الدرس في كتاب الحج 14، ألقاها
تسن زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في أي وقت، ويشرع السفر إليه للصلاة فيه. يُستدل على ذلك بحديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد».
يستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه بعد زيارة المسجد، والصلاة في الروضة الشريفة مع كثرة الذكر والدعاء. يسن للزائر الحفاظ على أداء الصلوات الخمس في المسجد.
تشرع زيارة أماكن أخرى في المدينة مثل مسجد قباء وقبور البقيع، مع الحذر من زيارة الأماكن غير المشروعة التي تعتبر بدعة. زيارة الأماكن غير المشروعة تعتبر من المحدثات التي لا أساس لها في الشريعة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، الباب الخامس من كتاب الحج من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، الباب الخامس في الأماكن التي تشرع زيارتها في المدينة، وفيه مسائل. المسألة الأولى: زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. تسن زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وشد الرحل إليه في أي وقت من أيام السنة، سواء كان ذلك قبل الحج أم بعده، وليس لها وقت خاص، ولا دخل لها في الحج، وليست من شروطه ولا من واجباته. وهذا تنبيه لبعض الأخطاء وبعض التصورات الخاطئة من بعض عوام المسلمين بسبب الجهل. فبعضهم ربما ظن أن من واجبات أو من شروط أو أقل شيء من مستحبات الحج أن يذهب إلى زيارة المسجد النبوي، بل ربما بعضهم لفرط جهله ظن أن من الواجبات أن يزور القبر النبوي، وهذا أشد، وهذا مخالف كما سيأتي معنا بيان ذلك. فأشاهد من هذا أن السفر إلى المسجد النبوي مرغب فيه في أي وقت من السنة، ولكن كثير من الناس ربما لا يتسن لهم الذهاب والسفر إلى المسجد النبوي إلا في وقت الحج أو العمرة، فيذهبون ويزورون المسجد النبوي لأجل هذا المعنى. أما من ظن أنه من الواجبات المتعلقة بالنسك، سواء الحج أو العمرة أو من المستحبات أو ما شابه ذلك، فهذا خطأ من الأخطاء التي ينبغي أن تصحح. قالوا: لكن ينبغي لمن قدم إلى الحج أن يزور مسجده صلى الله عليه وسلم قبل أداء فريضة الحج أو بعدها، أي قبل الأداء لفريضة الحج أو بعد أدائها، وبخاصة من يشق عليه السفر إلى هذه الأماكن. فلو مر الحجاج بالمسجد النبوي وصلوا فيه لكان أرفق بهم وأعظم لأجرهم، ولجمعوا بين الحسنيين، أي بين الحج وبين زيارة المسجد، ولجمعوا بين الحسنيين: أداء فريضة الحج وزيارة المسجد النبوي للصلاة فيه. مع العلم كما سبق بأن هذه الزيارة ليست من مكملات الحج، ولا دخل لها فيه. فالحج كامل وتام بدون هذه الزيارة، ولا ارتباط بينها وبين الحج البتة. وهذا تنبيه وتأكيد لما تقدم. قالوا: الأدل على مشروعية شد الرحال لمسجده صلى الله عليه وسلم والصلاة فيه كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى». والحديث متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه. ومعنى «لا تشد الرحال»: أي لا يسافر. فلا تشد الرحال كنا يعني السفر. بل جاء في رواية بلفظ: «إنما السفر إلى ثلاثة مساجد»، كما ذكر ذلك الإمام البيهقي رحمه الله تعالى كما في كتابه «معرفة السنن والآثار». فإذا «لا تشد الرحال» بمعنى لا يسافر بقصد العبادة إلى مسجد أو إلى بقعة أو إلى مكان إلا إلى هذه الأمكنة الثلاثة. وفيه يعني منطوق الحديث أنه يشرع شد الرحال إلى هذه المساجد الثلاثة ويستحب، وما عداها فإنه لا يشرع ولا يستحب، بل هو من المنهيات. الثاني: وقوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجد هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام». والحديث كذلك متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. والشاهد منه واضح، ففيه فضيلة واضحة للصلاة في المسجد النبوي. قالوا: فهذه النصوص تدل