الدرس في كتاب الحج 23، ألقاها
يتناول هذا الفصل أحكام لباس المحرم وما يحظر عليه لبسه، مع شرح آراء الفقهاء في المسائل المختلف فيها مثل لبس المخيط والتضليل. كما يبين الأحكام الخاصة بالمرأة المحرمة في لباسها وتغطية وجهها ورأسها.
يتناول هذا الفصل آراء العلماء في حكم تغطية المحرم لوجهه وتطيبه قبل الإحرام، مع توضيح الراجح من أقوالهم في هذه المسائل.
يشرح هذا الفصل حكم وقوع الطيب غير المتعمد أثناء الوضوء للمحرم، ويبين أنه لا إثم على من يقع في ذلك دون قصد.
بسم الله الرحمن الرحيم، وحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا مباركا فيه، ما يحبه ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب الحج منه: قال "باب ما يلبس المحرم من الثياب". وقوله رحمه الله تعالى: "باب" تقديره معنى مرارا، أن معنى الباب المدخل، والمدخل قد يكون حسيا وقد يكون معنويا، وهنا المراد به المدخل المعنوي. وقوله رحمه الله تعالى: "ما يلبس المحرم من الثياب" أي ما يجوز له أن يلبس وما لا يجوز له. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن العبادات لكل عبادة جعل الله جل وعلا شيئا أو جعل لها محظورات، وجعل لها ما هو من المباحات أو الواجبات أو المستحبات أو الأركان أو الشروط إلى غير ذلك. فمثلا الصلاة من محظورات الصلاة الكلام، مثلا في الصلاة، ومن محظورات الصلاة أيضا التحرك حركة زائدة لغير حاجة وما شابه ذلك. قالوا: وكذلك بالنسبة للصيام من محظورات الصيام الأكل والشرب والجماع وهكذا. ذكروا في الحج أن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ذكر محظورات، وكذلك ربنا جل وعلا ذكر محظورات للمحرم. قال "باب ما يلبس المحرم من الثياب". قال عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجلا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: "لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويل والبرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس". قال البخاري: "ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين". قوله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هو معروف، الصحابي الجليل رضي الله عنه وقد تكرر معنا مرارا. قال: "أن رجلا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟" قال العلماء رحمهم الله تعالى في هذا السؤال: إشعار في أن الناس قد علموا أن من أراد الدخول في الإحرام فإنه يباع له لباس ويحرم عليه لباس، فلأجل هذا سؤال بهذا السؤال بقول "ما يلبس المحرم من الثياب". الناظر في سؤال السائل يرى فيه أن الرجل سأل ماذا ما يلبس أي ما يجوز له أن يلبس. والناظر في جواب النبي صلى الله عليه وسلم فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بما لا يلبس. قال العلماء رحمهم الله تعالى: هذا الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم إشعار في أن ما يحرم على المحرم من الثياب مخصوص بما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، وما عداه مباح. لذا لو كان في هذا المقام قال له النبي صلى الله عليه وسلم "يحل لك أن تلبس كذا وكذا" لطال المقام. لكن النبي صلى الله عليه وسلم الذي آتاه الله جل وعلا جوامع الكلم، ذكر له المحظورات، وبترك المحظورات يجوز له لبس ما عداها. بمعرفة المحظورات من الثياب يعلم ما عداها مما يباح له لبسه من الثياب. قال علماء رحمهم الله تعالى في قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا يلبس كذا وكذا" إلى آخرها من أشياء: فيها دلالة على أن ما سوى ذلك من الأشياء المباحة. ثم ذكر العلماء رحمهم الله تعالى كذلك أمرا آخر، وهو أن هذه الأشياء التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم من المحرمات التي لا يجب على المحرم أن يتركها، هل هي مقصودة بذاتها أو يدخل فيها كذلك ما كان في معناها؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: يدخل فيها ما كان في معناها. قوله رحمه الله تعالى: "لا يلبس القمص" القميص معروف، جمع قميص. "ولا العمائم" جمع عمامة، والعمامة معروفة. "ولا السراويلات" جمع سراويل، ولفظ سراويل كما يذكر العلماء رحمهم الله تعالى وإن كان صورته صورة الجمع، ولكنه مفرد. قال "ولا البرانس" والبرانس فيها ملتصق ما يغطي الرأس. قالوا: "الخفاف" جمع خف، ومفرده خف. والخف والخوف كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى باصطلاح عام هو كل ما أخفى القدمين أو كل ما أخفى الكعبين. قال "إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين". قوله "ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس" الزعفران قالوا هو نبت يصبغ به الثياب، ولونه أشبه ما يكون بلون البصل. وأما الورس قالوا: نوع من النبات يصبغ به كذلك الثياب، وهو أشبه ما يكون باللون الأصفر. قال البخاري: "ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين". النقاب قالوا: هو ما تشده المرأة على وجهها وتجعله له فتحتين لأجل النظر من جهة العينين. والقفازين كذلك هو لباس للكفين. قال عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه: ما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات قال: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل" يعني المحرم. الناظر في حديث ابن عباس فيه من لم يجد نعلين فليلبس خفين بخلاف حديث ابن عمر، فيه أنه قال: "لا يلبس خفان أو لا يلبس الخفاف فإن لم يجد الخفاف فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين". بخلاف حديث ابن عباس فإنه ليس فيه ذلك. استدل به الإمام أحمد رحمه الله تعالى في رواية، وكذلك ذهب إلى ذلك طائفة من السلف، واختاره جماعة من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره. من أن من لم يجد النعلين فإنه يلبس الخفين وليس له أن يقطعهما. وحملوا الحديث الأول حديث ابن عمر على أنه منسوخ. وسيأتي الكلام بإذن الله عز وجل على المسائل المتعلقة بمحظورات الإحرام. قال القول في المحظورات أي ما يتركه المحرم. قال: وهو ما يمنع الإحرام، وهو ما يمنع الإحرام من الأمور المباحة للحلال. والأصل في هذا ما ثبت من حديث مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما يلبس المحرم من الثياب" فذكر حديث ابن عمر. قال: فاتفق العلماء على بعض الأحكام الواردة في هذا الحديث واختلفوا في بعضها. قال: فمما اتفق عليه أنه لا يلبس المحرم قميصا ولا شيئا مما ذكر في هذا الحديث، ولا ما كان في معناه من مخيط الثياب. وأن هذا مخصوص بالرجال. نقف هنا. قوله "فاتفق العلماء على بعض الأحكام الواردة في هذا الحديث واختلفوا في بعضها". نبدأ بما ذكر مما اتفقوا عليه. قال "فمما اتفقوا عليه أنه لا يلبس المحرم قميصا" القميص معروف. قال "ولا شيئا مما ذكر في هذا الحديث" أي من الأشياء المذكورة في هذا الحديث. "ولا ما كان في معناه" أي أنه لا يجوز له أن يلبس القميص ولا ما كان في معناه من مخيط الثياب. ما مقصود الفقهاء بمخيط الثياب؟ هل مقصودهم أن كل ثوب مسه الخيط أو كان مخيطا فإنه لا يجوز أن يلبس؟ أم أن لهم معنى آخر؟ الجواب أن لهم مقصدا آخر، وهو أن مقصودهم بالمخيط من الثياب هو ما كان مخيطا مفصلا على الأعضاء. مثال ذلك إذا لبس الإنسان إزارا مخيطا، فهل عليه في ذلك شيء؟ الجواب له أن يلبسه، لماذا؟ لأنه لم يفصل على حسب الأعضاء. وإنما المحظور من لباس الإحرام ما كان مخيطا على حسب الأعضاء كالقميص وما كان في معناه. مثل الفانلة أو ما نسميه بالشميز، هذا كذلك من المخيط، لماذا؟ لأنه مفصل على أعضاء تدخل منه اليدين ويدخل منه الرأس. وكذلك يقول في السراويلات، من لبس السراويلة الصغيرة التي بعض الناس يلبسها تحت السراويل الكبيرة، حكمها حكم محظورات الإحرام، لماذا؟ لأنها سراويل مخيطة على حسب الأعضاء. كذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم "ولا العمائم" ذكر العلماء رحمهم الله تعالى كذلك أنه يدخل فيه ما كان في معنى العمامة مثل القلنسوة. قالوا: كل ملاصق للرأس فإنه لا يجوز. هل يدخل في ذلك ما غطى به الإنسان رأسه ما لم يكن ملاصقا كمثلا المضلة أو غطاء السيارة أو سقف الخيمة أو ما شابه ذلك؟ الجواب أنه لا يدخل في هذا المعنى، لماذا؟ لأنه ليس مستمرا. بخلاف العمامة ونحوها فإنها ملاصقة مستمرة للرأس. استدلوا بما جاء في صحيح مسلم أن بلالا حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة كان بلال والفضل بن العباس أحدهما ماسك بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر يضلل رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه. فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى بأن ما كان بهذا المعنى أي في التضليل كالمضلة ونحوها فإنه جائز مشروع. لماذا؟ لما ذكر من الأحاديث في هذا الباب. الجبة يا جماعة تعرفون الجبة الذي يلبسها مثل الآن في دول الخليج، هل يجوز لبسها أم لا؟ لا يجوز لبسها، لماذا؟ لأنها مخيطة. وبخصوصها جاء حديث يعلى بن أمية أن رجلا جاء وهو لابس جبة يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمها فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يخلعها. فالحاصل أنه كذلك في حكم القميص لأنه مخيط على الأعضاء. قال "فمما اتفق عليه أنه لا يلبس المحرم قميصا ولا شيئا مما ذكر في هذا الحديث ولا ما كان في معناه من مخيط الثياب وأن هذا مخصوص بالرجال". أعني تحريم لبس المخيط وأنه لا بأس للمرأة بلبس القميص والدرع والسراويل والخفاف والخمر. المرأة لا يجب عليها بل يجب عليها التستر، فكل ما كان ساترا لها لا سيما في الحج يحصل ما يحصل من الالتقاءات وكثرت الناس. فالحاصل أن تلك الأحكام المذكورة في مسألة المخيط إنما هي في حق الرجال. قالوا واختلفوا في من لم يجد غير السراويل هل له لباسها؟ فقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز له لباس السراويل وإن لبسها فعليه الفدية. وقال الشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وداود لا شيء عليه إذا لم يجد إزارا. وعمدة مذهب مالك ظاهر حديث بن عمر المتقدم. قال ولو كان في ذلك رخصة لاستثناها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استثنى في لبس الخفين. وعمدة الطائفة الثانية حديث بن عباس. والصواب هو القول الثاني أن من لم يجد الإزار فإنه يلبس السراويل. وأجاب العلماء رحمهم الله تعالى عن حديث ابن عمر بأنه كان في المدينة، وحديث ابن عباس إنما كان في يوم عرفة. ويوم عرفة قد اجتمع فيه من الناس من اجتمع. لذا ذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة إلى أن حديث ابن عمر منسوخ بحديث ابن عباس. كذلك ذهب إليه طائفة من السلف كعطاء بن أبي رباح وغيره، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فإذا علم هذا ننبه كما يقال الشيء بالشيء يذكر، بعض المحرمين إذا ركب في الطائرة يقول ركبت في الطائرة ولم ألبس بعد ثياب الإحرام، فماذا أصنع؟ الجواب إذا لم يكن معه إلا السراويل فإنه يبقى عليها ويخلع ما كان لابسا من الشماز أو الفانلات أو ما شابه ذلك. قال جمهور العلماء على إجازة لباس الخفين مطوعين لمن لم يجد النعلين. وقال أحمد جائز لمن لم يجد النعلين أن يلبس الخفين غير مطوعين. واختُلف في من لبسهما مطوعين مع وجود النعلين، فقال مالك عليه الفدية. وبه قال أبو سورة. وقال أبو حنيفة لا فدية عليه. والقولان عن الشافعي. ذهب بعضهم إلى أنه يلبس النعلين فإن لم يلبس النعلين مع وجودهما فإن عليه الفدية. قال وأجمع العلماء على أن المحرم لا يلبس الثوب المصبوغ بالورس والزعفران لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر "لا تلبس من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس". وقد تقدّم معنى أنهما صبغان أحدهما بلون البصل والآخر أصفر وكلاهما فيه طيب. قال واختلفوا في المصفر الثوب المصبوغ بالعصفر، فقال مالك ليس به بأس لأنه ليس بطيب. وقال أبو حنيفة والثوري هو طيب وفيه الفدية. وحجة أبي حنيفة ما خرجه مالك عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس القسي وعن لبس المعصفر. والحديث رواه كذلك الإمام أبو داود وغيره وصححه العلامة الألباني وهو نص في المسألة من أنه لا يجوز لبس المعصفر للرجال. قال وأجمع على أن إحرام المرأة في وجهها وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها وأن لها أن تزدل ثوبها على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال إليها. بمعنى أن المرأة لا تنتقب. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى في النقاب وما كان في معناه من البرقع. قال وما كان في معنى النقاب تأخذ مثلا من خمارها فتلويه على أنفها فتغطي بها وجهها فما تبقي إلا عينيها هذا كذلك يأخذ حكم النقاب. قالوا أن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها، وأن لها أن تزدل ثوبها على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال إليها. كنحو ما روي عن عائشة أنها قالت: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن محرمات فإذا مر بنا ركب سدلنا وجوهنا سدلنا على وجوهنا الثوب من قبل رؤوسنا وإذا جاوز الركب رفعناه". قال ولم يأت تغطية وجوههن إلا ما رواه مالك عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: "كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق". وجاء في لفظ آخر: "أن أسماء بنت أبي بكر الصديق كانت تخمر رأسها كانت تخمر وجهها وتقول كنا نفعله ونحن محرمات". فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى أن للمرأة أن تغطي وجهها بثوب يكون من أعلى الرأس. قالوا اختلفوا في تخمير المحرم الذكر الرجل، اختلفوا في تحريم المحرم وجهه بعد إجماعهم على أنه لا يخمر رأسه. أجمع العلماء على أنه لا يخمر رأسه. واستدلوا بخصوص هذا في أنه لا يخمر رأسه بما جاء في الصحيحين في قصة الرجل الذي وقصته ناقته فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بماذا بأن يكفن في ثوبيه وقال "لا تخمر رأسه". فاستدل العلماء رحمهم الله تعالى على أن المحرم لا يخمر رأسه. لأن الرجل إذا كان ميتا والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخمير رأسه قال "فإنه يبعث ملبيا". قالوا فمن كان حيا ومحرما فهو من باب أولى. قال فروى مالك عن ابن عمر: أن ما فوق الذقن من الرأس لا يخمره المحرم. وإليه ذهب مالك. معنى هذا أن الإمام مالك يقول لا يجوز تغطية الوجه والرأس من باب أولى. وروي عنه أنه إن فعل ذلك ولم ينزعه مكانه افتدى. وقال الشافعي وأبو ثور يخمر المحرم وجهه إلى الحاجبين. أي له أن يخمر إلى الحاجبين لأن ما فوق الحاجبين سيصل إلى الرأس. وروي من الصحابة عن عثمان وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وسعد بن أبي وقاص أنه يجوز للرجل أن يغطي وجهه. والاختلاف في هذا جاء في رواية في البخاري في ذلك المحرم الذي وقصته ناقته أن جاء في بعض الألفاظ أنه قال "ولا تخمر وجهه ورأسه". فاستدل بعض بهذه اللفظة على أن الوجه كذلك لا يخمر. والصحيح الذي عليه الحفاظ أن هذه الرواية لم تصح. ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تخمر رأسه" إشعار إلى أن ما عدا الرأس فإنه يجوز تخميره. فما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تخمر رأسه" فمفهومه أن ما عدا الرأس يجوز أن يخمر. قال واتفاقهم في اللباس. قال فهذا هو مشهور اختلافهم واتفاقهم في اللباس أي في ما يلبس المحرم وما لا يلبس. قال وأصل الخلاف في هذا كل اختلاف في قياس بعض المسكوت عنه على المنطوق به. قال واحتمال اللفظ المنطوق به وثبوته أو لا ثبوته. وأما شيء الثالي من المحظورات فهو الطيب. وذلك أن العلماء أجمعوا على أن الطيب كله يحرم على المحرم بالحج والعمرة في حال إحرامه. ويختلف في جوازه للمحرم عند الإحرام قبل أن يحرمه لما يبقى من أثره عليه بعد الإحرام. فكرهه قوم وأجازه آخرون. وممن كرهه مالك وروي عن عمر بن الخطاب وهو قول عثمان