المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ الفاضل عبدالوهاب السلفي، الثلاثاء ٦ شوال ١٤٣٤هـ بمسجد السنة بديس المكلا ألقاها
يؤكد الدرس أن الأخوة الدينية هي أساس الدين مستنداً إلى آية الاعتصام بحبل الله وتأليف القلوب، ويضرب مثل الصحابة الذين وحدتهم العقيدة رغم اختلاف أصولهم. ويبين أن هذه الوحدة هي سبب نصر الله وتمكين الدين، محذراً من أي تفريط يضعف هذا الركن العظيم.
يستعرض المحاضر أبرز مفسدات الأخوة كالحسد والتنازع على الدنيا والتعصب، مستشهداً بقصص ابني آدم ويوسف وإخوته وحديث دعوى الجاهلية. ويوضح أن الانتماء للقبائل والأوطان يكون للتعارف لا للتعصب، وأن الولاء والبراء يقتصران على دعوة الإسلام.
يختتم المتحدث بالدعاء أن يعيد الله مثل هذه اللقاءات المباركة كل عام وشهر وأسبوع بالخيرات والطاعات. ويشكر الحضور على حسن إنصاتِهم واستماعِهم للدرس.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله، وعلى آله وصحبه. ثم أما بعد: فشكر الله لكل من تكلم وساهم في هذا المقام المبارك مما طرح على مسامعنا جميعًا، وألقي بين أيدينا من نصائح جوهرية وتوجيهات سلفية وآثار نبوية وآيات قرآنية. فلقد سمعنا خيرًا كثيرًا، ورأينا ما به تقر أعين المحبين من هذه الجموع الطيبة، والوجوه المتلألئة بأنوار الإيمان وأضواء السنة. أيها الإخوة، مما أتكلم عنه في هذا المقام تجوالاً سريعًا وتحليقًا مختصرًا في سماء هذه الأمة بحضرات الجميع. نعلم جميعًا أن ما من شيء إلا وله ركائز ودعائم بها يقوم، وعلى أسها وأساسها يدوم. وما من أمر يقوم ويكتب له أن لا يدوم إلا له مفسدات ومزيلات، وأمور مضعفات وأحوال ناسفات لتلك القوائم والركائز القائمات. وعلى قدر قوة البناء يكون البقاء، وعلى ضعفه يكون الزوال والتلاشي والاضمحلال. من ركائز هذا الدين ودعائمه الأخوة، وما ساقنا إلى هذا المساق المبارك إلا أخوة دينية وعلى طريقة سلفية. وهذه الأخوة لها دعائم وركائز، ومن ركائزها ودعائمها الألفة والمحبة. وبهذه الأخوة وبمقوماتها يقوم بنا دين الله، وتقوم بنا سنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويصلح حال هذه الأمة في زمانها هذا بما صلح به حالها في زمان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا يقول الله في كتابه الكريم مبينًا عظمة النعمة على أولئك الرجال والأقوام الذين بهم قام هذا الدين وبه قاموا، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾. واذكروا أيها الصحب الكرام إذ كنتم أعداءً فألف الله بين قلوبكم، وبهذه الألفة تمت عليكم نعمة الله ودامت، وكذلك ذلت لكم أعداءكم، وعلى شرع الله استقامت فارس والروم أرضًا وأفرادًا، سلكوا مسلك التوحيد لله عز وجل، وخرجوا من عبادة العبيد إلى عبادة رب العباد سبحانه وتعالى. لم يكن ذلك إلا بعد أن ائتلف الصحب الكرام ولم يختلفوا، وبعد أن كذلك سلكوا ولم يبتعدوا عن هذا المسلك المبارك، وبعد أن كملت عليهم هذه النعمة وتمت ودامت حتى توفاهم المولى سبحانه وتعالى. ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. فما أشبه الليلة بالبارحة! أن ترى أخاك المسلم في هذا المقام وقد جئنا من بلاد شتى ومن بقاع تترى: منا من أتى من أطراف المهرة، ومنا من أتى من أطراف عدن، ومنا من أتى من أطراف صنعاء، ومنا من أتى من أطراف عدن، ومنا من أتى من غيرها من بقاع اليمن، إلى أن نلتقي جميعًا في هذا الملتقى، ملتقى كتاب الله عز وجل وسنة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكأني بكم وأنتم تقفون على أقدام الفرحة، وبقلوب تملؤها البهجة ويغشاها السرور، وأنتم تقفون على أقدامكم سائلين خير الرجال والأقوام الصحب الكرام، فتقولون: ما الذي ألف بينكم؟ وما الذي صهر جميع ألوانكم وجميع لغاتكم وجميع بقاعكم وجميع مشاربكم ومواردكم ومناشيكم إلى أن صرتم جسدًا واحدًا، وإلى أن صرتم كذلك جرعًا للإسلام واحدًا؟ ما الذي وحد بين بلال الحبشي وسلمان الفارسي وسُهيب الرومي وعلي الهاشمي وعمر العدوي وكذلك أبي بكر القرشي وغيرهم ممن انضووا تحت لواء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ إنها نعمة الله التي من بها على أولئك الأقوام، فحينها كانوا جسدًا واحدًا، وكانوا كلاً لا يتجزأ مهما كانت الأمور ومهما كانت الظروف. فبهم قام دين الله وبه قاموا. ولهذا ذكر الله نبيه في كتابه الكريم أنه بنصره أمده، وأنه بجنده أعده، وأنه كذلك قد استمد النصر من الله. وكذلك مما جعله الله من أسباب النصر: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾. يا محمد، يا محمد، الله الذي أيدك بنصره وأيدك بالمؤمنين: لو أنفقت ما في الأرض جميعًا، لو ملكته لتؤلف بين قلوب هؤلاء ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم. فكانوا من أسباب النصر ومن دروع الحماية للدين والملة بعد أن ائتلفت قلوبهم، استقامت أجسادهم وجوارحهم على طريق السير إلى الله عز وجل، قيامًا بدين الله ونصرة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا يقول الله وهو يصور لنا ذلك المجتمع المبارك، المجتمع الذهبي السلفي الذي يعد جوهرة وعقدًا فريدًا في تاريخ البشرية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. هذا محمد رسول الله، وإن سألت عمّن معه فهم رجال يتحلون بالشدة والرحمة. إنها شدة في قلوبهم محمودة على أعداء الله، وإنها رحمة في قلوبهم موجودة محمودة على إخوانهم أولياء الله. ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. فهذه من صفات أهل الإيمان الذين بهم يقوم هذا الدين: أن يكونوا فيما بينهم رحماء، وعلى أعدائهم أشداء. وهكذا يقول المولى في كتابه الكريم مبينًا أنه إن ارتد أحد عن هذا الدين فالله سيأتي برجال يقومون بهذا الدين، يبذلون دماءهم، يبذلون قلوبهم، يبذلون أرواحهم، يبذلون أموالهم، يبذلون الدنيا وما يملكون فيها لنصرة هذا الدين. إن تولى فرد، وإن تولى عبد، وإن تولى أقوام، فالله سيأتي بغيرهم من هو أنصر لدين الله منهم، ومن هو أقوى بشرع الله منهم، ومن هو أحق بشرف النصرة وبشرف القيام بهذا الدين ممن تولى. ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. فالله سيأتي برجال موصوفين، ومن صفات هؤلاء الرجال خفض الجناح لبعضهم بعضًا، خفض جناح الرحمة والأخوة من بعضهم لبعض، وكذلك إظهار العزة والقوة على أعدائهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. هذه الصفة العظيمة، صفة المودة والمحبة والألفة، إذا سرت في عرقنا، وإذا امتزجت بلحومنا ودمائنا، فحينها نكون صخرة عاتية تتحطم عليها رماح أعدائنا، وتتكسر في صمها وصميمها سيوف أعدائنا وضربات أعدائنا. صخرة صماء وجبال شامخة أمام مخططات أعداء الله، إذا سرت فيه روح المحبة وروح المودة وروح الألفة بين أبناء الدعوة الواحدة السائرة على منهاج النبوة. فإذا سمعتم هذا الأمر، إخوة الإسلام، فلا شك أننا بحاجة إلى أن نسمع وأن نعلم أن هناك ما يفسد هذه الأخوة إن وجدت في أوساطنا. نحن في هذا الملتقى المبارك نشعر بدفء الأخوة ولطفها، فنعيش مع جو لطيف ومن ألطف الأجواء وهو جو الأخوة، ونعيش مع دفء مبارك وهو دفء الأخوة. فحينها هل يا ترى قد اجتمع رجال كما اجتمعنا وتآخوا بنا ومعنا كما تآخينا في مقامنا؟ الجواب: بلى. فأينهم؟ وأين آثارهم؟ الجواب: مفسدات تدب إلى روح الأخوة الإسلامية وجسمها فتنخر فيه، فألقت به صريعًا أو هالكًا أو تالفًا أو في عداد الموتى. والمفسدات عديدة، ومنها على سبيل الاختصار: الحسد. والحسد أيها الإخوة داء الأمم قبلنا كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالحسد داء عضال ومرض قتال، يغتال كثيرًا من النساء ومن الرجال. وأول دم يراق على وجه الأرض سببه الحسد، وأول أخوة تفسد على وجه الأرض سبب ذلك الحسد. فأين نحن من ابني آدم عليه السلام؟ وأين نحن من يوسف وإخوته عليه السلام؟ أيها الإخوة، ومن مفسدات الأخوة التنافس بالدنيا، فالحرص عليها من مفسدات أخوتنا، ولكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال كما يقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن مفسدات أخوتنا التعصب والتحزب. فهذا نداءان خطيران، وما أسرع ما ينخران في جسد الأخوة! التعصب والتحزب والعصبية لها فنون، وكل فنونها جنون، والحزبية لها ألوان، وكل ألوانها لا خير فيها. وأودع مقامي كلامًا معكم بما في البخاري ومسلم: حين كسع غلام مهاجر غلامًا أنصاريًا، فارتفع الصوت: يا للمهاجرين! فقابله صوت: يا للأنصار! فبلغت الأصوات ما أسمع نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ دعوها فإنها منتنة». ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام نفيس ومبحث قيم حول هذا الحديث في فتاوى. إسمان ولقبان شرعيان محمودان مباركان في كتاب الله عز وجل وفي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: تجد أن الهجرة وصف مبارك يفخر به كل مهاجر، وأن النصرة وصف مبارك يفخر به كل أنصاري. لكن لما حصل أن هذين الاسمين سيفرغان من معناهما، وأنه سيحصل التعصب وستظهر دعوة تحت هذين الاسمين الشرعيين الفاضلين، فإن ذلك مندر بشر وداع إلى شر. ومن هنا، كما تكلم بعض إخواننا حول الوطن: النسبة تعريفًا لا حرج فيها، أن يقول قائل: أنا شبوي، وذاك يقول: حضرمي، وذاك يقول: غير ذلك. لكن إذا حصل التعصب لأنك شبوي، وحصل التعصب لأن هذا حضرمي، وحصل التعصب لأن هذا شرقي وذاك غربي، وعلى هذا فقس، فحينها خرجت من فحواها ومن معناها ومن مبناها إلى ما لا تحمد فيه عقباها. نعم أيها الإخوة، ولهذا نقول: شعوب وقبائل للتعارف، لكننا لا نجعل الوطن وخطوط الوطن وتضاريسه أمرًا مقدسًا أو أصلاً يوالى ويعادى من أجله أبدًا. وإنما من صهرت فيه تلك الرجال والأقوام كما أسلفنا في بدء حديثنا هو الذي به وعليه دعوتنا تدعونا جميعًا إلى أن نرفع جميع الفوارق، وإلى أن نرفع جميع الحواجز، وإلى أن ننضوي جميعًا تحت لواء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ونقولها مدوية في سمع الزمان وفي سمع كل مخالف ومضل على طريق الشيطان: إننا إخوة متحابون في الله. إنها دعوة سلفية نسير على دربها وطريقها، ونستظل تحت لوائها وظلالها. فعلى دربها نسير، وعلى دربها نحيا ونموت، ومن أجلها نوالي ونعادي. لا من أجل تربة أرض، ولا من أجل شرق أو غرب، ولكن من أجل دعوة مباركة عليها نوالي وعليها نعادي. وأسأل المولى سبحانه وتعالى أن كما جمعنا في هذا المسجد المبارك أن يجمعنا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. ونسأله أن يؤلف بين قلوبنا كما جمع بين أجسادنا. ونسأله سبحانه وتعالى أن كما جمعنا في هذا المقام المبارك أن يجمعنا في دار كرامته، أن يجمعنا في دار كرامته. ونسأله أن يعيد علينا هذه اللقاءات وهذه الاجتماعات كل عام وشهر وأسبوع بالخيرات والمسرات، وبالطاعات والقربات. إنه خير مسؤول وأكرم مأمول، ولا حول ولا قوة إلا به، فهو المستعان. وبارك الله فيكم جميعًا على حسن استماعكم وإنصاتكم.