كتاب الحج 13

الدرس في كتاب الحج 13، ألقاها

أحكام يوم التروية والاستعداد للوقوف بعرفة

يوم التروية هو يوم يحرم فيه المتمتع بالحج ويتوجه الحجاج إلى منى ملبين، ثم يذهبون إلى عرفة في اليوم التالي. في عرفة، يستحب النزول بنمرة حتى الزوال حيث يخطب الإمام ويصلي الظهر والعصر جمعا وقصرا.

أحكام الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة

يجب الوقوف بعرفة حتى غروب الشمس، ثم الإفاضة إلى مزدلفة والمبيت بها. يسمح للضعفة بالمغادرة ليلًا لرمي الجمار بينما يبقى الأقوياء حتى صلاة الفجر.

أعمال أيام التشريق وطواف الوداع

يشرح المقطع أعمال الحاج في أيام التشريق بما في ذلك رمي الجمرات وطواف الوداع عند مغادرة مكة، مع تفاصيل حول الترتيب والوجوب. يشير أيضًا إلى استثناءات لبعض الفئات مثل الحائض والنفساء.

ختام الحج بالدعاء والتسبيح

يتضمن الدعاء بحمد الله والاعتراف بوحدانيته وطلب المغفرة والتوبة إليه، معربًا عن الخضوع لله والاعتراف بفضله. يعبر هذا الدعاء عن توبة صادقة ورغبة في التطهر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في الكلام على صفة الحج. وقد توقفنا في الدرس الماضي عند قوله: «ويتحلل المتمتع من عمرته بتقصير شعره، ثم يلبس ملابسه». حتى إذا كان يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، أحرم المتمتع بالحج من مكانه، وكذا غيره من المحلين بمكة وقربها. بمعنى أن من أراد الحج ممن كان متمتعًا فإنه في يوم التروية يرجع إلى ما كان عليه قبل من أمور الإحرام، سيتجهز ويتهيأ كما سيأتي ذكره. وكذلك من عزم على الحج، سواء كان من أهل مكة أو من جاء من غيرها، فالكل إذا جاء اليوم الثامن، وهو يوم التروية، فينطلقون جميعًا إلى منى. قالوا: أحرم المتمتع بالحج من مكانه، أي يقول: «لبيك اللهم بحج»، وينوي الدخول في نسك الحج. قالوا: وكذا غيره من المحلين بمكة وقربها، أي من أهل مكة أو من كان نازلًا في مكة وأراد الحج أو من غيرها. ويستحب له أن يفعل ما فعله عند الميقات من الإغتسال والتطيب والتنظف، لأنه سيدخل في إحرام من جديد. فيستحب له أن يفعل ما تقدم من قص ما يحتاج إلى قصه من الأشعار والأظفار وغير ذلك من الأمور التي يتنظف بها. ويسن كذلك له أن يتطيب في جسده، كما تقدم معنا، لا في ملابس إحرامه. وبعد ذلك يلبي من مكانه ويدخل في نسك الحج مما كان من حيث كان. قالوا: ويتوجه جميع الحجاج إلى منى ملبين، أي يلبون بأن يقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». ويصلون في منى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، بقصر الرباعية من غير جمع. ومعنى بقصر الرباعية أي الصلاة الرباعية، وهي صلاة الظهر والعصر والعشاء. أما الفجر والمغرب فإنها لا تقصر إجماعًا. ثم في صبيحة اليوم التاسع، يسير الحاج إلى عرفة، فإن تيسر له أن ينزل بنمرة إلى الزوال فحسن. يسير الحاج إلى عرفة، الراكب راكبًا والراجل راجلًا. فإن تيسر له أن ينزل بنمرة إلى الزوال فحسن. ونمرة قبل عرفة، والآن يقع فيها المسجد المعروف في نمرة، وجزءه الأول في نمرة وجزءه الآخر في عرفة. فكما يقول بعضهم: إن قدر الثلث منه في نمرة، ونمرة ليست من عرفة. وبعد ذلك هو في عرفة، لذا نبّه في المكان الذي هو من عرفة والحدود التي بين عرفة ونمرة، علقت ألواح في عدة لغات بالعربية والإنجليزية والأردية وإلى غير ذلك من لغات، حتى ينتبه الحجيج أن هذا المكان الذي هو في مقدمة المسجد ليس من عرفة وإنما هو من نمرة. فلما زالت الشمس، خرج النبي صلى الله عليه وسلم، فخطب خطبة الناس بتلك الخطبة العظيمة، ثم صلى بالناس ظهرًا وعصرًا جمعًا وقصرًا. فإذا زالت الشمس، خطب الإمام أو نائبه خطبة قصيرة، ثم يصلي الظهر والعصر قصرا وجمعا في وقت الظهر. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنه يستحب في هذه الخطبة أن يذكر للحجاج ما يحتاجون إليه من أعمال وتعاليم من تعاليم الحج، فيبين لهم ما يحتاجونه في عرفة وأين يقفون وماذا يقولون، ثم بعد عرفة ينطلقون إلى أين، وإن يبيتون ثم في مزدلفة ماذا يصنعون، وفي منى بعد ذلك ماذا يصنعون، إلى غير ذلك مما يحتاجه الحجيج. قالوا: ويجب، ويجب على الحاج أن يتيقن أنه داخل حدود عرفة، بمعنى أنه يجب عليه وجوبًا أن يتيقن أنه في عرفة. فمن كان قد ذهب لأول مرة فيسأل ذوي الخبرة: هل هو في عرفة أم لا؟ لأنه إذا بقي في نمرة، يعني بعض الناس لجهلهم ربما دخل المسجد يقول: «هذا المسجد نمرة وأنا في عرفة»، فيكون في أوائل الصفوف ولا يعلم المسكين أنه خارج عرفة. فلو رجع إلى مزدلفة دون أن يقف في عرفة، فحجه ليس بصحيح. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الحج عرفة». وكما جاء في حديث عروة البارقي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاتنا، ووقف بعرفة، أي ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه وقضى تفثه». ومعناه: أنه من لم يفعل ذلك، أي لم يقف بعرفة، فلم يتم حجه ولم يقض تفثه. قالوا: ويستقبل القبلة ويرفع يديه يدعو، ويلبي، ويحمد الله، ويجتهد في التضرع والذكر والدعاء في ذلك اليوم العظيم. وذلك كان حاله صلى الله عليه وسلم، فإنه دخل عرفة، ثم مكث في مكان منها يدعو ربه جل وعلا، يتضرع لربه جل وعلا، حتى غربت الشمس. فينبغي على الحجيج أن يحرص على هذا الأمر، لأمور منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة». وخير ما قلت أنا والنبيون قبلي: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد وغيره بإسناد حسن. قالوا: ويجتهد في التضرع والذكر والدعاء في ذلك اليوم العظيم، وأفضل ما يقال في ذلك اليوم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». ويكون في ذلك اليوم مفطرًا، لأنه أقوى له على العبادة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث ابن عباس، عن أمه أم الفضل، أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر في يوم عرفة. فالصيام في يوم عرفة مستحب لغير الحاج، لماذا؟ لأن الحاج عنده من الأعمال والأمور العظيمة التي يحتاج فيها إلى قوة ونشاط، لذا سن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطروا في هذا اليوم. قالوا: ولا يزال واقفًا متضرعًا متذللًا، وهذه أوصاف ينبغي أن تكون في الحاج، متضرعًا لله رب العالمين جل وعلا، وأن يظهر كذلك التذلل لله رب العالمين، والمسكنة والافتقار والحاجة إلى غير ذلك من معاني العبودية. إلى أن تغرب الشمس، فإذا غربت أفاض من عرفة بسكينة، ويسير ملبيًا حتى يأتي مزدلفة. قالوا: ويسير ملبيًا حتى يأتي مزدلفة، فيصلي بها المغرب والعشاء جمعًا، ويقصر العشاء. بمعنى أن يجمع بين المغرب والعشاء، والنبي صلى الله عليه وسلم وصل إلى مزدلفة في وقت صلاة المغرب، فجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم. لكن في هذه الأزمان من الصعوبة بمكان أن يصل الإنسان إلى مزدلفة في هذا الوقت. فمثل هؤلاء يصلون حيث تيسر لهم، يعني إن كانت رفقة أو كان أناس مع بعض في سيارة، يصلوا حيث أدركهم الوقت، جمعوا بين المغرب والعشاء. قالوا: ورخص للضعفة أن يخرجوا من مزدلفة بليل، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للضعفة أن يرموا بليل. وكان ابن عباس رضي الله عنهما ممن دفع معهم، وكان حينها في مقتبل العمر. فخرج مع الضعفة، وفيه إشارة إلى أن الضعفة من النساء أو كبار السن، يخرجون ويخرج معهم من كان معهم من الأولياء ولو كان قويا. قالوا: ويبقى القوي في مزدلفة حتى يصلي الفجر. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن المبيت في مزدلفة واجب، وبعضهم يحدد المبيت في مزدلفة إلى بعد منتصف الليل للجميع، وجوبًا على الجميع، الضعف وغيرهم. ثم يدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس، وعليه السكينة ملبيًا. ويلتقط سبع حصيات من الطريق، والحصيات تكون كحصى الخذف، بمعنى صغيرات. بعضهم يقول: كالبندقة، يعني تكون صغيرة مثل حجر الخذف. قالوا: حتى إذا أتى جمرة العقبة رماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقطع التلبية. أي إذا انتهى من رمي جمرة العقبة، أوقف التلبية وصار يكبر عند رمي كل حصاة. ثم ينحر هديه، ويستحب أن يأكل منه. ثم يحلق رأسه، ثم يطوف طواف الإفاضة، ويسعى سعي الحج إن كان متمتعًا أو كان مفردًا أو قارنًا، ولم يسع مع طواف القدوم. قالوا: السنة ترتيب هذه الأعمال: الرمي، فالذبح، فالحلق أو التقصير. فإن قدم واحدًا منها على الآخر فلا حرج، يعني إن قدم هذه الأمور، فقدم الذبح مثلًا على الرمي، أو قدم الحلق على الذبح أو ما شابه ذلك، فالأمر في ذلك على الجواز وعلى الوسع. لما جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ ما سئل عن شيء قدم أو أخر، إلا قال: «افعل ولا حرج، افعل ولا حرج». وجاء كذلك أن بعض الصحابة قالوا: «يا رسول الله، ذبحت قبل أن أرمي، قال: افعل ولا حرج». وجاء آخر قال: «يا رسول الله، حلقت قبل أن أذبح، قال: افعل ولا حرج»، إلى غير ذلك. قالوا: فإذا فعل الثلاثة تحلل التحلل الأكبر، فيحل له كل شيء حتى النساء. ويبيت بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر وجوبًا، هذا للجميع، لمن أراد التعجل ومن أراد التأخر. قالوا: ويرمي لجمرات الثلاث يوم الحادي عشر، بادئًا بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى. والترتيب فيها واجب على قول جماعة من أهل العلم، أي أن يبدأ بالصغرى ثم بالوسطى ثم بالكبرى. قالوا: وكذلك في اليوم الثاني عشر، ويبدأ وقت الرامي من الزوال إلى طلوع الفجر، أي في أيام التشريق. وإذا رمى جمرة الصغرى، سن له أن يتقدم قليلًا عن يمينه، ويقوم مستقبلًا للقبلة رافعًا يديه يدعو. وإذا رمى الجمرة الوسطى، سن له أن يتقدم ويأخذ ذات الشمال، ويستقبل القبلة ويقوم طويلًا يدعو رافعًا يديه، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو في صحيح البخاري رضي الله عنهما: أنه حكى هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعله. وهو لا يقف بعد جمرة العقبة، أي بمعنى أنه يقف عند جمرة الصغرى يدعو، ثم الوسطى يدعو، أما الكبرى فيرمي وينطلق. قالوا: فإذا أراد أن يتعجل، فإنه يجب عليه أن يخرج من منى يوم الثاني عشر قبل غروب الشمس، قبل غروب الشمس لمن أراد التعجل، لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾. لكن قبل غروب الشمس، لأن الله جل وعلا قال: «في يومين»، فمن تأخر إلى بعد غروب الشمس، فقد وجب عليه أن يبيت ليلة الثالث عشر، لأنه لم يخرج في يومين، لأنه دخل بدخول الليلة، دخل اليوم الثالث. قالوا: فإذا غربت عليه الشمس في منى مختارًا، وجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر. ثم إذا أراد أن يخرج من مكة، وجب عليه أن يطوف طواف الوداع، أن يطوف طواف الوداع، أي انتهى من المبيت في منى ثلاثة أيام، وأراد أن ينصرف وأن يرجع إلى بلده، ماذا يصنع؟ يطوف طواف الوداع، كما جاء في حديث ابن عباس في صحيح البخاري وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجعلوا آخر عهدكم بالبيت». قالوا: ويجعل آخر عهده بالبيت الطواف، ويسقط هذا الطواف عن الحائض، لما جاء كذلك في حديث ابن عباس قال: «ورخص للحائض والنفساء». وبهذا نكون قد انتهينا من صفة الحج، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على