أصول دعوة أهل السنة والجماعة

الخطبة بعنوان أصول دعوة أهل السنة والجماعة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٩ شوال ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أصول الفِرقة الناجية ومبادئها

يتناول أصول الفِرقة الناجية وأهم مبادئها، ويبرز أهمية العقيدة والتوحيد في منهج أهل السنة والجماعة. يشدد على اهتمامهم بالعقيدة الصحيحة ونشرها وحمايتها.

أهمية التمسك بسنة النبي

يؤكد على أهمية اتباع سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والتمسك بها، ويبرز دور أهل السنة والجماعة في تطبيق السنة واتباع فهم سلف الأمة. يشدد على أن الفلاح يكمن في التمسك بسنة النبي.

أصول دعوة أهل السنة والجماعة

يُشدد على أهمية العلم الشرعي واجتماع كلمة المسلمين كأصول لدعوة أهل السنة والجماعة. يُعد العلم ركيزة لفهم الشريعة وتصحيح العبادات، واجتماع كلمة المسلمين ضروري لتجنب الفرقة.

ختام الدرس والدعاء للمسلمين

يختتم الدرس بدعاء الله أن ينفعنا بما قيل ويطلب متابعة أحسن الأقوال، ثم يختم بالدعاء للمسلمين والصلاة على النبي محمد. يشدد على أهمية الدعاء في ختام الدرس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن مما صحَّت به الأخبار عن نبينا عليه الصلاة والسلام من الآثار قولُه: «فإنه من سيعِش منكم فسيرَ اختلافًا كثيرًا»، وإنه من تأمَّن في هذا الحديث ليعلم أنه ينطبِق تمامًا انطباق على هذه الأزمان والأعصار التي دبَّت فيها المُتغيرات وطرأت وظهرت فيها المُستجدَّات، والتي تعود على ديننا بالضعف والتقهقور والإرهاصات. وإن من هذه التغيُّرات وأعظمها ما كان من تفرُّق الناس على مذاهب شتى من مِلَلٍ ونِحَل وتيَّاراتٍ وجماعاتٍ وتنظيمات، وقد بيَّن نبينا صلى الله عليه وسلم عظم هذا التفرُّق الذي سيحُلَّ بهذه الأمة حين قال: «وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةِ على ثلاثٍ وسبعين فِرقَة، كلُّها في النار إلا واحدة». فمع هذا الرُّكام العظيم من الفِرَقِ المُتَهَالِكَةِ المُحتَشِدَةِ على أبواب جهنم، فقد صفت منها فِرقةٌ حميدة وهي الفِرقةُ النَّاجِيَةُ الوَحِيدَةُ، أَلَتِ ارْتَضَى رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ سَيْرِهَا وأحبَّها وأحبَّ أهلَها، فنجَّاهم من العذاب والهلاك. فياتُرَى من هذه الفِرقة التي لزامًا على كل مسلم أن يبحث عنها وأن يسأل عنها حتى يلتحق بها، فيكون تابعًا من أتباعها، فتناله السلامة والنجاح في الدنيا والآخرة، وإلا كان متوعدًا بالهلاك؛ لأن الذي لم يُدركها لا بد أن يقع في غيرها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. واعلمُ عباد الله أن الالتحاق بهذه الطائفة وبهذه الفِرقة الناجية لا يقتصر على دعوى اللسان يدَّعيها أحدُنا بطرف لسانه، كحال كثيرٍ من الناس ممن يدَّعي بأنه من أهلها وما درى أنه لربما كان من أبعد الناس عنها، بل لربما كان من ألدِّ أعدائها شعُر بذلك أو لم يشعُر. عباد الله، إن الالتحاق بهذه الفِرقة الناجية إنما يكمُنُ بالتمسُّك بمنهاجها والقيام بمبادئها وبالعمل بأصولها وثوابتها. وإنني في هذا المقام عباد الله لأُشيرُ إشارات إلى أهم المعالم والثوابت والأُسُس والمبادئ التي تقوم عليها مبادُو هذه الفِرقة الناجية الطائفة المنصورة أهل السُنَّة والجماعة. وإن من أهم أصولها الاهتمام بالعقيدة، فمن شأن أهل السُنَّة الفِرقة الناجية أنهم يهتمُون بالعقيدة الصحيحة، وخاصة ما يتعلَّق بقضية التوحيد، إلا لتوحيد الله، قال ربنا جلَّا في علاه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾، قال أهل التفسير: «إلا ليوحِّدون»، ما خلق الله الخلائق إلا لقضية التوحيد وإفراده