التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 68

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 68

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 68، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل في المواسم والأسواق

حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ رسالة ربه فخرج إلى مواسم الحج والأسواق يعرض نفسه على قبائل العرب مستنصراً بهم بعد أن منعه قريش من البلاغ. طالباً منهم الحماية والتمكين دون إكراه على الدين فمن قبل فله ومن كره لم يكره.

خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وعرض دعوته على ثقيف

توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف بعد اشتداد البلاء ووفاة عمه أبي طالب طالباً النصرة من ثقيف، فرفضوه وآذوه وأغروا به سفهاءهم. وقد عرض نفسه على أشرافهم فلم يستجيبوا له، فكان ذلك تمهيداً لقدوم الأنصار من المدينة.

إسلام عداس مولى عتبة وشيبة في حائط الطائف

لما آذى أهل الطائف النبي صلى الله عليه وسلم ولجأ إلى حائط عتبة وشيبة، أرسلا إليه غلامهما النصراني عداساً بعنب فدعاه إلى الله. عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بنبوة يونس بن متى فأسلم عداس وسجد للنبي صلى الله عليه وسلم وقبل قدميه، فأنكر سيداه ذلك عليه وحذّراه من ترك نصرانيته.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الحافظ الذهبي رحمه الله: عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل. قال إسرائيل -أي ابن أبي إسحاق- عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالمواقف، فيقول: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي». أخرجه أبو داود عن محمد بن كثير عن إسرائيل، وهو على شرط البخاري. وهذا الحديث إسناده حسن، وسالم بن أبي الجعد قد سمع من جابر. وفيه: كان النبي صلى الله عليه وسلم من حرصه العظيم على تأدية رسالة الله، أنه يذهب إلى المواسم، والمواسم كانت في موسم الحج يأتون إلى الحج من كل مكان، ويجتمعون في الأسواق غالباً، وكذلك في عرفة وفي مزدلفة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي هذه المجامع ويدعو إلى الله، ويقول: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي». أن قريشاً منعته وفرضت عليه الحصار، وهذا كان في وقت الحصار لما كانوا في الشعب. وقال موسى بن عقبة عن الزهري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: «لا أكره أحداً منكم على شيء، فمن رضي منكم بالذي أدعوه إليه فله، ومن كره لم أكرهه». يقول الزهري: إنه كان النبي عليه الصلاة والسلام يريد مأوى يأوي إليه، أو قبيلة تمنعه، وهو لا يفرض عليهم أن يكونوا على دينه، لكنه يتفق معهم على أن يمنعوه من أعدائه حتى يبلغ دعوة الله عز وجل، وهو في منعه، وكان هذا موجوداً في العرب. قال: «لا أكره أحداً منكم على شيء، فمن رضي منكم بالذي أدعوه إليه فله، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي، وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني فيما شاء». فلم يقبلوا، ويقولون: «قومه أعلم به، أترون أن رجلاً يصلحنا وقد أفسد قومه؟» فلُفّوا، ولُفّوا، معنى أنهم تركوه. فكان ذلك مما ذخر الله للأنصار، وسنة الله عز وجل وحكمة الله وقدره الذي يكون، فكل ذلك كان تمهيداً للأنصار. وتوفي أبو طالب، وابتلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأشد ما كان، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر منهم هم سادة ثقيف: عبد ياليل بن كلال، وحبيب، ومسعود بن عمر. وهؤلاء من سادة ثقيف، وثقيف هم أهل الطائف. فعرض عليهم نفسه، وشك إليهم البلاء، وما تهكم به قومه. فقال أحدهم: «أنا أسرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك قط». وقال الآخر: «أعجز الله أن يرسل غيري؟» - وهذا في قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ [الزخرف: ٣١]، ويريدون بهذا الرجل الوليد بن المغيرة، وهو من سادات قريش وثقيف، فلذلك قالوا هذا الكلام. وقال الثالث: «والله لا أكلمك بعد مجلسك هذا، والله إن كنت رسول الله لأنت أعظم من أن أكلمك». وتهزأوا به، وأفشوا في قومهم ما راجعوه به، وقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر جعلوا لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة، وأدموا رجليه، فخلص منهما ورجلاه تسيلان دماً. فعمد إلى حائط من حوائطهم -معنى بستان- واستضل في ظل جدار منه، وهو مكروب موجع. وهذا جاء بإسناد لا يصح، والحديث في الصحيحين وهو مختصر، وهذه رواية فيها ضعف، وذكرها أيضاً ابن إسحاق وغيره، وهي مرسلة من مراسيل عروة، وكذلك الزهري. قال رحمه الله: فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة وشيبة أخوه، وهما من قريش. فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما. فلما رآياه أرسل إليه غلاماً لهما يدعى عداساً، وهو نصراني من أهل نينوى، معه عنب. ونينوى هذه بلدة نبي الله يونس. فلما جاء عداس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أي أرض أنت يا عداس؟» قال: من أهل نينوى. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى». فقال: «أما تدري ما يونس بن متى؟» قال: «أنا رسول الله، والله أخبرني خبر يونس». فلما أخبره خرّ عداس ساجداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان الدماء. فلما أبصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا، فلما أتاهما قالا: «ما شأنك سجدت لمحمد وقبلت قدميه؟» قال: «هذا رجل صالح، أخبرني بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متى». فضحكا به وقالا: «لا يفتنك عن نصرانيتك، فإنه خير منك». فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة. وهذا في عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لأهل الطائف، إن شاء الله نكتفي بهذا ونكمل في درس قادم.