الدرس السادس والعشرون:(وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في الإيمان ... شاهدت أموراً خارجة عن أنفسهم فزعم هؤلاء الملاحدة أن تلك كانت في أنفسهم).
يناقش الشيخ ابن عمر بن بريك رأي المرجئة في الإيمان مستندًا إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ويبين أن الإيمان يزيد وينقص وأن الأعمال الصالحة جزء من الإيمان. يرد على رأي المرجئة بأدلة من الشرع والعقل والحس.
يناقش المقطع قول المرجئة والجهمية في الإيمان ويبين نتائجهم الباطلة، ويقارن بين قولهم وقول الفلاسفة المشائين، مؤكدًا أن مذهب السلف هو المذهب الحق. يُظهر أن اعتبار الفاسق مؤمنًا تام الإيمان نتيجة لضلالهم.
يتناول المقطعان تحذير شيخ الإسلام من الفلاسفة ويبين أن علومهم لا تنفع، كما ينتقد ادعاء بعض الصوفية الوصول إلى منزلة النبوة أو الولاية الأعلى مستندين إلى أفكار الفلاسفة. يُظهر كيف أدى بهم هذا الاتجاه إلى عقائد فاسدة مثل وحدة الوجود.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه «الإيمان الأوسط»: قال: وبهذا وغيره يتبين فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في الإيمان، كالأشعري في أشهر قوله، وأكثر أصحابه، وطائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة، كالْماتريدي ونحوه. وتقدم معنا أن هذه الطوائف قولها ليس واحدًا، ولكن مراده رحمه الله في إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان، فهذه الطوائف جميعًا من المرجئة على تفاوت هذا الإرجاء، اتفقوا في إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان، تبعًا لقول من قال بهذا القول أولًا، وهو الجهم بن صفوان والصالحي ومن اتبعهما، وإن كان قولهم يختلف كما تقدم معنا فيما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله في أقوال المرجئة. وقوله: «كالأشعري في أشهر قوليه»، لأن له قولًا آخر ليس كذلك، ولكن هذا المشهور عن أبي الحسن الأشعري رحمه الله، وهو قد تأثر بقول الكلابية في الإيمان، والكلابية تأثروا بقول من سبقهم من الجهمية والصالحية. قال رحمه الله تعالى: حيث جعلوه مجرد تصديق في القلب، يتساوى فيه العباد، وأنه إما أن يعدم وإما أن يوجد، لا يتبعض -يعني أصل الإيمان الذي في القلب- وكذلك إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان. قال: وأنه يمكن وجود الإيمان تامًا في القلب مع وجود التكلم بالكفر والسب لله ورسوله طوعًا من غير إكراه. وأن ما علم من الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر، فلأن ذلك مستلزم لعدم ذلك التصديق الذي في القلب في الأفعال. وعلى هذا فهم يزعمون أن وقوع الكفر في الظاهر دليل للكفر في الباطن، وإن كان الجهمية يقولون -وقولهم يختلف عن قول المتأخرين من المرجئة في هذا الباب- أن وقوع الكفر في الظاهر مع وجود الإيمان في الباطن لا يقتضي كفر صاحبه، لا يقتضي كفر صاحبه. ولهذا كان قول الجهم ومن تبعه أبطل وأشد شناعة، كما تقدم من قول من بعده من المرجئة. قال رحمه الله تعالى: وأن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن الذي في القلب، بل يوجد إيمان القلب تامًا بدونها. فإن هذا القول فيه خطأ من وجوه، وقد تقدم معنى معناه. والآن سيفصل رحمه الله الجواب عليه. قال: أحدها: أنهم أخرجوا ما في القلوب من حب الله وخشته ونحو ذلك أن يكون من نفس الإيمان. وقد تقدم معنى أن الناس تفاوتون في