بالوحدانية جلَّا في علاه. ولهذا كان ما من نبيٍّ ولا رسول إذا ضُعِثَ إِلَى قَوْمِه، فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَسْتَهِلُّ بِهِ دَعْوَةَهِ الدَّعْوَةُ إِلَى وِحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، قَائِلًا: «يَا قَوْمْ أُعْبُدُوا اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَاهٍ غَيْرَهُ». وهكذا نبينا صلواتُ ربي وسلامُه عليه كان على هذا المنوال من اهتمامه بأمر العقيدة والتوحيد، مكث ثلاثة عشرة عاماً في مكة يدعو الناس إلى وحدانية الله، ما ترك سهلاً ولا جبلاً ولا وادياً ولا حياً إلا ودع الناس فيها إلى وحدانية الله. وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً، فما زالت تلك سيرته ولا زال ذلك حاله حتى في الرمق الأخير، وهو يطرُق باب التوحيد، فكان يقول عند سكرات الموت: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». نعم، يا عبد الله، إنه الحماية لحم التوحيد، كان عليه الصلاة والسلام يولي لأمر العقيدة والتوحيد الاهتمام الأكبر. ولهذا كان أهل السنة والجماعة على هذا المنوال من اهتمامهم بأمر العقيدة والتوحيد، فأصبحوا يجتهدون ويبذلون الأعمار والأوفس في سبيل نشرها وبثها بين القاصي والداني، وقاموا بماذا من حديد، وقاموا بضربٍ بيدٍ من حديد لمن سوّلت له نفسه التلاعب بعقائد المسلمين. فقد كانوا بحق رماتًا للعقيدة. وأيضا عباد الله من الأصول التي قامت عليها دعوة أهل السنة والجماعة الاهتمام بالسنة، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم. إن الله جل وعلا عندما بعث نبيه محمدًا صلوات ربي وسلامه عليه أمر الناس كافة بأن يُذعِنُوا له، وذلك بطاعته واتباعه والتمسُك بغرزه واقتفاء أثره، فقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال جلّا في علاه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر﴾. وهكذا قولي سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِين﴾، وقال جلّا في علاه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. بل هذا نبينا صلوات ربي وسلامه عليه هو بنفسه يُشيد بمقام السنة وبعظم هذا المقام، وأنه مفتاحٌ من مفاتيح الجنة، فقال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»، من أطاعني دخل الجنة، والعكس بالعكس، فإنه من لم يكن على طريقته وأعرض عن سنته فإن مصيره إلى بئس المصير. قال ربنا جلّا في علاه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾. وإن أهل السنة أمام هذه النصوص وأمام هذا المقام ما كان منهم إلا أن اهتموا به الاهتمام الأكبر، ولا دلّ ولا أدل على اهتمام هذه الفرقة بأمر السنة بمثل انتسابهم إلى هذا الإسم، فكان من أسمائهم أهل السنة، انتسبوا إليها وانتموا إليها. ثم كان من أمرهم أن طبَّقوا السنة على أنفسهم قولًا وعملًا وسلوكًا ومنهجًا ومعتقدًا، ثم إنهم رغبوا الناس وحثوا الناس وحضوا الناس على ضرورة التمسُّك بسنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن فلاح الأفراد والمجتمعات في الدنيا والآخرة إنما يكمن في مقدار تمسُّكهم بسنة النبي صلواتُ ربِّي وسلامُ عليه. كما قال ربُّنا جلَّ في علاه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، فما كان من أمرهم إلا الاستماتة على التمسُّك بالسنة، فكانوا من أهلها حقًّا وصدقًا. وهكذا عباد الله من أصول هذه الفرقة الناجية ومن أصول دعوة أهل السنة والجماعة فهم النصوص على فهم سلف الأمة. فإن من شأن أهل السنة أنهم يفهمون نصوص الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة من الصحابة والتابعين، فأهل السنة والجماعة لا يتجاسرون على فهم نصوص الشرعين على فهم من ذوات