شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 5

الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 5، ألقاها

الإيمان بالقرآن والسنة

القرآن كلام الله غير مخلوق ويجب الإيمان به والعمل به، والسنة وحي من الله وأقوال النبي وأفعاله وتقريراته يجب الإيمان بها والعمل بها.

أقسام أفعال النبي وتقريراته

أفعال النبي تنقسم إلى جبلية وتعبدية وخص بها، والتقريرات تدل على الجواز وليس الاستحباب إلا بقرينة أخرى، والأحكام الشرعية تؤخذ من نص الكتاب والسنة.

أخذ الأحكام من المنطوق والمفهوم

الأحكام الشرعية تأخذ من المنطوق والمفهوم، المنطوق يأخذ الحكم مباشرة من اللفظ، والمفهوم يأخذ الحكم من معنى اللفظ لا في محل النطق.

مفهوم الموافقة المساوي وتوضيحه

مفهوم الموافقة المساوي لا فرق فيه بين استخدام "أف" أو "أح"، حيث أن كليهما لا يجوز، وتم التأكيد على ذلك في المقطع.

  • 24 جمادى الأولى 1436هـ - 14/03/2015مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في فصل، أو في كلامه في فصل في الكتاب والسنة، بعد قوله: «نزل به الروح الأمين على قلب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين للناس كافة في كل ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم ودنياهم»، يعني أن القرآن فيه ما يحتاج له الناس في أمور دينهم ودنياهم، إما صريحا، وإما عاما، وإما مجملا، كما قال الله عز وجل: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾. قال: وهو المقرؤ بالألسنة، والمكتوب في المصاحف، والمحفوظ في الصدور، لا يأتيه الباطل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. يعني هذا القرآن الذي هو كلام الله جل وعلا، هو المقرؤ بالألسنة الذي يقرأه الناس بألسنتهم، هو كلام الله، والذي كتب في المصاحف هو كلام الله، والذي حفظ في الصدور هو كلام الله جل وعلا. وأراد بهذا الرد على أهل الأهواء من الجهمية، ومن تابعهم ممن قال بخلق القرآن، وأن القرآن مخلوق. وقد رد عليهم العلماء وأهل السنة، وبيَّنوا ضلالهم، وأن هذه المقالة كفر، وأن القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق. وكذلك أيضا لما أنكر عليهم أهل العلم، ظهرت فرقة من فرق الجهمية يقال لهم اللفظية، فقالوا: «لفظنا بالقرآن مخلوق، لفظنا بالقرآن مخلوق». وهؤلاء أيضا رد عليهم أهل العلم، وبيَّنوا أن هذا القول هو كذلك أيضا من قول الجهمية، لأنهم أرادوا باللفظ الملفوظ، يعني ما يتلفظون به، وما يقرأونه، وهو كلام الله. لأن لفظ كلمة اللفظ تحتمل ماذا: الفعل والمصدر، اللفظ قد يراد به فعل اللفظ، يعني حركة اللسان والصوت، هذه مخلوقة، وقد يراد به الملفوظ، وهو ما يتلفظون به من كلام الله، وهو القرآن، وهو غير مخلوق. وهكذا أيضا يقال في القراءة: قراءة ومقروء، وكتابة ومكتوب، فالقراءة مخلوقة، فعل الإنسان مخلوق، حركته ولسانه وصوته مخلوقة، لكن المقروء الذي يقرأه ويتلفظ به هو كلام الله غير مخلوق. فأنكر عليهم أهل العلم، فهو أشار رحمه الله بهذا إلى أن القرآن كلام الله جل وعلا، سواء كان المكتوب في دفتي المصحف، أو كان المحفوظ في الصدور، أو كان المتلو والمقروء على الألسنة، فهو كلام الله. قال: «وأما السنة فإنها أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته على الأقوال والأفعال». السنة والقرآن كلاهما وحي من الله جل وعلا، والله عز وجل يقول: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إنما قال رسول الله»، كما قال الله، يعني في وجوب الأخذ به والعمل به، فلا فرق بين أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، فكلاهما يجب الإيمان بهما والعمل بهما. ولذلك حذر الله عز وجل من مخالفة أمر نبيه عليه الصلاة والسلام في آيات كثيرة، ومنها قوله جل وعلا: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. وقول من يقول من أهل الأهواء: «أننا نؤمن بالقرآن فقط، ولا نؤمن بالسنة»، هذا ضلال، كالذين يسمعون بالقرآنيين الذين يقولون: «أن نؤمن بالقرآن فقط، أما السنة لا نؤمن بها»، وهم كاذبون، لو آمنوا بالقرآن آمنوا بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، لأنها وحي من الله، والله أمر باتباع رسوله والإيمان به والاقتداء به والأخذ بأوامره. وكذلك أيضا من رد السنة بعقله، كالعقلانيين أهل الرأي والعقل الذين يردون السنة بعقولهم، ما وافق عقولهم قبلوه، وما خالف عقولهم ردوه، وهؤلاء أيضا ضلال. والأخذ بالسنة بما صح وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام وجب العمل به. والسنة مع القرآن لها أربعة أحوال: الحالة الأولى