شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 9

الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 9، ألقاها

مفهوم النسخ وأنواعه في الشريعة

النسخ هو رفع حكم شرعي أو لفظه بدليل متأخر، ويشمل أنواعاً متعددة مثل نسخ الحكم مع بقاء اللفظ أو العكس. النسخ يقع في الشريعة بنص من الكتاب أو السنة.

أولوية الجمع بين النصوص الشرعية

يجب الجمع بين النصوص المتعارضة قبل اللجوء إلى النسخ، لأن الجمع يحقق العمل بكلا الدليلين. النسخ يكون فقط عند تعذر الجمع بين الدليلين.

ضوابط النسخ وتطبيقاته العملية

النسخ في الشريعة يتم بنص من الشارع، ويتطلب معرفة تاريخ النصوص. عند تعارض النصوص، يتم الجمع أو النسخ بناءً على التأريخ، وإلا فيرجع إلى الترجيحات الأخرى.

تطبيق النسخ في حالات خاصة

في حالات تعذر الجمع، قد يحمل فعل النبي على الخصوصية إذا دل الدليل على ذلك، مثل مسألة الجمع بأكثر من أربع نساء التي هي خاصة بالنبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعد رحمه الله: ومنها ناسخ ومنسوخ، والمنسوخ في الكتاب والسنة قليل. فمتى أمكن الجمع بين النصين وحمل كل منهما على حال، وجب ذلك، ولا يعدل إلى النسخ إلا بنص من الشارع، أو تعارض النصين الصحيحين الذين لا يمكن حمل كل منهما على معنى مناسب، فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم. فإن تعذر معرفة المتقدم والمتأخر، رجعنا إلى الترجيحات الأخرى. ولهذا إذا تعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، قدم قوله؛ لأنه أمر أو نهي للأمة، وحمل فعله على الخصوصية له. فقصائص النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأصل. وكذلك إذا فعل شيئًا على وجه العبادة ولم يؤمر به، فالصحيح أنه للاستحباب، وإن فعله على وجه العادة دل على الإباحة. وما أقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال، حُكم عليه بالإباحة أو غيرها على الوجه الذي أقرَّه. يقول رحمه الله: ومنها ناسخ ومنسوخ، يعني من نصوص الكتاب والسنة منها ما هو ناسخ ومنها ما هو منسوخ. والنسخ رفع حكم شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب أو السنة متأخر عنه. رفع حكم شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب أو السنة متأخر عنه. والنسخ في اللغة الرفع والإزالة، وهذا معناه في الاصطلاح رفع حكم شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب أو السنة متأخر. وقولنا في التعريف حكم شرعي أو لفظه؛ لأن النسخ قد يكون للحكم مع بقاء اللفظ، وقد يكون النسخ للفظ مع بقاء الحكم. مثال الأول رفع الحكم مع بقاء اللفظ، نسخ ما جاء في آية المصابرة في قول الله جل وعلا ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾، هذه الآية فيها الأمر بمقابلة الواحد للعشرة، ثم نسخ هذا الحكم بقوله جل وعلا بعدها ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. هذه الآية الآن الأولى نسخ حكمها، حكم مقابلة ووجوب مقابلة الواحد للعشرة، هذا نسخ حكمه، لكن اللفظ ما زال موجودًا، يُتلى ويُقرأ. هذا معنى نسخ الحكم. وقد يُنسخ اللفظ ويبقى الحكم، يُنسخ اللفظ ويبقى الحكم، كنسخ آية الرجم، كان فيما أنزل من القرآن آية الرجم كما أخبر عمر رضي الله تعالى عنه، أن المحصن إذا زنى فإنه يُرجم حتى الموت، كان في القرآن آيات تدل على ذلك، ثم نسخ لفظها، رُفع الآن ما تجد في القرآن آيات فيها ذكر الرجم، لكن الحكم باق، الحكم ما زال مستمرًا موجودًا، وقد رجم النبي عليه الصلاة والسلام ورجم الصحابة بعده. هذا معنى أو لفظه أن يُنسخ اللفظ ويبقى الحكم. والنسخ له أنواع متعددة يذكرها أهل الأصول في كتب الأصول الموسعة. لكن نعرف أن النسخ هو رفع الحكم أو اللفظ، أن يُنسخ لفظ الآية فيُرفع ويبقى حكمها، أو يبقى الحكم وينسخ ماذا؟ أو يبقى اللفظ وينسخ الحكم. والدليل الذي يحصل به النسخ يُسمى ناسخ، يُسمى ناسخ، والذي رُفع حكمه أو لفظه يُسمى منسوخ، يُسمى منسوخ. قال: والمنسوخ في الكتاب والسنة قليل، يعني تكاد تكون معدودة في القرآن. الإمام السيوطي رحمه الله له نظم في الناسخ والمنسوخ من القرآن، جمع وذكر أنها عشرون آية، أنها عشرون آية، وهي مع التحقيق تكون أقل من ذلك، يعني الآيات المنسوخة في القرآن. فيدل أن النسخ أو الآيات المنسوخة سواء كانت في الكتاب أو كذلك أيضًا ما حصل في النسخ في السنة قليل. قال: فمتى أمكن الجمع بين النصين وحمل كل منهما على حال، وجب ذلك، يعني أنه لا يُنتقل إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع بين الدليلين. فطالب العلم أولًا ينظر في الأدلة إذا حصل بينها شيء من التعارض، يجمع بينها، يجمع بينها. فالجمع مقدم على النسخ؛ لأن الجمع عمل بكلا الدليلين، لما تجمع بين الدليلين تعمل بكلا الدليلين، هذا يُعمل على وجه، وإعمال كلا الدليلين أولى من إهمال أحدهما؛ لأن النسخ إهمال لأحد الدليلين، والإعمال أولى. فلذلك ما يُصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، أما إذا أمكن وجب الجمع. مثلًا قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم «إنما الماء من الماء»، مع حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل». الحديث الأول فيه وجوب الغسل من نزول الماء، يعني المني، «إنما الماء من الماء»، الماء يعني الغسل من الماء، أي من ماء المني، فيدل بمنطوقه على أن الغسل لا يجب إلا إذا نزل المني، إلا إذا نزل المني. مفهومه أنه إن لم يحصل إنزال فلا غسل، إن لم يحصل إنزال فلا يجب الغسل. وفي حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل»، وفي لفظ لمسلم «وإن لم ينزل»، فيدل على وجوب الغسل وإن لم يحصل إنزال. ففي الظاهر أن هناك تعارض، ولا تعارض بين الحديثين، يمكن أن يجمع بينهما. فحديث أبي سعيد يدل منطوقه على وجوب الغسل إذا نزل المني، إذا نزل المني، ومفهومه أنه إن لم ينزل فلا غسل، هذا المفهوم نسخ بحديث أبي هريرة، نسخ بحديث أبي هريرة «إذا جلس بين شعبها الأربع فقد وجب الغسل»، يعني إذا حصل الجماع وإن لم يحصل إنزال وجب الغسل. فيكون العمل بحديث أبي هريرة بحصول الجماع وإن لم يحصل إنزال فالغسل واجبًا. وحديث أبي سعيد يدل على أن نزول الماء مطلقًا يجب به الغسل. وأما المفهوم، مفهومه أنه إن لم يحصل ماء فلا يجب الغسل، هذا المفهوم نسخ بحديث أبي هريرة، نسخ بحديث أبي هريرة. لكن منطوقه ما زال محكمًا، أن الغسل يجب من نزول الماء، هذا محكم، ما نسخ، إذا نزل المني وجب الغسل، هذا محكم. لكن إذا حصل الجماع ولم يحصل إنزال فهنا كذلك يجب الغسل لحديث أبي هريرة، وبهذا يجمع بين الحديثين. قال: ولا يعدل إلى النسخ إلا بنص من الشارع، لا يعدل إلى النسخ إلا بنص، بدليل من الكتاب أو السنة على أن هذا الحكم منسوخ. مثل تحريم ونسخ المتعة، متعة النساء كانت في أول الأمر جائزة، ثم حرمها النبي عليه الصلاة والسلام يوم خيبر إلى يوم القيامة، فهي محرمة ومنسوخة، حكمها منسوخ، والدليل هو النص الذي ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. أو كذلك قد يكون النص من الصحابي، كقول جابر رضي الله عنه: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار»، كان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر يتوضأ مما مست النار إذا أكل شيء طبخ، توضأ، ثم في آخر الأمر ترك ذلك، فنسخ هذا الحكم، وهو الوضوء مما مست النار، علم هذا من قول جابر رضي الله تعالى عنه. قال: وإذا تعارض النصين الصحيحين الذين لا يمكن حمل كل منهما على معنى مناسب، فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم، يعني إذا ما أمكن الجمع بين الحديثين، هنا ننتقل إلى مسألة النسخ، ننظر أيهما متقدم وأيهما متأخر، فالمتأخر يكون ناسخًا للمتقدم، مثل آية المصابرة، الآيات التي بعدها «الآن خفف الله عنكم» دلت على أن الحكم الذي قبلها منسوخ، وهكذا غيرها كثير مما نسخ يعرف بالتاريخ، معرفة المتقدم والمتأخر. قال: فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم، فإن تعذر معرفة المتقدم والمتأخر رجعنا إلى الترجيحات الأخرى. طيب ما عرفنا التاريخ، أولًا نجمع، قلنا بين الدليلين جمعنا، طيب ما أمكن الجمع انتقلنا إلى النسخ، ننظر أيهما متأخر فينسخ المتقدم، ما عرفنا التاريخ أيهما متقدم وأيهما متأخر، هنا نرجح بين الدليلين أيهما أرجح فيقدم ويعمل به. وترجيحات كثيرة يذكر أهل العلم في الكتب المطولة، كمثلًا قولهم: صاحب القصة قوله مقدم؛ لأنه أدرى بما حصل له، هكذا يظن أن ناقل عن الأصل مقدم على المبقي على الأصل، وغير ذلك من الترجيحات. قال: ولهذا إذا تعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، قدم قوله؛ لأنه أمر أو نهي للأمة، وحمل فعله على الخصوصية له. وهذا ليس على إطلاقه، وإنما إذا لم يمكن الجمع بين قوله وفعله، إذا ما أمكن الجمع بين قوله وفعله فنحمل فعله على الخصوصية، لكن إذا أمكن الجمع جمعنا بين قوله وفعله. مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام ونهيه عن الشرب قائمًا، ثم شرب قائمًا، نقول: النهي يحمل على الكراهة، وفعله عليه الصلاة والسلام من باب الجواز، من باب الجواز. كذلك أيضًا نهيه عليه الصلاة والسلام عن استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وصح عنه أنه فعل ذلك في حديث ابن عمر في الصحيحين، حديث ابن عمر في السنن، فيحمل هذا النهي على الكراهة على قول جماعة من أهل العلم. وأما إن لم يمكن الجمع، فهنا يحمل فعله على الخصوصية إذا دل الدليل على ذلك، كنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الزيادة عن أربع، يعني الجمع بأكثر من أربع نسوة لا يجوز للمسلم أن يجمع أكثر من أربع نسوة، والنبي صلى الله عليه وسلم جمع أكثر من ذلك، هذا لأنه خاص به عليه الصلاة والسلام، فهو من خصائصه، وغير ذلك من خصائصه عليه الصلاة والسلام، فيحمل على فعله الخاص به. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على