هذا الحب وفي هذه الخشية، وهو من الإيمان الباطن، وتفاوت الناس فيه دليل على أن الإيمان الباطن أهله ليس فيه سواء، خلافًا لقول المرجئة في هذا الباب. وقد دلت أدلَّة كثيرة على أن هذا من الإيمان. قال: وثانيها: جعلوا ما علم أن صاحبه كافر -مثل إبليس وفرعون واليهود وأبي طالب وغيرهم- أنه إنما كان كافرًا لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن، وهذا مكابرة للعقل والحس، لأن العقل والحس وغير ذلك من الأدلة تشهد بخلاف هذا. فتقدم معنا أن هناك فرق بين تصديق وتصديق، فهناك تصديق ليس معه إيمان، إنما هو مجرد معرفة، كتصديق فرعون واليهود وأبي طالب. وهناك تصديق معه إيمان، هو شيء زائد عن المعرفة. وهذا المعنى ليس فقط دلت عليه أدلة الشرع، بل يجده الإنسان في نفسه ضرورة بعقله والحس الموجود في الواقع. فهناك من الكفار في واقع الناس يعلم الناس أنهم عرفوا حقيقة هذا الدين وصدقوه، ولكنهم لم يدخلوا فيه. فهل يصح أن نثبت لهم إيمانًا في الباطن؟ أم هل يصح أن نكذب بتصديقهم في الباطن مع ظهور ذلك ربما بكلامهم في الظاهر لعدم تحقق الإيمان في الظاهر؟ كلا القولين خطأ وباطل، بل الصواب أن هؤلاء كانت لهم معرفة وتصديق، هو قاصر عن معنى الإيمان الشرعي في الباطن، فلذلك كانوا كفارًا. وليس من الصواب أن نقول: وجود الكفر في الظاهر دليل على عدم وجود الإيمان في الباطن، فننفي مع هذا حتى المعرفة والتصديق التي ليست بإيمان. فتقدم معنا، وهذا إضاح منه رحمه الله: أن هذا من المكابرة والقول بالباطل. قال: وكذلك جعلوا من يبغض الرسول -يحسده كراهة كراهة دينه- مستلزمًا لعدم العلم بأنه صادق، ونحو ذلك، وهذا باطل؛ لأن علمه بكونه صادقًا شيء ناقص عن معنى الإيمان به. واضح هذا؛ فهناك شيء هو معرفة وتصديق، لكنه ليس بإيمان -أي في الباطن- وهناك تصديق مع ما يلحق به من الحب والتعظيم والطمأنينة، هذا هو الإيمان. فهذا لا يمكن أن يثبت لكافر ولا منافق. قال رحمه الله تعالى: وثالثها: أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر -من سب الله ورسوله والتثليث وغير ذلك- قد يكون مجامعًا لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحب ذلك مؤمنًا عند الله حقيقة، سعيدًا في الدار الآخرة. وهذا يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام؛ لأن قول ذلك من غير إكراه من نواقض الإسلام، من نواقض الإسلام. فإذا وقع معنى هذا السب من غير عذر شرعي، فإن ذلك يبطل الإيمان الذي في القلب إن وجد. وقد يكون علامة على عدم وجود الإيمان في القلب، هذا صحيح أو غير صحيح، صحيح يتصور مثل هذا عند المنافق. فالمنافق إذا أصابته فتنة انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. ومن ذلك: أنه قد يسب الله ورسوله، ويكون سبه وجرأته على السب مع عدم المبرر الشرعي والعذر دليل على نفاقه وكفره. وقد يكون مؤمنًا عنده شيء من الإيمان، لكن إيمان ضعيف. ولولا ضعف إيمانه لما وقع في هذا السب. وبوقوعه في السب نقض هذا الإيمان؛ فللإيمان نواقض، ومن نواقضه قول الكفر بمثل هذا السب. قال رحمه الله: ورابعها: أنهم جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة مع وجوب ذلك عليه وقدرته، يكون مؤمنًا بالله تام الإيمان، سعيدًا في الدار الآخرة. وهذه الفضائح تختص بها الجهمية دون المرجئة من الفقهاء وغيرهم -يعني من باب الإنصاف- أن هذا هو قول الجهمية. وقد يكون قاله بعض المرجئة من غير