الدرس في كتاب الزكاة 10، ألقاها
لا يجوز دفع الزكاة للأغنياء والأقوياء المكتسبين، كما لا تجوز لمن تجب على المسلم نفقتهم. يُستثنى من ذلك العاملون عليها والغارمون والمجاهدون في سبيل الله وطلاب العلم الشرعي.
يُعطى العاملون على الزكاة والغارمون والمجاهدون في سبيل الله وطلاب العلم الشرعي من الزكاة حتى لو كانوا أغنياء أو أقوياء مكتسبين. كما تجوز الزكاة للزوج إذا كان فقيراً وكان من الأصناف الثمانية المستحقة للزكاة.
لا يشترط توزيع الزكاة على الأصناف الثمانية، بل يجوز دفعها لصنف واحد. كما يجوز نقل الزكاة من بلدها إلى بلد آخر إذا كانت هناك حاجة لذلك.
القيام الثاني في صلاة التراويح جائز وواسع، مستنداً إلى آراء السلف الصالح وأقوال الأئمة. يُؤكد على أهمية أدب الخلاف في المسائل الاجتهادية.
هناك اختلاف في التعامل مع الدليل الواحد، حيث يصححه البعض ويعمل به بينما يضعفه الآخرون ولا يعملون به. هذا الأمر واسع ويحتمل آراء مختلفة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس الماضي الكلام على المسألة الأولى من الباب الأول أو من الباب السادس في كتاب الزكاة من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة. فنقرأ في هذا اليوم بإذن الله جل وعلا ما تيسر من المسائل المتعلقة بهذا الباب، المسألة الثانية في حد الذين لا تدفع لهم الزكاة، أي ما هو الضابط فيمن لا يجوز دفع الزكاة إليهم؟ قالوا: الأصناف الذين لا يجوز صرف الزكاة لهم هم واحد: الأغنياء، والأقوياء المكتسبون أو المكتسبون الأغنياء. الغني معروف، وهو ما عدا الفقير، وكذلك الأقوياء، خرج من ليس بقوي على الاكتساب. إذن القوي المكتسب، أي الذي يستطيع أن يكسب بقوته بعمله، بصنع يده، ويستغني بذلك الاكتساب عن الصدقة، فإن الصدقة لا تحل له. كذلك الغني، قالوا: لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب». والحديث كما ذكر، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. ومعنى هذا أن أصل الصدقة لمن كان هذا حاله، لا يحل له السؤال، من كان غنياً لا يحل له أن يسأل عن الصدقة، وكذلك من كان غنياً يستطيع الكسب بعمل يده، كذلك لا يحل له أن يسأل الصدقة، بل يجب عليه أن يتعفف وأن يستغني بما أغناه الله جل وعلا به. ولكن ها هنا تنبيه، وهو أن بعض من هو قوي ويكتسب بنفسه قد يكون ذلك الكسب لا يسد حاجته، قد يكون ذلك الكسب لا يسد حاجته لأمر أو لآخر، يكتسب ويعمل من الصباح إلى الليل، مع هذا ما يكتسبه لا يكفيه لقضاء حاجته. فمثل هؤلاء داخلون في حد الفقير والمسكين، داخلون في حد الفقير والمسكين والمسكين الذين يدخلون في أصناف المستحقين للزكاة. إذن في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب»، هذا كما جاء في أصل الحديث، وهو أن رجلاً شاباً قوياً جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، أي بمعنى أن من كان هذا حاله غنياً أو كان قوياً يكسب بنفسه، فلا تحل له الصدقة. لكن كما ذكرنا، الوصف والقيد المذكور، إن كان يكسب لكن لا يكفيه ذلك الكسب في قضاء حاجته لأمر أو لآخر. يعني بعض الناس، بل هو حال كثير من الناس، يعمل من الصباح إلى المساء، ومع هذا ما عنده ما يكفيه لأمور كثيرة، كغلاء الأسعار. يعني قد يكون رجل يعمل، يجد في الشهر راتب أربعين ألفاً يمنياً أو خمسين ألفاً يمنياً، الإيجار حق البيت خمسة عشر أو أكثر، وكهرباء وماء تصل عشرين ألفاً، ثم الطعام الذي يحتاجه والماء الذي يحتاجه وحوائج البيت وحوائج الأولاد والأطفال، ما تكفيه هذه الخمسين ألفاً، ما تكفيه. يأتي آخر الشهر وقد استدان فوقها مبلغاً آخر. فهذا قوي مكتسب، هو قوي مكتسب، ولكنه في حقيقة الأمر فقير. فمثل هؤلاء تحل لهم الصدقة، تحل لهم الصدقة وإن كانوا يكتسبون. لماذا؟ لأن الكسب الذي يكتسبونه لا يكفيهم، بل ما زالوا على حد الفقر. بل ذكر بعض أهل العلم أن بعض الناس لو كان عنده دكان صغير، لا يأتيه من العائد والرزق ما يغنيه، بل ما يأتيه إلا بحوائجه، وقد تقصر عن الحوائج. قالوا: هذا كذلك ما يجرى في حد الفقير والمسكين، وهو من أهل الصدقة. ويستدلون على ذلك بقول الله جل وعلا: ﴿أَمَا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، فهم يملكون سفينة ويعملون عليها، ولكنهم مع هذا وصفهم الله جل وعلا بأنهم مساكين. إذن قد يكون إنسان عنده سيارة يملكها يعمل عليها، لكن لا تأتي بحاجياته كاملة، أو تأتي بحاجياته كما يقال سواء بسواء، ما عنده زيادة على ذلك. فمثل هذا فقير، هو يكسب بنفسه ومع هذا فقير. وإذا كان كذلك، فهو كذلك من أصناف الزكاة، هو من أصناف الزكاة الذين تحل لهم الصدقة. قالوا: ولكن يعطى العامل عليها والغارمون وإن كانوا أغنياء كما تقدم، أي هؤلاء مستثنون، العاملون عليها، وكذا الغارمون، وكذا في سبيل الله كما تقدم. معنى المجاهد، إذا خرج الجاهد في سبيل الله وكان غنياً، فهو يستحق من أموال الصدقة، من أموال الزكاة، يجهز بما يحتاج إلى تجهيز كما تقدم معنى في الدرس الماضي. قالوا: القادر على الكسب إذا كان متفرغاً لطلب العلم الشرعي وليس له مال، فإنه يعطى من الزكاة؛ لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله. هذا أيضاً إنسان عنده قوة على الكسب وقدرة على الكسب، لكنه مع هذا هو متفرغ لطلب العلم، هو متفرغ لطلب العلم ولإبلاغ العلم ونشره بين أهل الإسلام. فهذا كذلك ممن يستحق الزكاة. لماذا؟ لأنه في سبيل الله. والله جل وعلا يقول: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. كذلك ما ذكر في المجاهد، قد يكون إنسان عنده قوة على الكسب، بل تكون عنده بعض الحرف الذي يستطيع أن يكتسب بها، ولكنه مرابط في سبيل الله جل وعلا، أو خرج غازياً في سبيل الله جل وعلا. فمثل هذا يعطى وإن كان غنياً أو كان قوياً يستطيع الكسب. لماذا؟ لأنه صنف من أصناف الزكاة، وفي سبيل الله. قالوا: لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله. وأما إذا كان القادر على الكسب عابداً، ترك العمل للتفرغ للنوافل العبادات، فلا يعطى؛ لأن العبادة نفعها قاصر على العابد، بخلاف العلم. بمعنى أن إنسان آخر، يعني مثلاً رجلان أحدهما يستطيع أو كلاهما يستطيع يستطيع الكسب، أحدهما تفرغ لطلب العلم، ترك العمل لأجل طلب العلم، حفظ العلم وتبليغ العلم ونشر العلم. وآخر ترك العمل للتعبد، يريد أن يتفرغ لكثرة الصلاة وكثرة الصيام وكثرة النوافل وما شابه ذلك تعبداً. فالصنف الأول وهو الذي كان من طلبة العلم، فإنه يستحق من الزكاة. لماذا؟ لأنه في سبيل الله، ولأن طلب العلم كما مر معنا أحد أبواب الجهاد في سبيل الله. قال الله جل وعلا لنبيه: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. بخلاف المتعبد، فالمتعبد إنما يعمل عملاً قاصراً ينتفع به لنفسه، بخلاف طالب العلم، فإنه يتعلم ليبلغ دين الله جل وعلا إلى غيره. كما أن الغازي في سبيل الله جل وعلا يغزو ليبلغ دين الله جل وعلا إلى غيره. الغازي يبلغ دين الله جل وعلا بالسيف وسنان، أي بالقوة. والعالم وطالب العلم يبلغ دين الله جل وعلا بالحجة والبرهان. فكلاهما مبلغان لدين الله جل وعلا. قالوا: الثاني الأصول والفروع والزوجة الذين تجب نفقتهم عليه، فلا يجوز دفع الزكاة إلى من تجب على المسلم نفقتهم، كالآباء والأمهات والأجداد والجدات والأولاد وأولاد الأولاد؛ لأن دفع الزكاة إلى هؤلاء يغنيهم عن نفقة الواجبة عليه، ويسقطها عنهم. ومن ثم يعود نفع الزكاة إليه، فكأنه دفعها إلى نفسه. وها هنا قاعدة يذكرها الفقهاء: أن كل من تجب عليك نفقته، فإنه لا يجوز أن تعطيه من الزكاة. قاعدة يذكرها الفقهاء: أن كل من تجب عليك نفقته، فإنه لا يحل أن تعطيه من الزكاة. وكل من لا تجب عليك نفقته وكان من الأصناف الثمانية المذكورة، فإنه يجوز إعطاؤه من الزكاة. إذا علمت هذه القاعدة، نعلم فروعاً عنها. ذكرتها هنا، وهي أن الأب مثلاً يجب عليه النفقة على الولد، ولا سيما إن كان صغيراً في حجره، بل ولو كان كبيراً لا يستطيع العمل، تكون النفقة واجبة على الأب. فلا يجوز للأب أن يخرج زكاة ماله لولده. لماذا؟ قالوا: لأنه في هذه الحالة يكون دفع عن نفسه، ضرر النفقة عن ولده. فهو يدفع عن ماله بماله. يدفع عن ماله بماله، مثلاً يدفع لولده نفق في السنة مئة ألف، يقول: إذا جاءت الزكاة سأعطيه هذه المرة لولدي مئة ألف، وأكون هذه السنة مرتاح، لا أدفع له شيئاً. لماذا؟ لأني قد قدمت له من الزكاة. هذا كما يقال دفع ضرر نفسه بماله، بماله نفسه. وهذا لا يجوز. وهذه القاعدة نقل عليها الإمام ابن عبد البر، ابن المنذر رحمه الله، الإجماع. نقل عليها الإجماع: أن من تجب عليه النفقة، فلا تحل له الزكاة. كذلك الرجل مع زوجته، الرجل يجب عليه أن ينفق على زوجته، فلا يحل له أن يعطي لزوجته من الزكاة. ولكن العكس جائز، المرأة عندها زكاة ذهب أو مال أو ما شابه ذلك، هل يحل لها أن تعطي لزوجها؟ الجواب: نعم. لماذا؟ للقاعدة: أن كل من تجب عليك نفقته، فلا تحل له الزكاة. وكل من لا تجب عليك نفقته، فتحل له الزكاة إن كان من الأصناف. فإن كان زوجها أحد الأصناف، كان فقيراً كان مسكيناً، فإنه يجوز لها إعطاؤه من زكاة الهدي. ويدل على هذا ما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى وغيره، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن زينب زوجة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها أرادت أن تتصدق يوماً، فقال لها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: «أنا وولدي أحق بهذه الزكاة أو بهذه الصدقة». فقالت: لا، حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: «إن زوجك وولدك أحق من أعطي فيهم الزكاة». أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فالشاهد من هذا أن إعطاء الزوجة لزوجها الزكاة، إن كان مستحقاً لها من أحد الأصناف، جائزة. أما العكس فلا. لماذا؟ لأن الزوج تجب عليه النفقة على الزوجة، ولا العكس. كذلك الولد مع أبيه، ولد ما شاء الله يعمل، ووالده كبير شيخ لا يستطيع العمل، يحتاج إلى نفقة. ها هنا يجب على الولد أن ينفق على أبيه. يجب على الولد أن ينفق على أبيه. وإذا كان يجب على الولد أن ينفق على أبيه، فمعنى هذا أنه إذا كان عند الولد زكاة، فلا يجوز للولد إخراج الزكاة لأبيه. لماذا؟ بالقاعدة: أن كل من تجب عليك النفقة عليه، فلا يحل لك أن تعطيه من مال الزكاة. وهكذا قس على بقية الأحوال، الأب كما قلنا، والجد إن كان ممن تنفق عليه الولد، وولد الولد إن كان ممن تنفق عليه، وهكذا. لكن بعض أهل العلم نبه ها هنا على بعض المسائل، وهي كما يقال كذلك كالفروع عن هذا الأصل. وهي أن من لم تجب عليك نفقته لاستغنائه بنفسه، فيجوز أن تعطيها غيره. يعني مثال ذلك: ولد يعمل، عنده أب وجد، عنده من النفقة ما يستطيع أن ينفق على نفسه وعلى أبيه فحسب. فها هنا هل تجب عليه النفقة على جده؟ الجواب: لا تجب عليه النفقة على جده. لماذا؟ لأنه ما عنده إلا ما يكفيه للنفقة على نفسه وعلى أبيه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ابدأ بنفسك، ثم أدناك أدناك». فالجد ها هنا لا تجب على الولد النفقة عليه. فإن كان عند الولد مال من أموال الزكاة، هل يجوز له أن يعطي جده على هذه الحال أم لا؟ الجواب: له أن يعطيه لجده. لماذا؟ للقاعدة: وكل من لا تجب عليك النفقة عليه، فيجوز إعطاؤهم من مال الزكاة. وهكذا قل في بقية الصور التي هي مثل هذه المسألة. ومثل هذه الصورة الثالث: الكفار غير المؤلفين، يعني الكفار الأصليين في الكفار، أنهم لا يعطون شيئاً من مال الزكاة، هذا هو الأصل. ولكن شرع الله جل وعلا أن يعطى لصنف من أصناف الكفار شيئاً من الزكاة، وهم المؤلف قلوبهم لتأليف قلوبهم على الإسلام بذلك المال. فكم من إنسان يعطى من المال فيلين قلبه، فيدخل الإيمان في قلبه، فيكون من أهل الإيمان بمال يسير. فمثل هؤلاء يعطون. أما إذا لم يكن من أهل هذا الصنف، ليس من المؤلفة قلوبهم من الكفار، فإنه لا يعطى. قالوا: الكفار غير المؤلفين، فلا يجوز دفع الزكاة إلى الكفار؛ لقوله صلى الله عليه وسلم. قالوا: أي أن الأصل في الصدقة والزكاة أن تأخذ من أغنياء المسلمين، فترد على فقراء المسلمين. قالوا: أي أغنياء المسلمين وفقرائهم دون غيرهم. ولأن من مقاصد الزكاة إغناء فقراء المسلمين، وتوطيد دعائم المحبة والإخاء بين أفراد المجتمع المسلم، وذلك لا يجوز مع الكفار. الرابع: آل النبي صلى الله عليه وسلم، لا تحل الزكاة لآل النبي صلى الله عليه وسلم، إكراماً لهم لشرفهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس». قالوا: وآل النبي صلى الله عليه وسلم، قيل هم بنو هاشم وبنو المطلب، وقيل هم بنو هاشم فقط، وهو الصحيح. أي أنهم بنو هاشم. وعلى صح دفع الزكاة إلى بني المطلب؛ لأنهم ليسوا من آل محمد صلى الله عليه وسلم. ولعموم الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، فيدخل فيهم بنو المطلب. وهذه مسألة خلافية بين أهل العلم، هل بنو المطلب يدخلون في أصناف الزكاة مع بني هاشم أم لا؟ جماعة من أهل العلم يذهبون إلى هذا، ويقولون: بأن بني هاشم وبني المطلب شيء واحد، كما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى: أن بني هاشم وبني المطلب إنما هما شيء واحد. وذهب آخرون إلى أن آل البيت إنما هم مخصوصون ومحصورون في بني هاشم، مخصوصون ومحصورون في بني هاشم. والحاصل من هذا أن آل البيت، من كان من آل البيت، أي من آل النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان من آل علي أو آل جعفر أو آل عقيل أو آل العباس، فهؤلاء لا تحل لهم الصدقة. وكذلك أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من آل بيته. وكذلك موالي القوم كما سيأتي معنا، هؤلاء كذلك يلحقون بمن أعتقهم، كذلك لا يستحقون من الزكاة. لماذا لا يستحقون؟ قالوا: هذا على سبيل التشريف لهؤلاء، أي أن آل البيت، آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، من منزلتهم العظيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم لا يعطون شيئاً من الزكاة. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الزكاة: «إنما هي أوساخ الناس». وأن آل محمد تترفع أو ينزههم الله جل وعلا عن هذا. وإنما جعل الله جل وعلا لهم من الفيء ومن الخمس، من الفيء ومن الخمس. على أن بعض أهل العلم، ذهب في هذه الأزمان المتأخرة وقبلها بزمان طويل، على أن آل البيت لهم أن يعطوا من الزكاة؛ لأن حقهم وحظهم من الخمس قد سقط، صاروا لا يعطون شيئاً من الخمس. قالوا: فإذا كان كذلك، فهم يعطون من الزكاة لأجل هذا المعنى. وبعضهم منع مطلقاً. والأمر كما ترون متردد بين هذا وذاك. الخامس: وكذلك لا يجوز دفع الزكاة لموالي آل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لحديث: «إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم». قالوا: وموالي القوم عتقاؤهم. ومعنى «من أنفسهم» أي فحكمهم كحكمهم، فتحرم الزكاة على موالي آل بني هاشم؛ لأن موالي القوم منهم، أي آل هاشم. إن كان عندهم عبيد ثم أعتقوهم، فهؤلاء العبيد الذين أعتقوا يقال لهم موالي لمن؟ موالي لآل هاشم. ومن كان من موالي آل هاشم، فإنه كذلك لا يحل له الصدقة؛ لعمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم». و«إن موالي القوم من أنفسهم» كما جاء في حديث أبي رافع عند أبي داود وغيره. السادس: قالوا: العبد لا تدفع الزكاة إلى العبد؛ لأن مال العبد من كل سيده، فإذا أعطي الزكاة انتقلت إلى ملك سيده. ولأن نفقته تلزم سيده. ويستثنى من ذلك المكاتب، فإنه يعطى من الزكاة ما يقضي به دين كتابته؛ كما تقدم معنا في الدرس الماضي: أن المكاتب الذي يكاتب على العتق، يعطى ما يكون سبباً لتحريره وإيفاء ما عليه من الدين، أي من دين الكتابة. قالوا: العامل على الزكاة، فإذا كان العبد عاملاً على الزكاة، تعطى منها؛ لأنه كالأجير. والعبد يجوز أن يستأجر بإذن سيده، كذلك. يعني إذا كان العبد الأصل في العبد أنه لا يعطى من الزكاة، لكن إذا استخدم العبد في أعمال الزكاة، صار عاملاً من عمال الزكاة، فإنه يعطى بهذا الاعتبار، باعتبار كونه من العاملين عليها. قالوا: فمن دفع لهم هذه الأصناف مع علمه بأنه لا يجوز دفعها لهم، فهو آثم. وكذلك لا يصح منه ذلك الإخراج. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد». فلو أن إنساناً أخرج زكاته إلى إنسان غني، وهو يعلم أنه غني، يقول: سأعطيه، والسريح كما هو حاصل من بعض الناس، أصحاب الأعمال والتجارات الكبيرة، بعض تجار كبار يقول: سأعطي من الزكاة للمسؤول فلان. ويعلم أنه من كبار تجار، يقول: من باب يمشي لي الأعمال غداً وبعد غد، وما شابه ذلك. فمثل هذا الإخراج أولاً يكون صاحبه آثماً، وثانياً لا يبرئه ذلك الإخراج، بل تبقى في رقبته الزكاة التي أعطاها لغير مستحقها. المسألة الثالثة: قالوا: هل يشترط استيعاب الأصناف الثمانية المذكورة عند تفريق الزكاة؟ بمعنى أن إنسان عنده زكاة، مثلاً حسب ماله وجد أنه سيخرج الزكاة مائة ألف، هل يجب عليه أن يخرج الزكاة على الثمانية الأصناف المذكورة في الآية، أم أنه يجزئه أن يعطي صنفاً واحداً فحسب؟ الجواب: قالوا: لا يشترط استيعاب الأصناف الثمانية المذكورة عند تفريق الزكاة على القول الصحيح، بل يجزئ دفعها لأي صنف من الأصناف؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وقوله صلى الله عليه وسلم: «تأخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم»، متفق عليه. ولقوله صلى الله عليه وسلم لقيبيصة: «أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها». قالوا: فهذه الأدلة تدل على أن المرادة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، بيان المستحقين للزكاة، لا تعميم المستحقين عند تفريقها. وهذا هو الصواب: أنه يجوز للإنسان أن يعطي زكاته كاملة لفقير، أو يعطيها مثلاً كاملة لمن كان في سبيل الله جل وعلا، أو لمن كان غارماً، أو ما شابه ذلك من الأصناف. وإن وزعها بين أكثر من صنف، فهذا كذلك يجزئه. فالأمر بحمد الله جل وعلا واسع. المسألة الرابعة: قالوا: في نقل الزكاة من بلدها إلى بلد آخر. قالوا: يجوز نقل الزكاة من بلدها إلى بلد آخر قريب أو بعيد، للحاجة. مثل أن يكون البلد البعيد أشد فقراً، أو يكون لصاحب الزكاة أقارب فقراء في بلد بعيد. مثل فقراء بلده. فإن دفعها إلى أقاربه، تحصيل المصلحة وهي الصدقة والصلة. وهذا القول بجواز نقل الزكاة هو الصحيح؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، أي الفقراء والمساكين في كل مكان. وهذا كذلك بالمسألة الذي وقع فيها الخلاف بين الفقهاء، بمعنى هل الواجب أن تكون الزكاة زكاة البلد تعود إلى نفس فقراء البلد، أم أنه يجوز إخراجها إلى البلد الآخر؟ والأقرب الله أعلى وأعلم: أن من حيث الجواز جائز، لكن الأولى أن يبدأ بالأقرب فالأقرب؛ لما جاء في حديث ابن عباس في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «وأمرهم، فإنهم أطاعوا لك بذلك. فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة، تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم». الآن الضمير «تأخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، هل المقصود به فقراء اليمن؟ تأخذ من أغنياء اليمن فترد في فقراء اليمن؟ أم أن المقصود ما هو أعم؟ أنه تأخذ من أغنياء المسلمين فترد على فقراء المسلمين؟ من أهل العلم من ذهب إلى المعنى الخاص: أن الأصل أن تؤخذ من أغنياء البلد وترد على فقراء البلد. ومن ذهب إلى المعنى الأعم، فقال: تؤخذ من أغنياء المسلمين وترد على فقراء المسلمين. وكما سمعتم، الأمر واسع. لكن الأولى، وهذا لا خلاف فيه، أن يعطى المال لفقراء البلد. مثلاً أهل اليمن يأخذون المال من أغنيائهم، الأصل أن ترد إلى فقرائهم. مثلاً أحصر الأقوال من هذا. مثلاً نحن ها هنا في الشحر، تأخذ من الأغنياء، الأصل أن ترد إلى فقراء الشحر. إن وجد أن فقراء الشحر استغنوا بحمد الله جل وعلا، يعطى لمن هو بجوارهم، ولمن هو أشد حاجة، ولمن هو أشد حاجة. وهكذا. هذا هو الأصل، والأمر كما سمعتم في هذا متسع. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وبهذا نكون قد انتهينا من كتاب الزكاة من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة. ومن غد بإذن الله جل وعلا نرجع إلى حيث توقفنا من أبواب صلاة الجمعة، لنتوقف عنها قبل رمضان. فنسأل الله جل وعلا العون والسداد. طيب هذا سؤال: ما حكم القيام الثاني في صلاة التراويح؟ الجواب: والله تعالى أعلى وأعلم، أن هذا الأمر، أي مسألة صلاة التراويح في أول الليل، وصلاة القيام قيام مرة أخرى في آخر الليل، على الوصف الذي يمشي عليه إخواننا ها هنا. بمعنى أن الجماعة الأولى تكون خفيفة؛ بسبب من يحضرها من العوام وكبار السن وما شابه ذلك. فيصلي بهم الإمام إحدى عشر ركعة حتى يفرغ، ثم ينطلقون. ويصلون بعدها صلاة أخرى، ثم تقام صلاة أخرى في آخر الليل، يطال فيها بالقراءة والركوع والسجود وما شابه ذلك. فالأمر على هذه الصورة، والله أعلى وأعلم جائزة. والأمر واسع. يعني لا ينكرون هذا على ذاك، ولا هذا على ذاك؛ لأن هذه المسألة للأسف أثيرت ووقع فيها القيل والقال. والأولى في هذا أن تتسع كما يقال الصدور والأقلام لهذه المسألة. وذلك لأن فيها أصولاً يرجع إليها بحمد الله جل وعلا. فهي مسألة سلفية، أي ليست محدثة. ليست محدثة بمعنى أن هذه المسألة ليست هي وليدة اليوم، بل هي قديمة. هذه المسألة يعني حصل أصلها في زمن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وثبت عند ابن أبي شيبة رحمه الله تعالى بإسناد صحيح: أن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، الصحابي الجليل خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن هذه المسألة. سؤال هذا السؤال سئل به أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه. فأنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: «لا بأس بذلك، إنما يقومون يرجون خيراً أو قال: يخافون شراً». أن يقومون يصلون لله جل وعلا، إما أنهم يرجون من الله جل وعلا الخير، وإما أنهم يدعون الله جل وعلا أن يدفع عنهم الشر. وتعرفون أن أصل القيام والتراويح، باعتبار أصلها: أن أصلها كان من فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما قام بأصحابه بعض الليالي؛ كما جاء في حديث سهل بن سعد، وكذلك في حديث أبي ذر وغيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم: أنه قام بهم بعض الليالي. وكذلك جاء في حديث عائشة رضي الله عنهم أجمعين. ثم ترك النبي صلى الله عليه وسلم؛ خشية أن يفرض عليهم. ثم إن عمر رضي الله عنه وأرضاه في زمنه، رأى الناس يصلون أوزاعاً متفرقين. هذا يصلي بنفسه، وهذا يصلي بنفسه، وهذا مجموع يصلون خلف إمام، وآخرون يصلون خلف إمام في المسجد الواحد. في زمن الصحابة وفي زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، كان الأمر على هذا. أي بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، بل قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم، كان الأمر على هذا. هؤلاء يصلون مجموعة خلف إمام، وآخرون خلف إمام، وهذا لوحده، وذاك لوحده، وما شابه ذلك. فخرج عمر رضي الله عنه وأرضاه يوماً فرآهم، فقال: «أنهم اجتمعوا على إمام واحد». ثم دخل بيته، ثم عزم رضي الله عنه وأرضاه أن يجمع الناس على إمام واحد. فجمعهم على أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، وأمره أن يصلي بالناس، وأن يصلي الناس بإمامهم. فصلى الجميع بأبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه، كان إماماً لهم يصلون