البخاري في كتاب العلم: باب تعليم الرجل أمته وأهله. وفيه كذلك: وجوب تعليم الرجل أهل بيته. فإذا كان هذا في حق الأمة، فالزوجة والوالدين والأبناء والبنات من باب أولى: أنه يجب أن يؤدي من تحته هذه المسئولية. وفيه كذلك من المسائل: هذا الحكم، وهو التزوج بالإعتاق. وهذه مسألة مشهورة معروفة. وقد جاءت لها أدلة كثيرة، بل قد صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أورد باب نزول عيسى بن مريم، وأورد حديث أبي هريرة، وقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأورد حديث أبي هريرة الذي بعده كذلك، وقد أورده البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا بن بكير، قال: حدثنا الليث، قال: عن يونس عن ابن شهاب عن نافع مولى بقيّاد الأنصاري رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه، فذكره بلفظه. ومما ذكر في هذا الباب، وهو من أفراد الإمام مسلم: ما جاء في حديث جابر بن عبد الله بمعنى هذين الحديثين. وفي أوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة». قال: «فينزل عيسى، فيقول أميرهم: صل بنا. فيقول عيسى: لا، إن بعضكم على بعض الأمراء تكرمة الله لهذه الأمة». وفيه من المسائل: ما أشير إليه من إثبات نزول عيسى عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك: أنه ينزل بحكم نبينا وشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وفي هذا تأكيد لما تقدم من نسخ شريعة الإسلام لما قبلها من الشرائع. وفيه كذلك من المسائل: إثبات تحريف اليهود والنصارى لدينهم. ومن ذلك: حكم الصليب والخنزير. وفيه من المسائل كذلك: وضع الجزية الذي فيه