الجهمية، جهلًا بحقيقة قول من هو ينتسب إليه. فجعل الإرجاء شيئًا واحدًا، بينما حقيقة الإرجاء يتفاوت؛ فهناك من الأشاعرة والمنتسبين إليهم من قد يقول بقول الجهم، وهو لا يدري أن قول الأشعري يختلف عن قول الجهم. والحاصل من هذا: أن القول بالإرجاء بكل معانيه قول باطل. وأدلة الكتاب والسنة قد دلت على ما يجب في هذا الباب من إثبات الإيمان على الوجه الشرعي الذي لا يصح الإيمان إلا به، ولا يتم إلا به. قال: وخامسها: ويلزمهم -ويلزم المرجئة- أنهم قالوا: إن العبد قد يكون مؤمنًا تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين، ولو لم يعمل خيرًا -لا صلاة ولا صلة ولا صدقة- ولم يدع كبيرًا إلا ركبه. فيكون الرجل عندهم إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أتوا من أمانة خان، وهم صرّ على دوام الكذب والخيانة ونقض العهود، لا يسجد لله سجدة، ولا يحسن إلى أحد حسنة، ولا يؤدي أمانة، ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وفاحشة إلا فعلها، ومع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء. وهذا يلزم كل من لم يقل: أن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن. وهذا قول بعض المرجئة، ليس جميع المرجئة؛ كما تقدم. وأما بعضهم، فقد تقدم معنا: أنهم يقولون: أن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان وموجباته ومقتضياته. قال: فإذا قال: إنها من لوازمه، وأن الإيمان الباطن يستلزم عملًا صالحًا ظاهرا، كان بعد ذلك قوله: أن تلك الأعمال لازمة لمسمى الإيمان أو جزءًا منه، نزاعًا لفظيًا؛ كما تقدم. ومع ذلك لا يصوب قوله، بل يجب أن يقول: أن الأعمال الظاهرة من الإيمان، امتثالًا للنص وإغلاقًا لأبواب أهل البدع والأهواء في هذا الباب. وقد تقدم معنا بعض اللوازم الباطلة التي تستلزم هذا القول في المنافق وغيره. قال: وسادسها: أنه يلزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعًا، وألقى المصحف في الحش عمدًا، وقتل النفس بغير حق، وقتل كل من رآه يصلي، وسفك دم كل من يراه يحج البيت، وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين، يجوز أن يكون مع ذلك مؤمنًا، وليًا لله، إيمانه مثل إيمان النبيين والصديقين؛ لأن الإيمان الباطن إما أن يكون منافيا لهذه الأمور، وإما أن لا يكون منافيا. فإن لم يكن منافيا أمكن وجودها معه، فلا يكون وجودها إلا مع عدم الإيمان الباطن. وهذا القول الباطل الشنيع أفضى إلى الكفر في قول الباطنية؛ فقول الباطنية مبني على هذه العقيدة الفاسدة: ترك الشرائع الظاهرة بحجة سلامة الباطن، بحجة سلامة الباطن. ثم ذهبوا يفسرون ما في الظاهر بتفسيرات باطنية فاسدة، اقتضى التعطيل للشريعة وتحليل الكفر والزندقة والعياذ بالله. قال: وإن كان منافيا للإيمان الباطن، كان ترك هذه من موجب الإيمان ومقتضاه ولازمه، فلا يكون مؤمنًا في الباطن الإيمان الواجب إلا من ترك هذه الأمور؛ فمن لم يتركها دل ذلك على فساد إيمانه الباطن. وإذا كانت الأعمال والطرائق الظاهرة لازمة للإيمان الباطن، كانت من موجباته ومقتضاه. وكان من المعلوم أنها تقوى بقوة وتزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه؛ فإن الشيء المعلوم لا يزيد إلا بزيادة موجباته ومقتضياته، ولا ينقص إلا بنقصان ذلك. فإذا زاد ما في الباطن زاد ما في الظاهر، وإذا زاد ما في الظاهر دل على زيادة ما في الباطن، دل على زيادة ما في الباطن. فهذا