فتح رب العباد 6

الدرس في فتح رب العباد 6، ألقاها

مفهوم الحد لغة واصطلاحًا وثبوته لله تعالى

يناقش معنى الحد لغة واصطلاحًا وهل يثبت لله تعالى، ويبين أن الحد ليس من صفات الله. يتناول أيضًا الإخبار عن الله بأن له حدًا مع التأكيد على اتباع نهج السلف.

أهمية الحد في كلام السلف والرد على الجهمية

يتناول مفهوم الحد في كلام السلف وأهميته في التمييز بين الخالق والمخلوق، حيث يذكر أن السلف أثبتوا الحد لله تعالى لبيان مباينته للمخلوقات وردًا على الجهمية.

تفسير كلام الإمام أحمد حول إثبات ونفي الحد لله تعالى

يفسر كلام الإمام أحمد بن حنبل حول مسألة الحد لله تعالى، حيث ثبت عنه إثبات الحد ونفيه، ويوضح أن النفي يتعلق بحد العباد لله تعالى، بينما الإثبات يتعلق بحد الله في نفسه.

تنزيه الله عن الحد وتفسيره الصحيح

يُنفي عن الله تعالى وجود حد عيني أو ذهني، ويُعرّف الحد بأنه تمييز الله بصفاته وكماله وعلوه على عرشه ومباينته لخلقه، ويُؤكد أن هذا التفسير يُزيل الشبهات ويُبين عظمة الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال: المسألة الخامسة في معنى الحد وهل يثبت لله سبحانه وتعالى. قال: تطرقت لهذه المسألة مع كونها من المسائل الكلامية المشهورة؛ لكونها ذكرت في هذا الكتاب في كلام الإمام أحمد رحمه الله، فرمت البيان والتوضيح والكشف عنها والتنقيح، سائلًا الله العون والتوفيق. قال: وتنكشف هذه المسألة وتتضح بما يلي: أولًا: في معنى الحد، الحد في اللغة هو الفصل بين الشيئين؛ لألا يختلط أحدهما بالآخر، أو لألا يتعدى أحدهما إلى الآخر، وجمعه حدود، وفصل ما بين كل شيئين شيئين حد بينهما، ومنتهى كل شيء حده. وقال الجرجاني في التعريفات: الحد في اللغة المنع، وفي الاصطلاح: قول يشتمل على ما به الاشتراك وعلى ما به الامتياز. وقال: والحد قول دال على ما هي الشيء، فهذا هو معنى الحد لغة وشرعًا. الأمر الثاني: هل تثبت أو هل ثبت لله سبحانه وتعالى صفة الحد؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن هذا الكلام الذي ذكره إنما يتوجه لو قال: إن له صفة هي الحد، كما توهمه هذا الراد عليهم، وهذا لم يقله أحد، ولا يقوله عاقل؛ فإن هذا الكلام لا حقيقة له؛ إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شيء من الموصوفات كما وصف باليد والعلم والصفة معينة يقال لها الحد، وإنما ما يتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره، كما هو معروف في الحد في المحدودات، فيقال: حد الإنسان، وحد كذا، وهي من الصفات المميزة. فالحاصل من هذا أنه ليس من صفات الله تبارك وتعالى الحد. الأمر الثالث: هل يخبر عن الله بأن له حدًا؟ أي: من باب الإخبار، هل يقال ويخبر عن الله تبارك وتعالى بأن له حدًا؟ وقبل الشروع في هذه المسألة أذكر بين يدي هذه المسألة مقدمة، وهي: أن للناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ المجملة ثلاثة أقوال؛ فطائفة تنفيها، وطائفة تثبتها، وطائفة تفصل، وهم المتبعون للسلف؛ فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا تبين معناها، فيثبت الحق منها وينفى الباطل؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام؛ كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية؛ فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي. ولهذا كان النفاة ينفون بها حقًا وباطلًا، ويذكرون عن مثبتها ما لا يقول به، وبعض المثبتين لها يدخل لها معنى باطلًا مخالفًا لقول السلف ولما دل عليه الكتاب والميزان. ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا بإثباتها؛ لا بنفيها ولا إثباتها. وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف نفسه، ولا وصفه به رسوله؛ نفيًا ولا إثباتًا. وإنما نحن متبعون لا مبتدعون. فالواجب أن ينظر في هذا الباب -أعني باب الصفات- فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه. والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي؛ فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني. وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها؛ فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها؛ فإن كان معنى صحيحًا قبل، لكن ينبغي التعبير بألفاظ النصوص دون الألفاظ المحتملة؛ إلا عند الحاجة مع قرينة تبين المراد والحاجة؛ مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معهم إن لم يخاطب بها، ونحو ذلك. والله المستعان. وهذا كلام أخذ من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من كتاب منهاج السنة، وعنه ذكره الإمام ابن أبي العز في شرح الطحاوية؛ كما في الحاشية. والحاصل من هذا: أن الألفاظ المجملة يتوقف في إطلاق لفظها؛ نفيًا وإثباتًا؛ فلا تثبت مطلقًا، ولا تنفى مطلقًا؛ لماذا؟ لأنها مجملة؛ لأنها تحمل حقًا وباطلًا؛ فمن أثبتها مطلقًا يكون أثبت ماذا؟ الحق والباطل، ومن نفاها مطلقًا يكون كذلك نفى ماذا؟ الحق والباطل. فما هو الواجب؟ الواجب أن يتوقف في ماذا؟ في اللفظ، وأن ينظر في المعنى؛ فما كان منه صحيحًا قبل، وما كان منه باطلًا رد. وخلاصة القول في هذا المبحث: الأمر الرابع: ما السبب في ذكر الحد في كلام السلف؟ لماذا السلف رحمهم الله تعالى -الأئمة رحمهم الله تعالى- ذكروا أو تكلموا وذكروا الحد؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولما كان الجهمية يقولون -ما مضمونهم- إن الله -إن الخالق- لا يتميز عن الخلق؛ فيجحدون صفاته التي يتميز بها، ويجحدون قدره؛ حتى يقول المعتزلة إذا عرفوا أنه حي عالم قدير؛ قالوا: قد عرفنا حقيقته وما هيته. ويقولون: إنه لا يباين غيره؛ بل إما يصفونه بصفة المعدوم؛ فيقولون: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا كذا ولا كذا. أو يجعله حالا في المخلوقات أو وجود المخلوقات؛ يعني حالا في المخلوقات، أو الظاهر أو عين وجود المخلوقات. قال: فبين ابن المبارك أن الرب سبحانه على عرشه مباين لخلقه منفصل عنه، وذكر الحد؛ لأن الجهمية كانوا يقولون: ليس له حد، وما لا حد له لا يباين المخلوقات، ولا يكون فوق العالم؛ لأن ذلك مستلزم للحد. فلما سألوا أمير المؤمنين عبد الله بن المبارك: بما نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه. فذكروا لازم ذلك الذي تنفيه الجهمية، وبنفيهم له ينفون ملزومه الذي هو موجود فوق العرش سبحانه، ومباينته للمخلوق. فقالوا له: بحد. قال: بحد. أي: أنه منفصل عن جميع مخلوقاته. فقال: بحد. أي: ليس مخالطًا لمخلوقاته كما زعمت الجهمية؛ بقولهم بأن الله جل وعلا حالا في مخلوقاته، ولا أنه متحدًا مع مخلوقاته؛ بل ربنا تبارك وتعالى مستوٍ على عرشه فوق سماواته، وبائن من جميع خلقه؛ كما ذكر ذلك الإمام أحمد رحمهم الله. قال: وهذا الذي فهمه كل من عرف ما بين قول المؤمنين -أهل السنة والجماعة- وبين الجهمية الملاحدة من الفرق. قال: أقول: ثبت عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة إثبات الحد؛ فقد روى الخلال في كتاب السنة قال: أخبرنا أبو بكر المروذي -ويقال: المروزي- وبعضهم يسميه كذلك. المروزي -في ضبطه- كما سمعتم؛ بعضهم يضبطه هكذا: المروزي، وبعضهم يقول: المروذي، وبعضهم يقول: المروزي. هكذا. قال: أسمعت أبا عبد الله؟ قيل له: روى علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك أنه قيل له: كيف نعرف الله؟ قال: على العرش بحد. قال: قد بلغني ذلك عنه، وأعجبه؛ أي: أنه أقر ما ذكر عن عبد الله بن المبارك رحمهم الله تعالى جميعًا. قالوا: في رواية الأثرم عنهم: أن ابن المبارك قيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه بحد. فقال أحمد: هكذا هو عندنا. وثبت أيضًا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى نفي الحد؛ يعني ثبت عن الإمام أحمد إثبات الحد، وثبت عنه نفي الحد؛ فقد روى الخلال رحمه الله أيضًا قال: أخبرني عبيد الله بن حنبل، قال: حدثني أبي حنبل بن إسحاق، قال: قال: نحن نؤمن بأن الله تعالى على العرش كيف شاء، وكما شاء بلا حد، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه؛ بلا حد ولا غاية؛ ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ووجه الجامع بين كلامه رحمه الله والتوجيه: أن يقال: ووجه الجامع بين كلامه: أن يقال: أو أن يقال: وجه الجامع بين كلامه هو ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله؛ حيث قال: يبين -أي: الإمام أحمد- أنه نفى أن العباد يحدون الله تعالى أو صفاته بحد، أو يقدرون على ذلك بقدر؛ أو أن يبلغوا إلى أن يصفوا ذلك. وذلك لا ينافي ما تقدم من إثبات أنه في نفسه له حد يعلمه لا يعلمه غيره؛ أو أنه هو يصف نفسه. وهكذا سائر أئمة السلف يثبتون الحقائق، وينفون علم العباد بكنهها. ومعنى هذا: أن المنفي في كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى بقوله: بلا حد؛ أي: بلا حد مما يقدره العباد؛ سواء في إثبات صفات لم يثبتها الله تبارك وتعالى نفسه، أو في إثبات كيفيات لتلك الصفات. واضح: كل هذا منفي؛ يقال: بلا حد. فقول: بلا حد؛ يتنزل على ماذا؟ على أحد أمرين: الأمر الأول: على أن يصف العباد ربنا تبارك وتعالى من عند أنفسهم؛ هذا ممنوع. الأمر الثاني: أن يراد بالحد: أنهم يجعلون للصفات كيفيات معينة؛ هذا كذلك ماذا؟ ممنوع. فيقال: بلا حد؛ أي: بلا حد مما يحده العباد لله تبارك وتعالى؛ باعتبار وصفه، أو باعتبار كيفية وصفه. وأما المثبت؛ فالمراد به: أنه بحد؛ إما أن يقال: بأنه حد بمعنى المباين لخلقه. وإما أن يقال: بحد الذي هو بمعنى الكيفية؛ بحد يعلمه الله. واضح: جماعة؛ بحد بمعنى مباين؛ كما هو واضح في كلام من؟ في كلام ابن المبارك السابق. أو يقال: بحد؛ المراد به ماذا؟ بحد؛ أي: أن صفات الله جل وعلا لها كيفيات يعلمها من؟ يعلمها الله تبارك وتعالى. وأن ما أثبته ربنا تبارك وتعالى من الصفات؛ نفسه هو الذي يثبت، وما عداه فلا يثبت؛ لماذا؟ لأن باب الصفات: توقيفي. ومعنى لا يثبت: أن يتوقف في إثباته؛ نفيًا وإثباتًا. قال رحمه الله تعالى -أي: شيخ الإسلام- وقال: وهذا هو المحفوظ عن السلف. ولا إثبات حد الله في نفسه. وقد بيّنوا مع ذلك أن العباد لا يحدونه، ولا يدركونه. ولهذا لم يتنافِ كلام في ذلك؛ كما يظنه بعض الناس؛ فإنهم نفوا أن يحد أحد الله إلى قوله: وذلك أن لفظ الحد عند كل من تكلم به يراد به شيئان: يراد به حقيقة الشيء في نفسه، ويُراد به الوجود العين أو الوجود الذهني. فأخبر أبو عبد الله -أي: أحمد بن حنبل- أنه على العرش بلا حد يحده أحد، أو صفة يبلغها واصف. وأتبع ذلك بقول: لا تدرك الأبصار بحد ولا غاية. وهذا التفسير الصحيح للإدراك؛ أي: لا تحيط به الأبصار بحده ولا غاية. ثم قال: وهو يدرك الأبصار، وهو عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب؛ ليتبين أنه عالم بنفسه وبكل شيء. قال: أقول: فالقصد أن تفسير الحد بالوجود العين -وهو ما يقع تحت إدراك البصر وإحاطته- أو الوجود الذهني -وهو ما يقع تحت إدراك الذهن والعقل وتحديده مشاهدة أو تصورًا- كلاهما باطل منفي عن الله عز وجل. وليس لله صفة اسم الحد، وإنما الحد تعبير عن تمييز الله عن غيره بصفاته، واختصاص بكماله، وعلوه على عرشه، ومباينته لخلقه. وبهذا البيان لم تبق شبهة لكل ذي لب وجنان. والله الموفق والمستعان. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على