بصلاته. فقرأ عمر رضي الله عنه وأرضاه يوماً فرأى الناس على هذه الحال، فقال: «نعمة البدعة هذه». والذين ينامون عنها خير. أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه. وجاء كذلك عن عمر: أنه جعل إمامين. يعني جعل في أول الأمر أبي بن كعب، وجاء عنه أنه جعل إمامين: أبي وتميماً الداري رضي الله عنهما. وجاء كذلك في بعض الروايات: أنه جعل أبي بن كعب إماماً، وجعل تميماً إماماً للنساء. وهكذا جاء في بعض الروايات هذا المعنى. فالحاصل: أن الأمر كان في سعة بحمد الله جل وعلا. الأمر في سعة. وكما سمعتم: أن الأمر وهذه المسألة قد حصلت وذكرت وسئل عنها الصحابي الجليل أنس بن مالك، فهي مسألة سلفية. فلا يأتي إنسان يقول: هذا أمر محدث لم يعرف عن السلف. هذا أمر محدث لم يعلم عن السلف. أستمعتم أنه قد ثبت: أن أنساً رضي الله عنه وأرضاه، أنه سئل عن هذه المسألة بعينها، فقال: «لا بأس في ذلك». وكذلك من الأئمة رحمهم الله تعالى. سئل الإمام أحمد كما ذكر ذلك الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى وغيره في المغني: سئل عن هذه المسألة كذلك. ذهب رحمه الله تعالى إلى أن الأمر واسع، لا بأس بذلك. قال: «قد سئل أنس فأجاز». أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه ورحمه الله. أي أن الإمام أحمد، وهو إمام أهل السنة، وتعرفون تمسك الإمام أحمد رحمه الله تعالى في السنة، واقتداءه بها. ومع هذا يسأل عن هذه المسألة، يقول: «قد أجازها أنس». انتهى الأمر. أي قد قالها صحابي وعمل بها صحابي ورآها صحابي. فالقول ما قالوا هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. فالحاصل من هذا الأمر: أننا ينبغي لنا أن تتسع صدورنا جميعاً لهذه المسائل. وينبغي لنا أن نحرص على أدب الخلاف. نحرص على أدب الخلاف. بمعنى أنك إذا رأيت في مسألة ما أنها سنة، وأنا رأيت أنها خلاف السنة. أنت رأيت باجتهادك، وأنا رأيت باجتهادك. فلا تنكر علي، ولا أنكر عليك. ويبقى بيننا المحبة والمودة، والأمر الحمد لله على السعة. والأمر بحمد الله جل وعلا على السعة. وتعجبني في هذا المقام كلمة طيبة عظيمة جليلة للعلامة الألباني رحمه الله تعالى في هذه المسألة، بخاصة أو بمسألة مقاربة لها، تتعلق بمسألة التراويح. أي مسألة التراويح: هل تكون إحدى عشرة ركعة أو إحدى وعشرين ركعة؟ الألباني رحمه الله تعالى يرجح: أن السنة إحدى عشرة ركعة، وأن الزيادة على ذلك خلاف السنة. ومع هذا يقول: «لا أنكر على من خالف». لا أنكر على من خالف في هذه المسألة، ورأى القول الراجح أنها إحدى وعشرون ركعة، وعمل باجتهاده. لماذا؟ لأنها مسألة اجتهادية. مسألة اجتهادية، الأمر فيها واسع. والإمام ابن قيم رحمه الله تعالى كذلك له كلام طيب؛ باعتبار هذه المسألة، المسألة التي يسميها مسألة اجتهاد. ومتى يكون أو يصح الإنكار؟ ومتى لا يصح الإنكار؟ يقول إمام ابن قيم رحمه الله تعالى في كلام له في كتابه «إعلام الموقعين»، كلام له معنى: أن مسائل الاجتهاد، قال: «لا يساق فيها الإنكار». لا تنكر على من خالفك. لماذا؟ لأنها اجتهادية. ومعنى اجتهادية: محتملة. محتملة إما لدليل واحد، أنت فهمت منه هذا الفهم، وغيرك فهم منه فهماً آخر. أو أنت عندك دليل تعمل به، والآخر عنده دليل يعمل به. أو الدليل واحد، أنت تصححه فتعمل به، والآخر يضعفه فلا يعمل به. الأمر واسع. مسأ