التلازم يلزم هذا القول. قال: فإذا جعل العمل الظاهر موجب الباطن ومقتضاه، لزم أن تكون زيادته لزيادة الباطن، فيكون دليلًا على زيادة الإيمان الباطن، ونقصه لنقص الباطن، فيكون نقصه دليلًا على نقص الباطن، وهو المطلوب. فإذا ثبت هذا، صح ما تقدم، وهو ما يجب المصير إليه من تلازم الإيمان في الظاهر والباطن، وكله إيمان. قال: وهذه الأمور كلها إذا تدبرها المؤمن بعقله، تبين له أن مذهب السلف هو المذهب الحق الذي لا عدول عنه. وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم بصريح المعقول وصحيح المنقول، كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف. والله أعلم. وهذا قد ظهر واضحًا جليًا بما أبانه رحمه الله. لو لم يكن إلا أن يستسلم المسلم لنصوص الكتاب والسنة ويقف عندها، لكان هذا كافيًا في سلامته. فكيف إذا انضاف إلى ذلك هذه اللوازم الكثيرة بالعقل والحس وغيرها من الأدلة، ما يستلزم القول بقول السلف الصالح في هذا الباب، وهو ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة؟ قال رحمه الله: وقول جهم ومن وافقه: أن الإيمان مجرد العلم والتصديق، وهو بذلك وحده يستحق الثواب والسعادة، يشبه قول من قال من الفلاسفة المشائين وأتباعهم. والفلاسفة المشائون هم أتباع رسطو، سموا بالمشائين، قيل: لقولهم في المشيئة، وقيل: لأن علمهم كان كثيرًا ما يكون مع مشيهم. وكل القولين قد قيل في ذلك. والمقصود: أكثر البدع دخلت على المنتسبين إلى الفرق الضالة من قبل هؤلاء الفلاسفة. وكان ذلك حين تُرجمت كتب هؤلاء الفلاسفة، فدخل الشر على الكثير من المسلمين، خصوصًا وأن بعض أولئك كانت لهم سوابق من قبل أديان ومذاهب باطلة قبل إسلامهم. ولهذا ليس في السلف الصالح والقرون الثلاث المفضلة أحد من أهل البدع والأهواء، وإنما كان بعد ذلك -يعني في المقولات الباطلة الفلسفية-. قال: يشبه قول من قال من الفلاسفة المشائين وأتباعهم: أن سعادة الإنسان في مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه. كما أن قول الجهمية وهؤلاء الفلاسفة في مسائل الأسماء والصفات، ومسائل الجبر والقدر متقاربان. وكذلك في مسائل الإيمان. وهذا الكلام من خبير بصير، عالم بالمذاهب والفرق. وهذا التقارب والتوافق يدلك على تأكيد بطلان هؤلاء الظلال من أهل البدع والأهواء؛ فقولهم بعيد عن قول أهل الإسلام الصافي من السلف الصالح ومن بعدهم، وقولهم قريب من قول هؤلاء الكفار الفلاسفة الوثنيين من فلاسفة اليونان. فعلم بذلك: أن منبع هذه البدع والأهواء كان من ضلال هؤلاء الفلاسفة الوثنيين، فلاسفة اليونان. قال: وكذلك في مسائل الإيمان. وقد بسطنا الكلام على ذلك، وبينا بعض ما فيه من الفساد بغير هذا الموضع. مثل أن العلم هو أحد قوتين للنفس؛ فإن النفس لها قوتان: قوة العلم والتصديق، وقوة الإرادة والعمل. كما أن الحيوان له قوتان: قوة الحس، وقوة الحركة والإرادة. وليس صلاح الإنسان في مجرد أن يعلم الحق دون أن يحبه ويريده ويتبعه. كما أنه ليس سعادته في أن يكون عالما بالله، مقرا بما يستحقه، دون أن يكون محبًا لله، عابدًا لله، مطيعًا لله. بل أشد الناس عذابًا يوم القيامة: عالم لم ينفعه الله بعلمه. فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه، كان مستحقًا من غضب الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك. كما أن من كان قاصدًا للحق، طالبًا له، وهو جاهل بالمطلوب وطريقه، كان فيه من الضلال، وكان