أنفسهم، بل إنهم يُعرِضون ذلك على فهم سلف الأمة. قال ربنا جل في علاه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، والخطاب إلى صدر هذه الأمة من أصحاب رسول الله، فإن آمَنوا بمثل ما آمَنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق. فمن كان أمره ومن كان امتثاله واستقامته على ما كان عليه الرعيل الأول، فهذا الذي استوجب الهداية من رب العالمين. وإن الله جل وعلا قد توعد أقواما بالضلال والهلاك متى ما أعرضوا عن طريقتهم ولم يأخذوا بأفهامهم، قال ربنا جل في علاه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. إنه ما ظل من ظل من أهل المِلَل والجماعات والنِحَل إلا عندما أرجعوا فهم النصوص الشرعية إلى قلوبهم وإلى عقولهم وإلى ذو أذواقهم وإذا قواعد هم استحدثوها من ذوات أنفسهم، فجعلوها هي القاضية وهي الموضحة وهي المقيدة لنصوص الشريعة. فكان من جراء ذلك أن ظهرت منهم العبارات الفجة والآراء الشاذة والقواعد المستحدثة التي رجعت عليهم بالضلال بضلالهم وبضلال من اتبعهم. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مبينا هذا المقام: «وبذلك قد تبين أن من فسر القرآن أو الحديث على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين، فهو ملحدٌ في آيات الله، محرِّفٌ لكلام الله، وهذا فتحٌ لباب الزندقة والإفساد، وهذا معلوم البطلان من دين الإسلام بالإضطرار». هكذا قال رحمه الله. ولهذا كان من أسعد الناس في هذا الباب هم أهل السنة والجماعة؛ عندما أرجعوا نصوص الكتاب والسنة إلى فهم سلف الأمة. وكان من اهتمامهم بهذا المقام أنهم لربما تسمَّوا بالدعوة السلفية؛ لشدة تمسُكهم بفهم وآثار السلف الصالح. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أدَّاعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلازلنا عباد الله في هذا المقام نستعرض وإياكم أهم المعالم والثوابت والمبادئ والأصول التي تقوم عليها دعوة أهل السنة والجماعة، دعوة الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. وكان مما ذُكر أنهم اهتموا اهتمامًا عظيمًا بأمر العقيدة والتوحيد، وكان أيضًا من أصول دعوتهم الحرص على السنة النبوية قولًا وعملًا عقيدةً ومنهاجًا. وأيضًا كان من أصول دعوتهم أنهم يفهمون نصوص الكتاب والسنة على ضوء فهم سلف الأمة. وأيضًا عباد الله مما يُذكر من أصول دعوة أهل السنة والجماعة الاهتمام بالعلم الشرعي، إن من تأمَّل في باب الفضائل فإنك يا عبد الله لن تجد بابًا فيه من الفضائل الكبيرة ومن المناقب العديدة كمثل الباب الذي يذكره العلماء في باب العلم وطلبه وتحصيله. ولا أدل على عظم هذا الباب إلا ما ذكره ربنا جل وعلا في كتابه بقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، قال العلماء: «لم تأت الزيادة في القرآن إلا في هذا المقام في مقام العلم»، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. عباد الله، العلم هو الركيزة في فهم أحكام الشريعة، العلم يا عبد الله هو الوسيلة في تصحيح العبادات والمعاملات التي نتقرب بها إلى رب الأرض والسماوات. العلم يا عبد الله الذي لا قوام للدين إلا به، لا قوام للدين إلا به، قال ربنا جل فعلا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل. العلم يا عبد الله يعتبر جهادًا، بل من أعظم أضواب الجهاد؛ لما فيه من ذب عن الدين ومن رد كيد الكائدين. قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: «من رأى أن الغدو والرواح في طلب العلم ليس بجهاد، فقد نقص في عقله»، من رأى أن الغدو والرواح في طلب العلم ليس بجهاد، فقد نقص في عقله. العلم يا عبد الله يعتبر صمام أمان للأفراد والمجتمعات من الفتن، من المحن، من المعضلات، ومن المشاكل والمذلهمات. إن أهل السنة والجماعة إذا هذه النصوص أعطوا للعلم اهتماما عظيما، فجعلوه من أوصول دعوتهم، فحثوا الناس على طلب العلم وعلى تحصيله وعلى بثه وعلى ضرورة التفقه في دين الله جل وعلا. ثم استنفروا الجميع الصغار والكبار والذكور والإناث لتحصيل العلم؛ حتى تصح به العبادات والطاعات. وإن المجتمعات من لم يهتموا بهذا الباب فأعرضوا عن العلم، فحينها لا ينتظر سوى الهلاك والدمار والفساد للأفراد والمجتمعات. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من قلوب العباد، وإنما يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقى عالم أو يبقي عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». هلاك المجتمعات وهلاك الناس إنما يكون بذهاب العلم وبزواله. ولهذا كان أهل السنة والجماعة قديما وحديثا لا زال من أشد الناس حرصا على طلب العلم وعلى تحصيله وبثه. وأيضا عباد الله من الأصول التي تقوم عليها دعوة أهل السنة والجماعة الاهتمام باجتماع كلمة المسلمين، إن من تأمل في مقاصد الدين علم أن من أسمى غايات شريعة رب العالمين هو إيجاد مجتمع موحد، أسه وأساسه توحيد كلمة المسلمين واجتماع قلوب المؤمنين. قال ربنا جل في علاه: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، ولقد اعتنى الإسلام اعتناءً عظيمًا بأمر الاجتماع والاعتلاف بين أهل الإسلام؛ حتى أن الله جل وعلا أمر به، فقال جل في علاه: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة»، وقال عليه الصلاة والسلام: «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب»، وقال عليه الصلاة والسلام: «من أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة، فعليه بالجماعة». وإن أهل السنة إذا هذه النصوص ما كان لهم بد من جعل من أصول دعوتهم الاهتمام باجتماع المسلمين. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ومن أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة»، وكان أيضا مما يدلُّه على اهتمام هذه الفرقة الناجية بأمر الجماعة أنهم انتسبوا إليها وانتموا إليها، فكان من اسمهم أهل السنة والجماعة؛ لأنه من تمسك بالسنة كان لزاما عليه أن يهتم بجماعة المسلمين. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «البدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة»، فيقال: «أهل السنة والجماعة». عباد الله، فقد حرصت الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة على ضرور اجتماع كلمة المسلمين، فكان من أمرهم ومن حرصهم على تطبيق هذا الباب أنه نبذوا كل طريقة تؤدي إلى فرقة أو إلى عداوة أو إلى شخناء بين أهل الإسلام. فمنع التعددية، ومنع الطائفية، ومنع الحزبية؛ لما فيها من ظواهر مرضية من ظهور التشدت والتفرق بين جماعة المسلمين الواحدة. وكان من حرص أهل السنة من باب اهتمامهم للجماعة أن اهتموا بإتلاف بين الراعي والرعية؛ لأنها الأصل في الجماعة. قال عليه الصلاة والسلام: «فعليك بجماعة المسلمين وإمامهم»، عباد الله، إن هذه المبادئ وهذه الأصول التي ذكرت هي ليست حصراً لها، وإنما في ذلك إشارةً لأهمها. فإن أصول أهل السنة والجماعة تهتم بهذه المعطيات اهتمامًا عظيمًا: الاهتمام بالعقيدة، والاهتمام بالسنة، والرجوع إلى فهم سلف الأمة، والاهتمام بالعلم الشرعي، وباجتماع كلمة المسلمين. فمن ظن أو زعم أنه من أهل هذه الطائفة ومن أهل هذه الفرقة وأنه من أهل السنة والجماعة، فلينظر في هذه المقامات ثم يقارن بها نفسه: أين هو منها؟ فحينها سيتعرَّف على نفسه، ويتعرَّف على غيره: من هو الصادق الذي يدعيها؟ ومن هو الكاذب الذي ادعاها؟ فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.