بن عمر وجماعة من التابعين. وممن أجازه أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وداود. والحجة لمالك رحمه الله من جهة الآثار حديث صفوان بن يعلى في الصحيحين وفيه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بجبة مضمخة بطيب فقال: "كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب؟" فأنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أفرغ قال: "أين السائل عن العمرة آنفا؟" فلتمس الرجل فأتي به فقال عليه الصلاة والسلام: "أما الطيب الذي بك فاغسله عنك ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع ما شئت في عمرتك كما تصنع في حجتك". الحديث اختصر. وقوله هو الذي ذكرته. لو استفيد منه ماذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأن يخلع جبته وأن يغتسل من الطيب. وعمدة الفريق الثاني ما رواه مالك عن عائشة أنها قالت: "كنت أطيب رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت". والحديث متفق عليه. واعتل الفريق الأول بما روي عن عائشة أنها قالت: "وقد بلغها إنكار ابن عمر تطيب المحرم قبل إحرامه قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف على نسائه ثم أصبح محرما". قال مالك: "وإذا طاف على نسائه اغتسل". فإنما يبقى عليه أثر ريح الطيب لا جرمه نفسه. فمثل هذا يعفى عنه. فرجعوا إلى ما رئي الأصل وهو أنه لا يجوز للمحرم أن يتطيب لا قبل إحرامه ولا في أثناء إحرامه. ولكن الصحيح القول الثاني وهو ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ومن معه. وذلك لأن حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها إن سلم في الفقرة الأولى في قولها "كنت أطيب رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم" فلا يسلم في الفقرة الثانية. وهي في قولها "ولحله قبل أن يطوف بالبيت". لأن المحرم إذا تحلل التحلل الأول لا يجوز له أن يأتي نساءه. فقول عائشة "فطيبتهم" يدل على جواز الطيب للمحرم. لكن نرجع إلى أصل المسألة وهي ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: "رأيت وبيص الطيب من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم". كما جاء في الصحيح. رأت ضوء ولمعة الطيب من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا يدل على أن الطيب كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا. وكذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: "كانت إحداهن تضع الطيب على رأسها قالت وربما نزل الطيب إذا عرقت قالت ربما نزل الطيب على وجهها فيرى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينكره". وهذا هو الصحيح. وقد تقدم معنا في أولى المسائل في الكتاب: أن هذا يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا. بمعنى أن الطيب ما دام أن المحرم فعله قبل إحرامه ثم دخل في إحرامه فإنه عرق ووقع على شيء من ثياب إحرامه فلا شيء عليه. وجاء في حديث عائشة من أنه كان يسير العرق على وجهها. وجاء أنها تضع الثوب إذا حاذت الرجال تزدل على وجهها. يدل على أنه يقع تلاصق بين الثياب وبين الطيب. والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينكر ذلك. فيدل على الجواز. بخلاف من طيب ثياب الإحرام هل يجوز للرجل أن يأخذ ثياب الإحرام فيبخرها قبل أن يحرم ويطيبها ثم يلبسها؟ لا يجوز بإجماع. لماذا؟ لحديث صفوان بن يعلى بن أمية أنه ذكر الحديث. فالحاصل أن رجلا جاء مضمخا جبته بالطيب فنهى النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن يغتسل. فإذا حصل أن رجلا محرما التقى برجل غير محرم فصافحه أو سلم عليه وكان في يده الآخر طيب ماذا يصنع؟ قال علماء: يغسل يده إذا وقع منه ذلك فليذهب ويغسل يده. ولا شيء عليه. يغسل يده ولا شيء عليه لأنه لم يتعمد الطيب وإنما وقع منه ما وقع تبعا. والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا القدر. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.