مستحقًا من اللعنة التي تبعده عن رحمة الله ما لا يستحقه من ليس مثله. ولهذا أمرنا الله أن نقول: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. والمغضوب عليهم علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه، والضالون قصدوا الحق لكن بجهل وضلال وضلالًا بطريقه. فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل. وهذا حال اليهود؛ فإنهم مغضوب عليهم، وهذا حال النصارى؛ فإنهم ضالون. فاليهود مثلهم مثل العالم الفاجر، والنصارى مثلهم مثل العابد الجاهل. وقد صح معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون». وهذا من باب ذكر البعض، وليس حصرًا للكل؛ وإلا فكل من سلك هذا المسلك فهو يدخل في معنى المغضوب عليهم، ومن سلك المسلك الآخر يدخل في معنى الضالين. فاليهود ليسوا كل المغضوب عليهم، ولكن هم من المغضوب عليهم. فيوجد من ينتسب إلى الإسلام من يسلك مسلك اليهود، فيلحقه غضب الله. وهكذا كذلك فيمن يسلك مسلك النصارى، فيلحقه الضلال. قال: والمتفلسفة أسوأ حالًا من اليهود والنصارى؛ فإنهم جمعوا بين جهل هؤلاء وضلالهم، وبين فجور هؤلاء وظلمهم. ومن تأمل مقولات الفلاسفة، تبين له صحة ما قال رحمه الله: فهم أشد شرًا وفسادًا من اليهود والنصارى؛ فهم الوثنيون الملحدون، جمعوا بين العلم وعدم العمل به، وبين العبادة بجهل. فهم علموا -لو لم يكن بالشرع لكان بالعقل والفطرة- فساد ما يعملونه مما ينافي العلم الذي علموه. ومن تأمل أحوال هؤلاء الفلاسفة وأممهم، وتفكر في تاريخهم، وجد العجائب. ففي تاريخ اليونان وما كان يقرره فلاسفتهم من العجائب ما يثبت لك فجور هؤلاء مع علمهم. وهكذا كذلك يدلك ظلالهم -ما هم عليه من تلك العبادات الجاهلية في وثنياتهم- فقد جمعوا بين هذا وهذا. وهذا من الجمع بين المتناقضات. فمن يسمع عن فلاسفة اليونان وما كانوا يتناقلونه من العلم، ولم يزل أهل الكفر يفتخرون بتلك العلوم، يتعجب كيف جمعوا بين هذا وبين ما كانوا عليه من الفجور، وما كانوا عليه كذلك من تلك الوثنيات. فهذا من الجمع بين المتناقضات. وشواهد ذلك في بقايا تاريخهم وممالكهم ما زالت موجودة إلى يومنا هذا، تدلك على صحة ما ذكره هذا الإمام رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: والمتفلسفة أسوأ حالًا من اليهود والنصارى -يعني إذا كانوا كذلك- فكيف يصح أن نصحح مذهب من يتشبه بهم ويسير بسيرهم -يعني من أهل البدع والأهواء-؟ قال: فإنهم جمعوا بين جهل هؤلاء وضلالهم، وبين فجور هؤلاء وظلمهم. فصار فيهم من الجهل والظلم ما ليس في اليهود ولا النصارى. حتى جعلوا السعادة في مجرد أن يعلموا الحقائق، حتى يصير الإنسان عالما معقولًا مطابقًا للعالم الموجود. ثم لم ينالوا من معرفة الله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وخلقه وأمره إلا شيئًا نزرًا قليلًا. فكان جهلهم أعظم من علمهم، وضلالهم أكبر من هداهم. وكانوا مترددين بين الجهل البسيط والجهل المركب. فإن كلامهم في الطبيعيات والرياضيات لا يفيد كمال النفس وصلاحها. وإنما يحصل ذلك بالعلم الإلهي؛ فصلاح النفس بالعلم الإلهي الذي به طمأنينة هذه النفس، واستقامتها على الفطرة التي فطر الله عز وجل الخلق عليها. قال: وكلامهم فيه «لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل». ومعنى أنه شيء صعب لا نفع فيه، شيء صعب لا نفع فيه. وهذا هو حقيقة كلامهم في الطبيعيات والرياضيات ونحوها من علوم