الخطبة بعنوان نعيم أهل الجنة، ألقاها
يصف هذا الفصل الجنة ونعيمها كما جاء في القرآن والأحاديث، مشيرًا إلى عظمتها واتساعها وتنوع نعيمها. يُظهر تفاوت درجات أهل الجنة حسب أعمالهم.
يتطرق هذا الفصل إلى تفاصيل نعيم أهل الجنة، بما في ذلك أبواب الجنة وأنهارها وطعامها وشرابها، وأوصاف نساء أهل الجنة. يشدد على دوام نعيمهم وعدم تعرضهم للتعب.
يصف هذا الفصل بناء الجنة ونعيم أهلها، مشيرًا إلى أنها مبنية من ذهب وفضة، ويوضح نعيم أدنى أهل الجنة منزلة. يشير إلى تمتعهم بنعيم فريد لا مثيل له.
يتناول هذا الفصل جزاء المؤمنين والكافرين يوم القيامة، موضحًا أن الجنة للمؤمنين الذين عملوا الصالحات، وأن الكافرين والمجرمين سيكون مصيرهم الحرمان والخسران.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وكذلك أوحينا إليك قرآنًا عربيًا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير﴾. إن ربنا جل وعلا أخبرنا في هذه الآية الكريمة أن الناس يوم القيامة على صنفين، وأنهم على طائفتين: فريق منهم هم أهل الشقاوة والتعاسة، وفريق منهم هم أهل السعادة والنعيم الذين فازوا بجنات عرضها السماوات والأرض. ويقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إن ربك فعال لما يريد وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض﴾. هكذا عباد الله، أكبر الله جل وعلا في كتابه الكريم بشقاوة أهل الشقاوة والتعاسة الذين طغوا في هذه الدنيا، وبسعادة أهل الجنة الذين قاموا بطاعة الله وأقبلوا على مرضاة الله سبحانه وتعالى. وكلامنا في هذا المقام عباد الله عن شيء من صفة نعيم أهل الجنة الذي أنعم الله جل وعلا به على أهل الإيمان والتقوى. يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾. هكذا يخبر ربنا جل وعلا أن هذه الجنة التي أعدها الله جل وعلا لعباده المتقين هي جنة عرضها السماوات والأرض، وليست عباد الله هي جنة واحدة، بل إن في الجنة جِنانًا، وإن أهل الجنة على درجات تتفاوت منازلهم وتتفاوت درجاتهم على حسب أعمالهم في الدنيا. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيحين من حديث أنس أن أم حارثة بن سراقة أتت النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: «يا رسول الله، أخبرني عن ابني حارثة -وكان قتله يوم بدر- قالت: أخبرني عن ابني حارثة إن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء. فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أم حارثة، إن في الجنة جِنانًا، وإن ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى». وفي الصحيحين عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن». ويقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان ذواتا أفنان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان تجريان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما من كل فاكهة زوجان﴾. وهكذا عباد الله يقول ربنا جل وعلا: ﴿ومن دونهما جنتان﴾. وهكذا أخبر الله جل وعلا أن هذه الجنة هي في أعلى عليين، قال جل وعلا: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون قال مجاهد رحمه الله: هي الجنة﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى﴾. وقد ثبت أن سدرة المنتهى هي فوق السماء السابعة. هكذا عباد الله أخبر ربنا جل وعلا عن صفة هذه الجنة، وقبل ذلك لنعلم أن للجنة ثمانية أبواب، جاء في صحيح الإمام مسلم عن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فتحت له أبواب الجنة الثمانية». وبالصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن في الجنة أبوابًا، وإن منها باب يقال له الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون». وما بين الباب عباد الله ما بين طرفه إلى الطرف الآخر مسافة عظيمة. فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر». أو كما بين مكة والشام، هذه عباد الله المسافة العظيمة بين طرفي باب من أبواب الجنة، فكيف ببقية الأبواب؟ فكيف بالجنة نفسها؟ هكذا عباد الله أخبر النبي جل وعلا عن نعيم أهل الجنة أن أهلها يكرمون فيها وينعمون غاية النعيم. إن المتقين في جنات وعيون، قد أُخِلوها بسلام آمنين، لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين. هكذا عباد الله يخبر ربنا جل وعلا أن أهل الجنة لا يصيبهم فيها تعب ولا يصيبهم نصب ولا يخرجون منها. وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿وأنك لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تضمأ فيها ولا تهرى﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿إن الأبرار لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نظرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿إن للمتقين مفازًا حدائق وأعنابًا وكواعب أترابًا وكأسًا دهاقًا﴾. وهذا عباد الله أخبر ربنا جل وعلا أن في الجنة غرفًا عظيمة لا تقوم لها الدنيا، قال جل وعلا: ﴿لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحًا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون﴾. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق». يعني ينظر كل واحد منهم إلى منزل صاحبه وإلى غرفة أخيه التي أنعم الله جل وعلا بها في جنات النعيم. هكذا عباد الله يقول ربنا جل وعلا عن أنهار الجنة: ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾. ويقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾. وهكذا يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم عن طعام أهل الجنة: ﴿ولحم طير مما يشتهون﴾. ويقول الله جل وعلا عن أشجار أهل الجنة: ﴿وذُلِّلَتْ قطوفها تذليلًا﴾. وقال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث أبي سعيد: «إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مئة سنة ما يقطعها». هكذا عباد الله قال ربنا جل وعلا عن نساء أهل الجنة: ﴿فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان كأنهن الياقوت والمرجان﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارًا عربًا أترابًا لأصحاب اليمين﴾. هكذا الله ربنا هكذا ربنا جل وعلا يمن على عباده ويخبرهم بما أعد لهم من النعيم. ومن ذلك ما تحبه الأنفس وما تشتهيه هذه الأنفس من ملذات الدنيا إلى محبة النساء، فأخبر الله جل وعلا أنه أعد لأهل الجنة ما تطيب به أنفسهم وما تلذ به أعينهم من النظر إلى أجمل النساء. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لكل واحد من أهل الجنة زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن». وهذا عباد الله ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. جاء في الصحيحين أو في صحيح الإمام البخاري عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فاقرءوا: ﴿فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾». هكذا أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن بناء الجنة من ذهب ولبنات من فضة كما جاء في صحيح الجامع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ترابها الزعفران، وطينها المسك». هكذا عباد الله أمور كثيرة وأدلة لا يسع المقام لذكرها فيما وصف الله جل وعلا به نعيم أهل الجنة. وهكذا ما وصل به النبي عليه الصلاة والسلام من نعيم أهل الجنة، فليس في الجنة عباد الله نصب ولا تعب ولا غائط ولا بول ولا مخاط ولا شيء من أوساخ الدنيا. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة -يعني عود الطيب- قال عليه الصلاة والسلام: على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء». أقول ما تسمعون وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، قال نبينا عليه الصلاة والسلام حين أخبر عن أدنى أهل الجنة منزلة: انظروا عباد الله إلى ما أعد الله جل وعلا من النعيم لأدنى أهل الجنة منزلة. فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن موسى عليه السلام سأل ربه عز وجل عن أدنى أهل الجنة منزلة، قال: رجل يجيء بعدما يدخل أهل الجنة الجنة، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة. فيقول: يا رب كيف وقد أخذ الناس مقاعدهم؟ فيقول الله عز وجل له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله. فيقول في الخامسة: رضيت رب. فيقول: لك ذلك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك». قال: «فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، فلم تسمع أذن ولم تر عين ولم يخطر على قلب بشر». انظر عباد الله هذا أدنى أهل الجنة منزلة، يقال له: لك مثل عشرة أمثال ملك ملك من ملوك الدنيا، فكيف بمن كان في المنازل العالية؟ وجاء كذلك بالصحيح من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إني لا أعلم آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة هو رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله عز وجل له: اذهب فادخل الجنة. فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيقول: يا رب وجدتها ملأى. فيقول الله عز وجل: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل عشرة أمثال ملك ملك من ملوك الدنيا». أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وجاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله عز وجل لأهل الجنة: ألا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم». فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم. فيا عباد الله، إن هذا شيء قليل مما وصف الله جل وعلا به مقام أهل الإيمان ودرجات أهل التقوى. فمن كان حريصًا على الخير ومن كان يريد هذا النعيم فليقبل على طاعة ربه وليحرص على فعل الأوامر واجتناب النواهي، ولا يركن إلى هذه الدنيا الفانية. ولينظر إلى ما أعده الله جل وعلا لأهل النعيم لمن عمل في هذه الدنيا: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾. فلا تكن عباد الله لمن أراد هذه الدرجات العالية ولمن أراد هذه المنازل الرفيعة أن يعمل في الدنيا، أن يستغل هذه الحياة لفعل الصالحات ولفعل الطاعات. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا. فليست الجنة عباد الله هي للمجرمين الظالمين، وليست للمتكاسلين الغافلين الذين يركنون إلى هذه الحياة الفانية فيتركون الطاعات ويقبلون على المعاصي والمحرمات. فهؤلاء أيها الله لهم المحرومون ولهم الخاسرون في الدنيا والآخرة. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم. دعواهم فيها: «سبحانك اللهم»، وآخر دعوانا: «أن الحمد لله رب العالمين». وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين.