مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 25

الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 25، ألقاها

تحذير العلماء من طلب العلم لغير الله

يتناول التحذير من طلب العلم لغير وجه الله، ويستشهد بآثار وأحاديث نبوية تشير إلى عواقب طلب العلم للدنيا. يُبين أهمية الإخلاص في طلب العلم الشرعي.

خطورة طلب العلم للدنيا وعدم الإخلاص

يُناقش أهمية الإخلاص في طلب العلم الشرعي ويحذر من تعلم العلم لغرض الدنيا. يستشهد بأقوال السلف الصالح وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

التحذير من الفتنة بالعلم وضرورة الإخلاص في العمل

يتناول التحذير من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، ويشدد على أهمية طلب العلم لله وتزين العلم بالعمل به. يُبين أن الإخلاص في العمل بالعلم يجعله حجة لصاحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام عبد الرحيم رحمه الله، كما في صحيح جامع، بأن العلم وقدره، قال: «من يبتغي العلم ليحدث به لم يجد ريح الجنة». قال المحقق: والحديث حسن، وأخرجه المبارك في الزهد بلفظ: «من طلب الحديث ليماري به السفهاء أو ليباري به العلماء أو ليصرف به وجوه الناس فهو في النار». قال: وعن يزيد بن قسيط، قال: «يوشك أن ترى رجلا يطلب العلم فيتغير عليه كما يتغير الفساق على المرأة السوء»، يعني أنهم يطلبونه لغير الله. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كيف أنتم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير وتتخذ سنة مبتدعة يجري عليها الناس، فإذا غير منها شيء قيل: قد غيرت السنة؟ قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم وكثر أمراؤكم وقل أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة وتفقها لغير الدين». هذا الأثر ضعيف، أخرجه الدارمي والحاكم. فقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير»، يعني يتربى فيها الصغير، ينشأ الصغير على هذه الفتنة، قال: «ويهرم فيها الكبير وتتخذ سنة مبتدعة يجري عليها الناس»، أي يتربى الناس على هذه الفتنة حتى تتخذ سنة ويظن أنها من الدين. قال: «فإذا غير منها شيء قيل: قد غيرت السنة»، يعني إذا بدلت هذه الفتنة وبين أنها باطل وأنها محدثة وأنها ليست من دين الله عز وجل، قيل: غيرت السنة، جعلوا البدعة سنة، وكذلك الفتنة والباطل حقا إذا غير هذا الباطل قالوا: غير الحق، وإذا غيرت هذه البدعة قالوا: غيرت السنة لشدة انتشارها. قال: «قيل له: متى ذلك؟ متى يحصل هذا الأمر وتنتشر هذه الفتنة فيربو عليها الصغير ويهرم عليها الكبير؟ قال: إذا كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم»، إذا كثر قراؤكم كثر من يقرأ القرآن وقل الفقهاء، يعني أهل العلم، يكثر قراء القرآن وهذا حاصل في هذا الزمان، تجد أن كثيرا يقرأون القرآن وربما يحفظون القرآن ومع ذلك لا يفقهون منه شيئا، لا يفقهون منه شيء، مجرد حفظ وقراءة لا يفقهون من القرآن شيئا، وقل فقهاؤكم أي قل العلماء وقل من يفقه القرآن والسنة. قال: «وكثر أمراؤكم»، كثر الأمراء والحكام، قال: «وقل أمناؤكم»، أي كثر الخونة، كثر من يتصف بالخيانة ويترك الأمانة، وهذا حاصل في هذا الزمان، فإن من علامات الساعة رفع الأمانة، رفع الأمانة فيقل الأمان، وربما يصبح الأمين خائنا والخائن أمينا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس: «إن بين يدي الساعة سنوات خداعة يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن، تنقلب الموازين والحقائق فيصبح الخائن أمينا والأمين خائنا». قال: «والتمست الدنيا بعمل الآخرة»، يعني اتخذ الناس أعمال الآخرة من الطاعات وسيلة لنيل مطامع الدنيا، وسيلة لنيل مطامع الدنيا، ومن ذلك طلب العلم، اتخذ العلم وسيلة للتأكل، وكذلك أيضا لنيل مآرب من هذه الحياة، كما يفعل الكثير من فسقة العلماء، مما ربما عنده شيء من العلم ويدعي العلم، ثم بعد ذلك يجده يتأكل من وراء هذا العلم. قال: «وتفقها لغير الدين»، يعني يطلب العلم ويتفقق لا لأجل أن ينصر هذا الدين وينشر هذا الدين، فيرفع الجهل عن نفسه وعن المسلمين، وإنما لمقاصد أخرى، إما لنيل شيء من مناصب أو كذلك لنيل شيء من أغراض الدنيا من مال أو جاه أو نحو ذلك من مقاصد الدنيا. قال: «وكان يقال: أشرف العلماء من هرب بدينه عن الدنيا واستصعب قياده على الهوى»، أشرف العلماء من هرب بدينه عن الدنيا، يعني لم يجعل العلم سببا لنيل شيء من مآرب الدنيا، بل يهرب بدينه عن الدنيا، يزهد في هذه الدنيا ويخلص في طلبه للعلم ويهتم بتعليم الناس وبيان الحق لهم. قالوا عن كعب: «إني أجد في بعض الكتب: نعوذ بالله من يتعلمون لغير العمل ويتفقهون لغير العبادة». وعن أبي العالية قال: «مغبوط عندهم في الكتاب الأول ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا»، قال أبو عمر: معناه عندهم كما لم تغرم ثمنا فلا تأخذ ثمنا، والمجان عندهم الذي لا يأخذ عليه ثمنا، وهذا كما يطلق عندنا لفظ المجان، أي الذي غير مقابل، فكما أنك تعلمت من غير مقابل فهكذا أيضا علم غيرك من غير مقابل، فلا تتأكل بهذا العلم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة»، يعني ريحها، والحديث أخرجه أبو داود وغيره من أهل السنن، وصرح الشيخ الألباني رحمه الله بصحته. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، يعني علم الشريعة، علم الكتاب والسنة، وهذا يخرج ما إذا كان العلم شيء من علوم الدنيا كتجارة أو صناعة أو هندسة أو طب أو غيرها، فهذا إذا تعلمها ليصيب به عرضا من الدنيا ما عليه شيء، يتعلم من أجل شهادة أو وظيفة، فهذا ليس فيه شيء، أما العلم الشرعي فهذا الذي يدخل في هذا الوعيد. قال: «من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا»، يعني يكون قصده في تعلم العلم شيء من متاع الدنيا، لا يخلص في طلبه، فهذا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة، يعني ريحها، هذا عقوبة له لعدم إخلاصه في طلب العلم. قال: «وكان الحسن البصري يقول: إنك لا تفقه حتى لا تبالي في يدي من كانت الدنيا»، يقول: إنك لن تفقه أو لا تفقه حتى لا تبالي في الدنيا الذي يجري خلفها أو يريد نيلها وتحصيلها، فلا تبالي به، أنت تقبل على العلم وتخلص في طلب العلم والله جل وعلا يفقهك في الدين. قال: «وكان سفيان الثوري يقول: إنما يطلب الحديث ليتقى الله به»، لذلك فضل على غيره من العلوم، ولولا ذلك كان كسائر الأشياء، هذه الغاية الحقيقية في طلب العلم هو تقوى الله وتحقيق خشية الله عز وجل، إنما يطلب الحديث ليتقى الله به، تطلب العلم حتى تحقق تقوى الله وتؤدي العبادة على الوجه المطلوب الذي أمر الله سبحانه وتعالى به وأمر به النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون هذا الطلب عونا لك على تحقيق العبادة التي أمرت بها، فتستعين به على طاعة الله. قال: «فلذلك فضل على غيره من العلوم»، يعني فضل طلب العلم الشرعي، ووردت فيه الفضائل من الآيات والأحاديث لأنه وسيلة إلى تقوى الله عز وجل. قال: «فإن من ثمرة العلم النافع هو العلم الذي يورثك الخشية ويورثك تقوى الله»، كلما ازددت علما كلما ازددت خوفا من الله عز وجل، وكلما ازددت تقوى وطاعة وخشية لله سبحانه وتعالى، أما إذا كنت تطلب العلم وأنت بعيد عن طاعة الله وبعيد عن تقوى الله عز وجل، فتعلم أولا تعلم أنك لم تخلص في طلبك للعلم. قال حماد بن سلمة: «من طلب الحديث لغير الله مكر به»، من طلب الحديث لغير الله مكر به، يطلب الحديث ولا يريد بذلك وجه الله، إنما لمقاصد أخرى، يريد شهرة أو رفعة أو غير ذلك من مطامع، فيمكر به، ويطبع الله جل وعلا على رؤوس الخلائق. قال مسعر: «من أراد الحديث للناس فليجتهد، فإن بلاءهم شديد، ومن أراده لنفسه فقد اكتفى»، من أراد الحديث للناس فإنه سيتعب نفسه، لأنه يحتاج إلى جهد عظيم في نيل هذا العلم، وإن كان مراده رحمه الله أنه يأخذ من هذا العلم من أجل أن يبثه للناس يعلمه، فلهذا قال: «فإن بلاءهم شديد»، يحتاج إلى جهد عظيم، وإن كان قصده أنه يطلب العلم من أجل الناس ومن أجل أن يفتخر به نحو ذلك من مقاصد سيئة، فهذا وبال على صاحبه. قال: «ومن أراده لنفسه فقد اكتفى»، يعني من أراد العلم لنفسه أن ينتفع به، فإنه يكفي نفسه بأن يعمل بهذا العلم، والأكمل أن يأخذ العلم لينتفع به، وكذلك لينفع به الناس. قال: «وعنه قال: قال لي طاووس: ما تعلمت فتعلمه لنفسك، فإن الأمانة والصدق قد ذهبا من الناس». وعن إبراهيم التيمي قال: «من طلب العلم لله أتاه الله منه ما يكفيه»، يعني الذي يخلص بطلبه للعلم يعطيه الله جل وعلا ما يكفيه من العلم. وقال سفيان الثوري: «زينوا العلم ولا تزينوا به»، وفي رواية: «زينوا الحديث بأهله ولا تزينوا بالحديث»، يعني لا تتظاهر بالعلم، وإنما تتزين بالحديث بأن تعمل به، وتزين العلم بالعمل به، ولا تتظاهر بالعلم وتتخذ العلم مظهرا. قالوا عنه: «إنما يتعلم العلم ليتقى الله به، وإنما فضل العلم على غيره لأنه يتقى الله عز وجل به»، أو يتقى الله عز وجل به. وقال سفيان: «زين علمك بنفسك ولا تزين نفسك بعلمك»، زين علمك بنفسك ولا تزين نفسك بعلمك، يعني زين هذه النفس بالعلم بأن تعمل به، فتظهر آثار هذا العلم في نفسك، في عبادتك، وفي أقوالك، وفي أفعالك، وفي أخلاقك، ولا تزين نفسك بعلمك، لا تزين نفسك بعلمك، فتتخذ هذا العلم مظهرا، تحمّل هذا أن يقال لك: الشيخ الفلاني، جاء الشيخ الفلاني، وراح الشيخ الفلاني، وقال الشيخ الفلاني، وأنت لا تعمل بهذا العلم، مجرد مظاهر ومجرد ماذا أقوال لا حقيقة لها. قال العلماء: «كان يقال: تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون»، تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر، العالم الفاجر الذي لا يعمل بعلمه، الذي يعلم الحق ويعلم الباطل ويتخذ العلم لكن لغير الله عز وجل، فيخالف ما يعلم، فهذه فتنة عظيمة، العالم الفاجر الغير تقي. قال: «والعابد الجاهل الذي يتعبد الله عز وجل على جهل وعلى عدم علم»، قال: «فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون». قال: «وروي عن الأوزاعي رحمه الله قال: شكوت النواويس إلى الله تعالى ما تجد من جيف الكفار، ضحك الله إليها بطون علماء السوء أنتم مما أنتم فيه». وروي عن مالك بن دينار قال: «بلغنا أن الفساق من العلماء ومن حملة القرآن يبدأ بهم يوم القيامة قبل عبدة الأوثان». وقال مالك بن دينار: «لأن من علم ليس كمن لم يعلم»، يعني أن صاحب العلم الحجة عليه أعظم، فالذي يعلم ولا يعمل ليس كمن يعمل بلا علم، ليس كمن يعمل بلا علم، فصاحب العلم حجة قائمة عليه، فلهذا كان عذابه أشد من عذاب الجاهل، كان عذابه أشد من عذاب الجاهل. وهذا يعطي للشخص وطالب العلم أنه يهتم بأمر الإخلاص، أنه يهتم بأمر الإخلاص، ويعلم أن هذا العلم حجة له، أنه حجة له أو عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والقرآن حجة لك أو عليك»، إذا عملت به فإنه حجة لك، وإذا لم تعمل به فإنه حجة عليك، فلهذا ينبغي أن تحرص أن تكون ممن يعمل بعلمه حتى يكون العلم حجة له ولا يكون حجة عليه.

شاركنا على