الفلاسفة التي لم ينتفع بها لا في دين ولا دنيا. وكما ذكر شيخ الإسلام في مواضع من كتبه الأخرى: خلاصة تلك العلوم التي أطال النفس فيها قد تختصر بعبارات يسيرة قصيرة عند أهل الإسلام، تغني عن ذاك التطويل. والعجيب أن بعض المسلمين اليوم جعل أصول تلك العلوم من علوم الفلاسفة -فلاسفة اليونان- أصولًا لعلوم الطبيعيات والرياضيات. ولو تأمل العاقل منهم ذلك، لم يجد إلا أن يقول: هكذا أرادوا منا، فنفعل مثل ما فعلوا. وكم درسنا من هذه العلوم ما تتعجب كيف يرتضي عاقل أن يضيع وقته في شيء يصل إليه بعبارة مختصرة. وتعرفون ما يسمى بالمبرهنات في الرياضيات والهندسة، تملى عشر صفحات بما خلاصته سطر أو سطرين. فهو من العلم الذي لا ينفع. وما دام العلم يمكن أن يختصر، هذا هو الواجب؛ فعمر الإنسان أكثر من أن يضيع في مثل هذا الذي لا ينفع. ما كان منه نافعًا يؤخذ النافع على وجه الاختصار والاقتصار. وهذا هو كلام رحمه الله، وهذا المثل يضرب لمثل هذا المعنى. قال: فإن كلامهم في واجب الوجود -ما بين حق قليل وباطل فاسد كثير-. ومعنى واجب الوجود -يعني الله سبحانه وتعالى- في عبارة الفلاسفة والمتكلمين. قال: وكذلك في العقول والنفوس التي تزعم أتباعهم من أهل الملل أنها الملائكة التي أخبرت بها الرسل. وليس الأمر كذلك؛ بل زعمهم أن هؤلاء هم الملائكة من جنس زعمهم أن واجب الوجود هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، مع اعترافهم بأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان. ولهذا يوجد من هؤلاء الفلاسفة من هو ملحد بمعنى واجب الوجود الذي هو الإله الحق الذي يستحق العبادة. حتى جعله تارة هو هذا الكون، وتارة شيء عظيم منه هذا الكون، لا يوجد إلا في الذهن، ونحو ذلك من المقولات الفلسفية الباطلة. قال: وكذلك كلامهم في العقول والنفوس يعود عند التحقيق إلى أمور مقدورة في الأذهان، لا حقيقة لها في الأعيان. ثم فيه من الشرك بالله وإثبات رب مبدع لجميع العالم سواه، لكنه معلول له. وإثبات رب مبدع لكل ما تحت فلك القمر هو معلول الرب فوق ذلك، الرب معلول لرب فوقه. ما هو أقبح من كلام النصارى في قولهم: إن المسيح ابن الله، بكثير كثير. كما بسط في غير هذا الموضع. وهذا نهاية من يترك النقل والشرع ويعتمد على العقل؛ فإن خيالات العقول لا نهاية لها. ولهذا تختلف وتسترسل حتى يصل بها الأمر إلى مثل هذه المقولات الفاسدة. والمشهور عن فلاسفة اليونان عبادتهم للأوثان وجعل الآلهة فيها. وقد بسط شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع من كتبه -ككتابه «الرد على المنطقيين»- هذا المعنى على وجه أوسع. قال رحمه الله: وليس لمتقدمهم كلام في النبوات البتة. ومتأخروهم حائرون فيها؛ منهم من يكذب بها -كما فعل ابن زكريا الرازي وأمثاله- مع قولهم بحدوث العالم، أثبتوا القدماء الخمسة، وأخذوا من المذاهب ما هو من شرها وأفسدها. ومنهم من يصدق بها مع قوله بقدم العالم -كابن سينا وأمثاله- لكنهم يجعلون النبي بمنزلة ملك عادل. فيجعلون النبوة كلها من جنس ما يحصل لبعض الصالحين من الكشف والتأثير والتخيل. وهؤلاء الفلاسفة هم أهل التخيل الذين ذكرهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه. فجعلوا أن ما جرى على الأنبياء هو من باب التخيل، المقصود به إصلاح العالم، المقصود به إصلاح العالم. وثم جعلوا كلامًا يشبه كلام الباطنية في هذا الباب. وهذا ثمرة سلوكهم مسلك الفلاسفة. قال رحمه