على مشروعية زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه لفضلها ومضاعفة أجرها، وتدل أيضاً على أنه يحرم شد الرحال لغير هذه المساجد الثلاثة لقصد العبادة. بمعنى أن من زار غير هذه المساجد الثلاثة لغرض آخر - يعني إنسان سافر إلى بلد ما أو إلى بقعة ما لقصد مثلاً التجارة جائز - أو سافر إلى بلد ما لقصد طلب العلم في تلك البلدة في ذلك المكان، هذا جائز. ففرق أن يذهب ويشد الرحل لأجل التعبد في المكان ظناً منهم أن تلك البقعة فيها فضيلة وشرف، وبين أن يذهب لمعنى آخر. قالوا: فلا تشرع الزيارة والسفر لأي مكان في أنحاء المعمورة إلا إلى هذه المساجد الثلاثة. وقصد المدينة للصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مشروع في حق الرجال والنساء لما تقدم من عموم الأدلة السابقة. أي أنه عام للرجال والنساء لا فرق. أما كيفية الزيارة، فإذا وصل المسافر إلى المسجد استحب له أن يقدم رجله اليمنى حال دخوله المسجد، ويقول الدعاء المشروع عند دخول أي مسجد: «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك». وليس لمسجده صلى الله عليه وسلم ذكر مخصوص، بمعنى أنه كبقية المساجد في دخوله إليها. ثم بعد ذلك يصلي ركعتين في أي مكان من المسجد، وإن صلاها في الروضة فهو أفضل. في الروضة لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة». والحديث متفق عليه من حديث عبد الله بن زيد المازني رضي الله عنه وأرضاه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما بين بيته ومنبره» قيل: إن المقصود بالبيت الحجرة النبوية، وقيل: المراد به القبر. ولا تنافي بين المعنيين، لأنه صلى الله عليه وسلم قبر في حجرته صلوات الله وسلامه عليه. وفي قوله «روضة من رياض الجنة» كذلك ذكّر العلماء رحمهم الله تعالى لها تفسيرين: التفسير الأول أن هذا الموضع ينقل إلى الجنة، والتفسير الثاني أن العبادة فيه تؤدي إلى الجنة بإذن الله رب العالمين جل وعلا. ومن زار مسجده صلى الله عليه وسلم ينبغي له أن يحافظ على أداء الصلوات الخمس فيه، أي للفضيلة الموجودة في الصلاة في مسجده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأن يكثر فيه من الذكر والدعاء وصلاة النافلة في الروضة الشريفة احتساباً للأجر والثواب. وننبه ها هنا أن الروضة في أيام المواسم لا سيما الحج يكثر فيها الزحام، وربما ما يستطيع الإنسان أن يصلي فيها بتدبر وتمعن، فإذا كان أمر كذلك صلى في أي مكان من المسجد. وإن وجد في وقت ما خلوة وفراغ يستطيع أن يصلي فيها بتدبر وتمعن وخشوع صلى. قالوا: أما صلاة النافلة في الروضة الشريفة احتساباً للأجر والثواب الجزيل، أما صلاة الفريضة فالأولى لزائر وغيره أن يتقدم إليها ويحرص على الصفوف الأولى المرغب فيها ما استطاع، لأنها مقدمة على الروضة. وهذا كما ذكر للحسن على الصلاة في الصفوف الأولى، وهذا عام في مسجده وغيره. المسألة الثانية: زيارة قبره صلى الله عليه وسلم. إذا زار المسلم المسجد النبوي استحب له زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، لأنها تابعة لزيارة مسجده صلى الله عليه وسلم، وليست هي أصل القصد. وهذه هي الزيارة المشروعة. بمعنى أن زيارة القبر النبوي المشروعة أن تكون تابعة لزيارة المسجد النبوي. قالوا: ولا يشرع شد الرحال إليها، أي إلى القبور، بل شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين والأماكن الأخرى غير المساجد الثلاثة - المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى - إن عقد الإجماع على تحريمه. ومن فعله فهو عاص بنيته آثم بقصده لمفهوم الحديث الوارد في شد الرحال إلى المساجد الثلاثة. فتكون هذه الزيارة من الزيارة الممنوعة إن كان القصد هو القبر. أما إذا كان القصد المسجد والقبر تابعاً لذلك فلا بأس. فإذا نفرق بين الزيارة المشروعة وبين الزيارة الممنوعة بالقصد. أن يشد الرحل إلى المسجد - يعني يسافر الإنسان لأجل صلاة في المسجد - ويقول: وسأزور القبر النبي صلى الله عليه وسلم، تكون نية تابعة، فهذا لا بأس به، مستحب. أما أن يقول: سأزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم سأصلي - يعني تكون نية زيارة القبر مقدمة على نية الصلاة في المسجد - هذا من شد الرحال المنهي عنه. قالوا: أما كيفية الزيارة، فعلى الزائر أن يقف تجاه قبر النبي صلى الله عليه وسلم بأدب وخفض صوت، ثم يسلم عليه قائلاً: «السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته». لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». والحديث رواه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة بإسناد حسن. والشاهد منه أن الإنسان يسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاماً بأدب مع خفض صوت. وما شابه ذلك من آداب. ثم بعد ذلك يسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويدعو لهما ويترحم عليهما. قالوا: ويحرم على الزائر وغيره التمسح بالحجرة أو تقبيلها أو الطواف بها أو استقبالها حالة الدعاء أو سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم قضاء الحاجات أو تفريج الكربات وشفاء المرض ونحو ذلك، لأن ذلك كله لله، ولا يطلب إلا منه. بل من فعل هذه الأفعال فقد وقع في الشرك. المسألة الثالثة: الأماكن الأخرى التي تشرع زيارتها في المدينة النبوية. بمعنى: من أتى المدينة، جاء إلى المدينة من أجل زيارة المسجد النبوي، هناك أمور أو أماكن يستحب له أن يزورها. وهناك أماكن لا يشرع له أن يزورها كما سيتفصيل ذلك وبيانه. يستحب لزائر المدينة - رجلاً كان أو امرأة - أن يخرج متطهراً إلى مسجد قباء ويصلي فيه، بفعله صلى الله عليه وسلم، حيث كان يزور مسجد قباء راكباً وماشياً ويصلي فيه ركعتين. كما في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وكان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ذلك. وقوله صلى الله عليه وسلم: «من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة». والحديث رواه أحمد وغيره من حديث سهل بن حنيف، وإسناده حسن أو صحيح. وفيه فضيلة واضحة للصلاة في مسجد قباء، لكن لمن كان في المدينة. قالوا: ويسن للرجال فقط زيارة قبور البقيع وقبور الشهداء في أحد كقبر حمزة رضي الله عنه وغيره، ويسلم عليهم ويدعو لهم، لفعله صلى الله عليه وسلم، إذا كان يزورهم ويدعو لهم. ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت». والأرجح من أقوال أهل العلم أن المرأة كذلك يشرع لها إن ذهبت، لكن بالضوابط الشرعية. قالوا: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإن شاء الله لاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية». والحديث رواه مسلم من حديث بريدة. وجاء بنحوه من حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم أيضاً. قالوا: هذه الأماكن التي تشرع زيارتها في المدينة. أما الأماكن الأخرى التي يظن بعض العامة أن زيارتها مشروعة - كمبرك الناقة، ومسجد الجمعة، وبئر الخاتم، وبئر عثمان، والمساجد السبعة، ومسجد القبلتين - فهذه لا أصل لها، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه زار هذه الأماكن أو أمر بزيارتها، ولم يرد عن أحد من السلف الصالح أنه زارها. وليس لأي مسجد في المدينة فضل خاص إلا مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». فينبغي للمسلمين إذا زاروا المدينة أن يتقيدوا بالأماكن التي تشرع زيارتها. والأمر كما ذكر. وزيارة غير الأماكن التي شرع زيارتها من البدع المحدثة، ولا سيما لمن اعتقد أن فيها فضلاً. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.