أن تكون موافقة للقرآن، أن تكون موافقة للقرآن، فيأتي القرآن بأمر والسنة تأمر بنفس الأمر، كأركان الإسلام، الأمر بالصلاة قبل التوحيد، وكذا الصلاة والزكاة والصيام والحج، جاء في السنة الأمر بها، وغيرها من الأوامر الكثيرة التي وافقت فيها السنة القرآن. والحالة الثانية أن تكون مخصصة أو مقيدة أو ناسخة للقرآن. والحالة الثالثة أن تكون مبينة للقرآن، أن تكون مبينة للقرآن، يأتي في القرآن الأمر مجملا، ثم يأتي بيانه في السنة، مثل الأمر بإقامة الصلاة، جاء الأمر بالقرآن، وكيفية وصفة الصلاة لم يأتي صفتها في القرآن، وإنما جاء في السنة، بيّنها النبي عليه الصلاة والسلام في سنته. كذلك جاء الأمر بإيتاء الزكاة، مقادير الزكاة لم يأتي بيانها في القرآن، وجاء بيانها في السنة. والحال الرابعة أن تكون السنة منفردة عن القرآن بحكم زائد، أن تكون منفردة عن القرآن بحكم زائد، مثل تحريم النبي عليه الصلاة والسلام لكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، هذا حكم زائد عما ورد في القرآن من تحريم بعض الحيوانات. قال: «وأما السنة فإنها أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعال وتقريراته على الأقوال والأفعال». السنة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، يعني ما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام، فتسمى سنة قولية، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». أو أفعاله، يعني ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، فيقال لها سنة فعلية، سنة فعلية، مثلا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل الفجر ركعتين، وبعد الظهر ركعتين، وقبلها أربع، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، هذه سنة فعلية. على أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام، أفعال النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام: أفعال فعلها عليه الصلاة والسلام على جهة الجبلية، يعني جبل عليها الإنسان وطبع عليها، كالأكل والشرب والنوم، هذه أفعال جبلية، هذه الأفعال لا يشرع فيها التأسي، لكن في صفاتها وكيفياتها يشرع تتأسى بالنبي عليه الصلاة والسلام في صفة النوم، وفي صفة الأكل. أما في ذات الأكل، وفي ذات النوم ونحوه، هذه لا يتأسى فيها به، لكن في الصفة نعم. كونك مثلا تنام على الشق الأيمن، وتتوضأ قبل النوم، هذا يستحب لأنه من فعل النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو شيء زائد عن أصل النوم. كذلك في الأكل تأكل باليمين، وتأكل مما يليك، وتسمي الله عند الأكل، وتحمد الله عند الفراغ، هذا كذلك يشرع فيه التأسي. والنوع الثاني من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، أفعال فعلها النبي عليه الصلاة والسلام على جهة التعبد، وهذه يشرع فيها التأسي على جهة الإطلاق، وهذا الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتأسى فيها، يتأسى به عليه الصلاة والسلام، كل ما فعله على جهة التعبد والتقرب لله، فإنه يتأسى به عليه الصلاة والسلام، والله عز وجل يقول: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، قال إمام بن كثير رحمه الله: «هذه الآية أصل في التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام». والنوع الثاني من الأفعال، أفعال خص بها النبي عليه الصلاة والسلام، كمثلا الزيادة على أربع في النكاح، هذا حكم خاص به عليه الصلاة والسلام، لا يشرع فيه التأسي، الأصل في أفعاله التعبدية أنه يشرع فيها التأسي، إلا ما دل الدليل فيه على الخصوصية، فلا يشرع فيه التأسي. قال: «وتقريراته على الأقوال والأفعال»، يعني ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم من قول قيل عنده أو بلغه، أو فعل فعل عنده أو بلغه، ولم ينكره، فيكون إقراره عليه الصلاة والسلام دالا على الجواز. وما أقره النبي عليه الصلاة والسلام دل على جوازه، ولا يدل على استحبابه إلا بقرينة، إلا بقرينة، كما أشار بعض العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره. فمثلا أكل الضب قربا للنبي عليه الصلاة والسلام، ضب مشوي، فلم يأكله عليه الصلاة والسلام، عافه، قال: «لم يكن في أرض قومي»، ثم أخذه خالد بن الوليد وجعل يأكله عند النبي عليه الصلاة والسلام، وما أنكر عليه، أقره على أكله، فهذا يدل على إباحة أكل الضب، لكن هل يدل على استحباب أكل الضب؟ الجواب لا، إنما يدل على الجواز، يدل على الجواز. فما قره النبي عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل يدل على جوازه، وأما استحبابه فيحتاج إلى دليل آخر، وقرينة أخرى تدل على الاستحباب. قال: «فالأحكام الشرعية تارة تأخذ من نص الكتاب والسنة، وهو اللفظ الواضح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى». وتارة تأخذ من ظاهرهما، وهو ما دل على ذلك على وجه العموم اللفظي أو المعنوي. وتارة تأخذ من المنطوق، وهو ما دل على الحكم في محل النطق. وتارة تأخذ من المفهوم، وهو ما دل على الحكم بمفهوم موافقة إن كان مساويا للمنطوق أو أولى منه، أو بمفهوم المخالفة إذا خالف المنطوق. يقول رحمه الله: «لأحكام الشرعية تارة تأخذ من نص الكتاب والسنة»، يعني عندنا نص آية أو حديث ينص على حكم هذه المسألة، يقال: «هذه المسألة فيها نص»، النص اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا، مثل الأمر بإقامة الصلاة، «وأقيموا الصلاة»، هل يحتمل هذا الأمر عدم وجوب الصلاة أو عدم إقامتها؟ الجواب لا، نقول: «هذه المسألة فيها نص»، عندنا نص من القرآن على وجوب الصلاة، هذا لفظ لا يحتمل إلا هذا المعنى. قال: «وتارة أن تأخذ من ظاهرها»، يعني من ظاهر النص، وظاهر اللفظ ليس نصا صريحا، لكن ظاهره يدل على هذا الحكم، وإن احتمل معنى آخر، لكن لا يؤخذ بهذا المعنى الآخر إلا بقرينة تدل عليه. والأصل أننا نأخذ بظاهر اللفظ، سواء كان هذا الظاهر دل عليه على جهة العموم اللفظي أو المعنوي. المراد بالعموم اللفظي: العام اللفظ العام، كما سيأتي في الكلام على العام، يعني اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له دفعة واحدة بلا حصر. عندنا لفظ عام، فنستدل بظاهر هذا اللفظ، وما دل عليه من عمومه على سائر الأفراد التي تندرج تحته. مثلا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كل بدعة ضلالة»، «كل بدعة ضلالة»، هذا اللفظ العام يدل على أن كل البدعة ضلالة، أخذ من عموم اللفظ، لأن «كل» من ألفاظ العموم. والعموم المعنوي: أن يوقد العموم من معنى اللفظ، أن يوقد العموم من معنى اللفظ، مثلا قال الله عز وجل: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، هذا اللفظ يدل معناه على إكمال الشريعة، أو لفظه يدل على إكمال الشريعة، ويستدل بمعناه على تحريم البدع، لأن الشريعة إذا كانت كاملة، معناه ما أحدث فيها من عبادات يوصد بها التقرب إلى الله عز وجل ليست من شرع الله، فهي مردودة، وهي من البدع المحدثة التي تدخل في عموم إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأن «كل بدعة ضلالة»، أخذ هذا من معنى اللفظ، أخذ من معنى اللفظ. قال: «وتارة تأخذ من المفهوم»، وهما دل، «وتارة تأخذ من المنطوق»، وهما دل على الحكم في محل النطق. تارة يأخذ الحكم الشرعي من المنطوق، يعني من منطوق اللفظ، من منطوق اللفظ، من لفظه. ومنطوقه يأخذ الحكم، مثلا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، الآن منطوق هذا الحديث أن من صلى بلا وضوء فصلاته باطلة، أخذنا هذا الحكم من منطوق هذا الحديث، من منطوق هذا الحديث. قال: «وتارة تأخذ من المفهوم»، وهما دل على الحكم من مفهوم موافقة إن كان مساويا للمنطوق أو أولى منه. كذلك قد يأخذ الحكم من المفهوم، من مفهوم اللفظ، مثلا الآن ذكر رحمه الله أن المفهوم ينقسم إلى قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة. مفهوم الموافقة ينقسم إلى قسمين: مفهوم مساوي، ومفهوم أولى. مثلا قول الله عز وجل: ﴿ولا تقل لهما أفّ﴾، نهى الله عز وجل عن التأفف، أن يقول الولد لوالديه «أف» إذا أمره بشيء، قال «أف»، هذا ما يجوز، نهى الله سبحانه وتعالى عن التأفف، هذا منطوق هذا الآية. طيب إذا قال: «أنا ما سأقول أف، لكن سأقول: ما سأفعل»، ما أقول «أف»، لكن أقول: «ما سأفعل»، نقول: «هذا إيش؟ هذا أولى بالتحريم»، إذا كان «أف» وهي كلمة مكونة من حرفين ما يجوز أن تقولها لوالديك، فما هو أكثر منها ومكون من أكثر من حرفين أولى بالتحريم. من أين أخذنا هذا؟ أخذنا من مفهوم هذا المنطوق، لأن المقصود هو عدم أذية الوالدين، فإذا كان يتأذيان من قولك «أف»، فما هو أكثر من الأف أولى أن يحرم، هذا يسمى مفهوم أولى، يعني أولى بالتحريم، ما دل عليه ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، كما يقول علماء أهل الأصول في المفهوم: «ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق»، وإنما أخذ من مفهوم اللفظ، هذا يسمى مفهوم أولى، أولى بالتحريم. وهناك مفهوم مساوي، يعني بدل «أف» تقول «أح»، هذا مساوي، لا فرق، «أف» لا يجوز، كذلك «أح» لا يجوز، هذا يسمى مفهوم موافقة مساوي. أظن الوقت الذي انتهى، فنقف في هذا الموضوع، ومنكم إن شاء الله في درس قادم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على