الله: فيجعلون خاصة النبي ثلاثة أشياء: قوة الحدس الصائب الذي يسمونه القوة القدسية، وقوة التأثير في العالم، وقوة الحس التي بها يسمع ويبصر المعقولات متخيلة في نفسه. فكلام الله عندهم هو ما في نفسه من الأصوات، وملائكته هي ما في أنفسهم من الصور والأنوار. وهذه الخصال تحصل لغالب أهل الرياضة والصفاء؛ فلهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة -هكذا زعموا- وهو من الكفر الذي كفر به فلاسفة المسلمين -أي المنتسبين للإسلام- وغيرهم من خصال أخرى كفرية وقعوا فيها. قال: وصار كل من سلك سبيلهم -كالسهروردي المقتول وابن سبعين المغربي وأمثالهما- يطلب النبوة ويطمع أن يقال له: «قم فأنذر»؛ لأنهم اتبعوا هذا الخيال مع قلة علمهم. فصاروا ينتظرون هذه الإفاضات والخيالات التي ظنوا بجهلهم أن الأنبياء اكتسبوها، فهم ينتظرونها. قال: هذا يقول: «لا أموت حتى يقال لي: قم فأنذر». وهذا يجاور بمكة ويعمد إلى غار حراء -كالمجانين- يطلبون نبوة كنبوة الأنبياء. قال: ويطلب أن ينزل عليه فيه الوحي كما نزل على المزمل والمدثر مثله. وكل منهما ومن أمثالهما يسعى بأنواع السيمياء التي هي من السحر -يعني يسلكون مسلك الكهنة والعرافين والسحرة تارة- ويسلكون مسلك الأنبياء تارة أخرى. فلا هم بهذا الطريق وصلوا، ولا هم بهذا الطريق وصلوا. فنهاية أمرهم صاروا كالمعتوهين والمجانين. ولهذا جمعوا بين باطل أهل الشر من الأمم الضالة؛ فجمعوا سحر اليهود مع وثنيات الفلاسفة مع خرافات الهند. كل ذلك يزعمون أنهم يطلبون النبوة. قال: ويتوهم أن معجزات الأنبياء كانت من جنس السحر السيميائي. ومن لم يمكنه طلب النبوة وادعاؤها لعلمه بقول الصادق المصدوق: «لا نبي بعدي» أو غير ذلك -كابن عربي وأمثاله- طلب ما هو أعلى من النبوة، وأن خاتم الأولياء أعظم من خاتم الأنبياء، وأن الولي يأخذ عن الله بلا واسطة، والنبي يأخذ بواسطة الملك. وبنى ذلك على أصل متبوعه الفلاسفة؛ فإن عندهم ما يتصور في نفس النبي أو الولي هي الملائكة من الأشكال النورانية الخيالية. فالملائكة عندهم ما يتخيله في نفسه، والنبي عندهم ما يتلقى بواسطة هذا التخيل، والولي يتلقى المعارف العقلية بدون هذا التخيل. ولا ريب أن من تلقى المعارف بلا تخيل كان أكمل ممن تلقاها بتخيل. وساعد على ذلك شياطين الجن والإنس الذين فتنوا أمثال هؤلاء الباطنية الذين وصل بهم الأمر إلى ما وصلت إليه الباطنية من تعطيل الشريعة والقول بتلك الكفريات المشهورة عن ابن عربي وابن السبعين وغيرهم. وقد بسط شيخ الإسلام القول في أمثال هؤلاء الباطنية في مواضع أخرى من كتبه. قال رحمه الله: فلما اعتقدوا في النبوة ما يعتقد هؤلاء المتفلسفة، صاروا يقولون: إن الولاية أعظم من النبوة، كما يقول كثير من الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم من النبي. فإن هذا قول الفارابي ومبشر بن فاتك وغيرهما. وهؤلاء يقولون: النبوة أفضل الأمور عند الجمهور، لا عند الخاصة. ويقولون: خاصة النبي جودة التخيل والتخيل. فجاء هؤلاء الذين أخرجوا الفلسفة في قالب الولاية، ويريدون الجمهور -يعني جمهور المسلمين- أما الخاصة يريدون بهم خاصة المتصوفة الذين زعموا أنهم عندهم من علم الحقائق ما لا يعلمه جمهور المسلمين. وهذا هو الكفر بعينه. قال رحمه الله: فجاء هؤلاء الذين أخرجوا الفلسفة في قالب الولاية، وعبروا عن المتفلسف بالولي. فهي ضلالات تقتبس بعضها من بعض، وتتدرج وتتداخل حتى أثمرت فرقًا كثيرة ضالة في أوساط المسلمين، هي مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة». قالوا: أخذوا معاني الفلاسفة وأبرزوها في صورة المكاشفة والمخاطبة. وقالوا: إن الولي أعظم من النبي؛ لأن المعاني المجردة يأخذها عن الله بلا واسطة تخيل لشيء في نفسه، والنبي يأخذها بواسطة ما يتخيل في نفسه من الصور والأصوات. ولم يكفهم هذا البهتان حتى ادعوا أن جميع الأنبياء والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم هؤلاء الأولياء، الذي هو من أجهل الخلق بالله وأبعدهم عن دين الله -يعني ولي الصوفية-. ولا يوجد في الإسلام شيء من معاني الولاية هو أعلى من معاني النبوة. وما يستدلون به من قصة الخضر عليه الصلاة والسلام ليس فيه ما يذهبون إليه من زيادة علم الولي على النبي، بل الصواب أن الخضر نبي من أنبياء الله، خصه الله بالعلم ما هو ليس عند موسى عليه الصلاة والسلام، وكلهم من أنبياء الله. وقد سماه الله عز وجل «عبدًا»، ولم يسمِ «عبدًا» في كتابه إلا لنبي أو رسول. قال رحمه الله تعالى: حتى ادعوا أن جميع الأنبياء والرسل استفادوا العلم بالله من مشكاة خاتم هؤلاء الأولياء، الذي هو من أجهل الخلق بالله وبعدهم عن دين الله والعلم بالله. وعندهم بأنه «الوجود المطلق الساري في الكائنات»، فوجود كل موجود هو عين وجود واجب الوجود. وهذا نهاية قول الباطنية. حتى جعلوا يتدرجون في الظلال فوصلوا إلى القول بعقيدة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، عقيدتان فاسدتان ضالتان. وصل إليها نهاية كفرهم حتى جعلوا الله في كل شيء، والعياذ بالله. قال: وحقيقة هذا القول قول الدهرية الطبعية الذين ينكرون أن يكون للعالم مبدع أبدعه، هو واجب الوجود بنفسه. بل يقولون: العالم نفسه واجب الوجود بنفسه. فحقيقة قول هؤلاء شر من قول الدهرية الإلهيين. وهو يعود عند التحقيق إلى قول الدهرية الطبيعيين. وكما تقدم معنا: كان هذا قول بعض الفلاسفة، لكن حوره هؤلاء الباطنية فجعلوه بشيء قريب منه، وهو عقيدة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود. قال: وقد حدثونا أن ابن عربي تنازعه والشيخ أبو حفص السهروردي: هل يمكن وقت تجلي الحق لعبد مخاطبة له أم لا؟ فقال الشيخ أبو حفص السهروردي: نعم يمكن ذلك. فقال ابن عربي: لا يمكن ذلك. وأظن الكلام كان في غيبة كل منهما عن صاحبه. فقيل لابن عربي: إن السهروردي يقول كذا وكذا. فقال: «مسكين، نحن تكلمنا في مشاهدة الذات، وهو يتكلم في مشاهدة الصفات». فزعم أنه قد وقع له معنى مشاهدة الذات. تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. قال: وكان كثير من أهل التصوف والسلوك والطالبين لطريق التحقيق والعرفان -مع أنهم يظنون أنهم متابعون للرسل، وأنهم أتقون للبدع المخالفة له- يقولون هذا الكلام ويعظمونه، ويعظمون ابن عربي لقوله مثل هذا. ولا يعلمون أن هذا الكلام بناه على أصله الفاسد في الإلحاد الذي يجمع بين التعطيل والاتحاد. فإن حقيقة الرب عنده: وجود مجرد، لا اسم له ولا صفة، ولا يمكن أن يرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام قائم به، ولا علم، ولا غير ذلك. ولكن يرى ظاهرا في المخلوقات، متجليًا في المصنوعات. وهو عنده غير وجود الموجودات. وشبهه -تارة- بظهور الكلي في جزئياته، كظهور الجنس في أنواعه، والنوع في أشخاصه. كما تظهر «الحيوانية» في كل حيوان، و«الإنسانية» في كل إنسان. فنهاية قوله: قول الفلاسفة