الدرس في كتاب الحج 7، ألقاها
يستحب البدء بالتلبية عند استواء الراحلة ويرفع الصوت بها، ويستحب الإحرام عقب صلاة فريضة. يتناول المقطع أحكام التلبية والإحرام، ومتى تنقطع التلبية واستحباب الاشتراط لمن كان شاكيًا.
يبدأ الطواف من الحجر الأسود ويجعل البيت عن يساره، ويشرح شروط الطواف وواجباته مع ذكر آراء العلماء حول اشتراط الطهارة للطواف.
ذهب العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين إلى أن تسمية المولود يوم ولادته مستحبة وليست واجبة أو شرطا، وهذا القول هو ما يراه الأظهر.
بسم الله والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. ذكرنا فيما مضى أنه يستحب البداية بالتلبية إذا استوت به راحلته، لما روى أنس وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ركب راحلته واستوت به أهل، أي أهل بما أهل به، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، رواهما البخاري. وكذا ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما بهذا المعنى، قالوا: قال العلماء: ومعنى إهلاله رفع الصوت بالتلبية. فقالوا: يستحب أن تكون التلبية بصوت مرتفع، بشرط ألا ينقطع صوته. وكذلك يستحب أن يكون عقب صلاة، والصلاة المراد بها الفريضة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر ثم أحرم. قال العلماء: فلو أنه جاء في وقت غير وقت صلاة الفريضة، فليس للإحرام صلاة معينة كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. لكن إذا جاء في وقت تجوز فيه الصلاة، مثلا جاء في وقت الضحى، فصلى ركعتين الضحى ثم أحرم، قالوا: فهذا حسن. أو مثلا جاء من الليل فصلى ما تيسر من الوتر ثم أحرم، قالوا: فكذلك. فالحاصل أنه إذا فعل هذا بعد الصلاة فهو حسن، وإن تأخر إلى بعد الفجر حتى ينطلق فكذلك هذا حسن. أما إذا أحرم من غير صلاة فلا شيء عليه. مثلا جاء وقد صلى العصر، وأراد الإحرام بعد صلاة العصر، وتعرفون خلاف الصلاة بعد صلاة العصر، فهل له أن يصلي ركعتين؟ قال العلماء: لا يصلي، يحرم ثم ينطلق. هذا أمر ثاني، أن الملبي يبقى على تلبيته، يلبي يستمر في التلبية. قال العلماء رحمهم الله تعالى: ويستحب الجهر بالتلبية عند كل شارف، أي عندما يرى شارفًا مقبلا أو ما شابه ذلك، يستحب له أن يرفع صوته بالتكبير. قالوا: وإذا رأى رفقته كذلك يستحب له أن يرفع صوته بالتكبير. مثلا نحن في هذه الأيام في حافلات، مثلا حافلة مرت بجانب حافلة أو ما شابه ذلك، فيستحب التكبير والتلبية لأجل إظهار هذه الشعيرة. وقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل هذا إذا مر بقوم رفع صوته بالتلبية. قالوا: وتنقطع التلبية عند رؤية بيوت مكة، وبعضهم قال عند الدخول الحرم، عند أن يقترب من الحرم. ومنهم من قال: إذا رأى البيت. وكلها في هذا المعنى. وقد كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا دخل أدنى الحرم قطع أو أمسك عن التلبية. ويستحب لمن كان شاكيًا، أي كان به مرض يخشى أن لا يواصل في الحج، أن يشرط. ومعنى أن يشرط: أن يقول: "لبيك اللهم لبيك بحج أو عمرة أو ما أراد أن يحرم به، ثم يقول: فمحلي حيث حبستني". لما جاء في حديث ضباعة بنت الزبير رضي الله عنها أنها قالت: أنها لما كانت شاكية فخافت أن يصدها المرض عن البيت، أمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن تلبي وتقول: "محلي حيث حبستني". قال علماء رحمهم الله تعالى: ما فائدة هذا الاشتراط؟ قالوا: فائدة هذا الاشتراط أن هذا الشاكي إذا ما استطاع الحج أو ما استطاع العمرة، إما لمرض شديد ما استطاع مع المواصلة، أو أنه حال بينه وبين مواصلة الحج، مثلا قطاع طريق أو ما شابه ذلك، قالوا: له أن يتحلل وأن يرجع إلى بلده، وليس عليه شيء. وهل الاشتراط يكون لكل أحد؟ ذهب بعض أهل العلم إلى ذلك، وأكثر أهل العلم على أن الاشتراط لا يكون إلا لمن كان يخشى أن لا يواصل في نسكه، إما لكونه في نفسه مريضا أو لكون بينه وبين الحرم ما يخاف أن لا يواصل بسببه. ويستحب أن يحرم في ثوبين نظيفين، فإن كان أبيضين فهما أفضل، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "البسوا من ثيابكم البيض، وكفنوا بها موتاكم". ويجوز أن يحرم في جميع أجناس الثياب المباحة، أي المباحة المحرم ما لم تكن من محظورات الإحرام. قال: والسنة أن يحرم في إزار ورداء، سواء كان مخيطين أو غير مخيطين، بشرط ألا يكون مفصلا على أجزاء الجسد. ويجتنب ملابس الإحرام التي ذكرت في محظورات الإحرام. قال: والأفضل أن يحرم بنعلين إن تيسر، فإن لم يجد نعلين لبس الخفين، وليس عليه أن يقطعهما دون الكعبين. ثم بعد الإحرام وقطع التلبية، يقدم على البيت فيطوف عليه. أول أفعال المحرم بعد الإحرام الطواف، لذا سنتكلم هنا بإذن الله جل وعلا على الطواف، على صفته وشروطه وحكمه وغير ذلك. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن صفة كل طواف، واجب كان أو غير واجب، أن يبتدئ من الحجر الأسود، فإن استطاع أن يقبله قبله، أو يلمسه بيده ويقبلها إن أمكنه ذلك. فإن لم يستطع استلمه بعرجون أو نحوها دون أذية. فإن لم يستطع ذلك أشار إليه إشارة وهو مستقبل له. ثم يجعل البيت عن يساره، ويطوف سبعة أشواط، يرمل في الثلاثة الأشواط الأولى، ثم يمشي في الأربعة. ومعنى الرمل: إسراع المشي مع مقاربة الخطو. ولا رمل على النساء باتفاق العلماء. ويستلم الركن اليماني، وهو الذي على قطر الركن الأسود، لثبوت هذه الصفة من فعله صلى الله عليه وسلم. ومعنى استلام الركن اليماني: أن يمسحه بيده، ليس فيه تقبيل ولا إشارة إليه إذا كان بعيدا. ثم من مسائل الطواف شروطه وواجباته. فمن الشروط التي ذكرها بعض أهل العلم: اشتراط الطهارة للطواف. ووقع فيها خلاف، فذهب طائفة من أهل العلم إلى أنها شرط، وذهب آخرون إلى أنها واجبة، وذهب آخرون إلى أنها ليست بواجبة ولا شرط، ولكنها مستحبة. استدل القائلون بالشرطية بأدلة، منها حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت. ومنها حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجته: "لتأخذوا عني مناسككم". ومنها حديث ابن عباس مرفوعا: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه الكلام، فلا تكلموا فيه إلا بخير". وأجابوا عن أدلة المخالفين، فقالوا عن حديث عائشة: إنه يحمل على الاستحباب. وقالوا عن حديث جابر: إنه لا يدل على الوجوب. وقالوا عن حديث ابن عباس: إنه ليس مرفوعا، وإن كان مرفوعا فليس معناه أن الطواف مثل الصلاة من جميع الوجوه. والقول بالشرطية يحتاج إلى دليل يدل عليه، وأيضا مما ذكروا: ما يحصر من المشقة الكبيرة في هذا الشرط. فالأظهر والله تعالى أعلى وأعلم ما ذهب إليه العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى بأنها ليست بشرط ولا واجب، ولكنها مستحبة. والله تعالى أعلم.