الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 8، ألقاها
يشرح هذا الفصل أصول الاجتهاد عند عدم وجود نصوص في الكتاب أو السنة، ويشدد على أهمية أن يكون الاجتهاد مبنيًا على أصول شرعية. يُؤكد أن الاجتهاد ليس لكل أحد بل هو للعلماء الذين يملكون المعرفة بالأصول الشرعية.
يتناول هذا الفصل أهمية التمسك بالكتاب والسنة في القضاء والفتوى، ويقدم أدلة من أقوال الصحابة والتابعين على ذلك. يشدد على الرجوع إلى الكتاب والسنة أولاً ثم إلى أقوال الصحابة وأخيراً الاجتهاد بالرأي.
يبحث هذا الفصل في آراء بعض الصحابة والتابعين في الاجتهاد برأيهم في المسائل الفقهية، ويبين كيف كانوا يميزون بين الرأي المبني على الكتاب والسنة والرأي الشخصي. يذكر أمثلة على اختلاف آرائهم في بعض المسائل.
يشرح هذا الفصل شروط الاجتهاد في الأمور غير المنصوص عليها، ويتطلب ربطها بما يشابهها في الكتاب والسنة ومعرفة بأصول الشريعة. يكون الاجتهاد بإلحاق الأمور المجهولة بما يشابهها من النصوص الشرعية.
بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام عبد الله رحمه الله، كما في صحيح جامع، في باب «العلم وفضله»، الباب التاسع والأربعون: «اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزول النازلة»، يعني إذا نزلت نازلة وحصل أمر، وليس هناك دليل أو نص من الكتاب أو السنة يدل على حكمها، فماذا يعمل العالم؟ قال عن الشعبي: قال كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شريح -وكان شريح القاضي نائبا لعمر في الكوفة- قال: إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض به، ولا تلتفت إلى غيره، وإذا أتى شيء ليس في كتاب الله، ولم يقل فيه أحد قبلك، فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، وما أرى التأخر إلا خيرا لك. والأثر صحيح، هكذا أوصى عمر رضي الله عنه شريح أنه إذا وجد في كتاب الله جل وعلا شيئا قضى به، وإذا لم يجد انتقل إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه هي الأصول، أصول العلم: الكتاب والسنة. فأي مسألة تأتي، تعرف على الكتاب والسنة، فإن وافقتهما أخذ بها، وإن خالفت الكتاب والسنة رمي بها عرض الحائط. فإذا نزلت نازلة أو حصل أمر، ولم يكن في الكتاب أو السنة نص يدل عليها، فإنه يرجع إلى ما قاله أهل العلم وما أجمع عليه. فإن وجد كلاما لأهل العلم أخذ به، وإن لم يجد اجتهد ونظر إلى أقرب ما يدل على حكم هذه المسألة مما يشابهها ويماثلها من أدلة الكتاب أو السنة، فيقضي به. وكما سيأتي أن هذا إنما هو لأهل العلم. قال: وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: أثر الناس يوما على عبد الله -يعني ابن مسعود- يسألونه، فقال: أيها الناس، إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي، ولسنا هنالك. فمن ابتلي بقضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن أتاه ما ليس في كتاب الله، ولم يقل فيه نبيه صلى الله عليه وسلم، فليقض بما قضى به الصالحون. وهذا كما قلنا إرجاع العلم بعد النظر في الكتاب والسنة إلى ما أجمع عليه السلف. لم تجد نصا في الكتاب أو السنة، فتنظر إلى أقوال الصحابة، هل تكلم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في هذه المسألة؟ فإن كانوا تكلموا فيها وأجمعوا عليها بأمر، أخذت به. وإن وجدتهم اختلفوا، فإنك ترجح بين أقوالهم، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، فتنظر إلى أقوال الصحابة، وما رأيته هو الأصح أخذت به. فإن لم تجد قولا، فإن أتاه أمر لم يقض به الصالحون، وليس في كتاب الله، ولم يقض به نبيه صلى الله عليه وسلم، فليجتهد رأيه. وليس المراد كما مر الرأي المجرد هوى، تنظر إلى الذي تشتهيه وتهوى فتقول به. لا، المراد بالرأي هنا الرأي الحسن الموافق لعمومات الأدلة، وما كان له شبيه أو مثيل من أدلة الكتاب والسنة. قال: وليقل إني أرى وأخاف. فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم. فالحلال واضح بين، كما قال عيسى عليه السلام: ﴿إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ﴾ وبين ذلك أمور مشتبهات. فإذا كان هذا الأمر فيه شبهة، فإنه يتركه. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. وإن يكون فيه شبهة، فإنه يقول فيه بما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى. قال أبو عمر: هذا يوضح لك أن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم، وأنه لا يجتهد إلا عالم بها. أي الذي يجتهد في المسائل الحادثة أهل العلم، أما شخص جاهل ما عنده علم، فإنه يقف ولا يتكلم بلا علم. ومن أشكل عليه شيء، لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولا في دينه، ولا نظير له من أصل، ولا هو في معنى أصل. يعني ليس لهذا القول أصل في الكتاب أو السنة، ما تدل عليه عمومات الأدلة لا من قريب ولا من بعيد. قالوا: هذا الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديما وحديثا، فتدبره. قالوا: عن الشعبي قال: لما بعث عمر رضي الله عنه شريحا على قضاء الكوفة، قال له: انظر ما تبين لك في كتاب الله، فلا تسأل عنه أحدا. وما لم يتبين لك في كتاب الله، فابتغي فيه سنة رسول الله. وما لم يتبين لك في السنة، فاجتهد رأيك. هكذا كان يوصي الصحابة رضوان الله تعالى عليهم التابعين وتلاميذهم على هذا الأمر: التمسك بالكتاب والسنة، وأن لا يأخذوا بغير الكتاب والسنة، فبذلك تكون السلامة والنجاة في الدنيا والآخرة. إذا سئل عن شيء، نظر في أدلة الكتاب والسنة، ما يقول: قال جدي ولا جدتي، لقال فلان. ويعرض عن ذلة الكتاب والسنة، كما يفعل بعض الجهلة. تقول له: قال الله جل وعلا، يقول لك: قال شيخ فلان وسيدي فلان. وهذا من معارضة الكتاب والسنة. وعن عبد الله بن مسعود قال: «من عرض له منكم قضاء، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء ما ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، ولم يقض به نبيه صلى الله عليه وسلم، فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، ولم يقض به نبيه صلى الله عليه وسلم، ولم يقض به الصالحون، فليجتهد رأيه، فإن لم يكن، فليقل: لا أدري. ولا يستحيي». يعني إذا ما عنده شيء في هذه المسألة، فليقول: الله أعلم، لا أدري. ولا يستحي، لا يأخذه الحياء أن يقف عندما يعلم هذا. يقول مسعود رضي الله تعالى عنه: وهذا أوضح بيانا فيما ذكرناه لقوله: «فإن لم يحسن». ومن لا علم له بالأصول، فمعلوم أنه لا يحسن. وعن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس، إذا سئل عن شيء، فإن كان في كتاب الله قال به، فإن لم يكن في كتاب الله، وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال به، فإن لم يكن في كتاب الله، ولا عن رسول الله، وكان عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قال به، فإن لم يكن في كتاب الله، ولا عن رسول الله، ولا عن أبي بكر، ولا عن عمر، اجتهد رأيه. والمعنى أنه رضي الله تعالى عنه كان يأخذ بالكتاب وبالسنة وبأقوال الصحابة. لأن الحق لا يخرج عن أقوال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، إلا إذا كانت المسألة لا يعلم فيها شيء من أقوال أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فحينئذ يجتهد رأيه. قال: عن ابن عباس قال: «كنا إذا أتانا الثابت عن علي رضي الله عنه، لم نعدل به». وعن مسروق قال: سألت أبا كعب عن شيء، فقال: أكان هذا؟ قلت: لا. قال: فأجمنا حتى يكون -يعني أرحنا- فإذا كان اجتهدنا لك رأينا. ولهذا كان السلف يذمون السؤال عن الشيء قبل أن يقع. لأن السائل إذا سأل، ينبغي أن يسأل عن شيء يستفيد منه، وأن يكون سؤاله عن شيء واقع يحتاج إلى جواب. ولهذا يذكر أهل العلم من آداب المستفتي الذي يسأل المفتي: أنه يسأله عن شيء ينتفع به، مسألة وقعت أو أمر حدث يحتاج إلى جواب، فيأتي فيسأله حتى يعلم حكم هذه المسألة. أما شيء لم يقع، يأتي ويسأل عنه، فإنه لا يجيبه، إلا إذا كان من باب العلم، يكون طالب علم يسأل عن مسألة لم تقع، لكن يريد أن يعرف حكمها، فلا بأس أن يجيبه العالم بحكم هذه المسألة. قال: وروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أرسل إلى زيد بن ثابت: أفي كتاب الله «ثلث ما بقي»؟ فقال زيد: إنما أقول برأيي، وتقول برأيك. والظاهر أنه يريد بها مسألة الغراوين، وهي مسألة من مسائل الفرائض. إذا مات زوج وأم وأب، أو زوجة وأم وأب، فوقع الخلاف فيها للعلماء: هل للأم هنا ثلث التركة -يعني ثلث الأصل- أو أن لها ثلث الباقي؟ فكان زيد يذهب إلى أنها لها ثلث الباقي، أي بعد أن يأخذ الزوج أو الزوجة نصيبه، تأخذ الأم ثلث الباقي، ثم يأخذ الأب ما تبقى. فكان ابن عباس يقول له: أفي كتاب الله «ثلث ما بقي»؟ هل هذا الذي تقول به: أن الأم تأخذ ثلث ما بقي في كتاب الله؟ فقال زيد: إنما أقول برأيي، وتقول برأيك. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن شيء فعله: أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل هذا؟ أو شيئا رأيته؟ قال: بل شيئا رأيته. وابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان من الصحابة الحريصين على اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، فلهذا لما سئل: هل هذا شيء رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يفعله، أو أنه شيء فعلته من عندك؟ فقال: بل شيئا رأيته. وعن أبي هريرة أنه كان إذا قال في شيء برأيه، قال: «هذا من كيسي». أي ليس هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو من عندي، رأي رأيته. وعن ابن مسعود أنه قال في غير ما مسألة: أقول فيها برأيي. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يقول: «إياكم وفراسة العلماء». احذروا أن يشهد عليكم شهادة تكبكم على وجوهكم في النار. فوالله إنه للحق يقذفه الله في قلوبهم، ويجعله على أبصارهم. وقد روي مرفوعا: «إياكم وفراسة العلماء، فإنهم ينظرون بنور الله». وهو المحقق: يحسن هذا الأثر، هو الحديث، هو الحسن. وبعض أهل العلم يقول: «إياكم وفراسة العلماء»، يريد أن أهل العلم يجعل الله سبحانه وتعالى لهم نورا في قلوبهم، يبصرون به الحق. ربما يسأل عن شيء ما عنده به علم، لكن لما أتاه الله سبحانه وتعالى من علم ومعرفة ونور في قلبه، يعرف حكم هذه المسألة. وكما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: إن صاحب العلم ربما يكون قليل العلم أو اطلاع في المسائل، لكن بسبب تقواه وخشيته لله سبحانه وتعالى، يلقي الله سبحانه وتعالى في لسانه الحق. يلقي الله في لسانه الحق. وهذا يدل على أن أهل العلم هم منزل عظيمة، وكذلك رفع عظيمة عند الله سبحانه وتعالى. قال: وعنهم رضي الله عنه أنه قال لعلي وزيد رضي الله عنهما: «لولا رأيكما اجتمع رأيي ورأي أبي بكر رضي الله عنه، كيف يكون ابني ولا أكون أباه». يعني الجد، أي في مسألة حجب الجد للإخوة. وهذا أيضا من المسائل وقع فيها خلاف بين العلماء. فأهل العلم اتفقوا على أن الأب يحجب الإخوة جميعا: الإخوة الأشقاء، والإخوة لأب، والإخوة لأم. واختلفوا في الجد: هل يحجب الإخوة كالأب أم لا؟ فاتفقوا على أن الجد يحجب الإخوة لأم، واختلفوا في حجب الجد للإخوة الأشقاء والإخوة لأب. فذهب بعض الصحابة، وهو قول علي وزيد، إلى أن الجد لا يحجب الإخوة. وعمر رضي الله تعالى عنه وأبو بكر رضي الله تعالى عنهما ذهبا إلى أن الجد يحجب الإخوة، وهذا هو الصحيح. لأن الجد بمنزلة الأب، فهو يقول: كيف يكون ابني ولا أكون أباه؟ يعني الجد. فإذا كان الابن -وهو الأب- يحجب الإخوة، فكذلك الجد. لأن الجد بمنزلة الأب. ومراده رضي الله تعالى عنه أن هذا رأي رآه، ورأى أنه يوافق أدلة الكتاب والسنة. وعن عمر أنه لقي رجلا فقال: ما صنعت؟ قال: قضى علي وزيد بكذا. قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا. قال: فما يمنعك والأمر إليك؟ فقال: لو كنت أردك إلى كتاب الله عز وجل، أو إلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، لفعلت. ولكني أردك إلى رأيي، والرأي مشترك. قال أبو عمر: ولم ينقض ما قال علي وزيد، وهو يرى خلاف ما ذهب إليه. فهذا كثير لا يحصى، يعني مسائل كثيرة يحصل فيها اختلاف بين الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. فكل يستهد بما يراه صواب، ولا ينقض أحدهم قول الآخر، أو يشنع على الآخر لتضارب الأدلة، فهو من اختلاف التنوع. قال: وعن الزهري قال: «نعمة وزير العلم الرأي الحسن». نعمة وزير العلم الرأي الحسن. والمراد به كما مر: الرأي الذي ينبني على أصل، الذي ينبني على أصل من الكتاب أو السنة. يسأل عن شيء لا يعلم له دليل خاص أو نص من كتاب أو سنة، فينظر إلى ما يماثله ويشابه من أدلة الكتاب والسنة، فيلحق به. وهذا كما قال الإمام ابن عبد البر: لا يكون إلا لمن عنده معرفة بأصول الكتاب والسنة، فيلحق ما كان مثلها بها. طيب، والله تعالى أعلم.