التعليق على الجواب الكافي 118

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 118، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مسألة براءة الذمة من المال المغصوب

اختلف العلماء في براءة ذمة الظالم من المال المغصوب بعد وفاته إذا أعطاه لورثته. هناك آراء متباينة حول ما إذا كان الظالم يبرأ إذا سلمه للورثة أم لا.

مسؤولية الوارث عن حقوق المورث

يناقش مسؤولية الوارث عن أخذ الحقوق من المورث، ويستدل بقول شيخ الإسلام ابن تيمية في التفريق بين حالتين: الأولى إذا لم يتمكن المورث من أخذ حقه، والثانية إذا حيل بينه وبين حقه ظلما وعدوانا.

مسؤولية الغاصب يوم القيامة

يشرح مفهوم المفلس يوم القيامة، وهو من يأتي بحسنات لكنه ظلم الناس، فيؤخذ من حسناته لصالح المظلومين. كما يوضح مسؤولية الغاصب أمام الله يوم القيامة.

خطورة الذنوب المتعدية يوم القيامة

الذنوب المتعدية كبائر تستمر مطالبة صاحبها بها يوم القيامة حيث لا ينفع المال، وإنما الحسنة مقابل السيئة. يوم القيامة يوم حساب عظيم على الأفعال.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد؛ قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»: قال رحمه الله: «وأما مسألة المال، فقد اختلف فيها. فقال طائفة: إذا أدى ما عليهم من المال إلى الوارث، فقد برئ من عهدته في الآخرة، كما برئ منها في الدنيا». إذا كان رجل غصب مالا أو سرق من رجل، فإن أعطاه ورثته بعد موته، هل تبرأ ذمته؟ أنا الآن هذا المغصوب يطالبه، أنا مثلا أبدا يطالب هذا الذي غصب عليه المال، أو يطالبه أنه سرقه أو اختلس عليه مالا، فيطالبه في الدنيا -أقصد يطالبه حتى مات- فلم يوف فيه حقه، ويماط له، أو أنه يرفض أن يعطيه. فلما مات جاء به للورث، فهل يبرأ ذلك؟ أم أنه لازال مديونا وآثما بسبب أنه أحرق قلب صاحب المال؟ فقال بعضهم -بعض العلماء-: يبرأ إذا سلمه للورث، برئ منها في الدنيا. وقال الطائفة: بل المطالبة لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامة، وهو لم يستدرك ظلامته بأخذ وارثه له. معنى: مات وهو في صدره أن فلانا ظلمه، أخذ ماله. قال: فإنه منعه من انتفاعه به في طول حياته، ومات ولم ينتفع به، فهذا ظلم لم يستدركه. أنا الآن يريد مثل مسألة القتل، المقتول ما ينتفع بدفع -مثلا- الدية للورث، هل ينتفع المقتول؟ لا، أيضا هذه المسألة هل ينتفع هذا الوارث؟ هل ينتفع بهذا المال الذي دفع إلى ورثته بعد موته؟ والمال هذا ماله وحقه، لكنه لم يطالب به، لم يعطه هذا الظالم الذي أخذ ماله، ومات وماله عند هذا الظالم، فلما مات أعطاه لورثته، فهل هنا تبرأ ذمته؟ فهناك يقول الإمام ابن القيم: بعض العلماء يقولون إنه تبرأ، وبعض العلماء يقولون: لا، بل مطالبة لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامة، وهو لم يستدرك ظلامته بأخذ وارثه له، فإنه منعه من انتفاعه به طول حياته. أنا كان يريد أن ينتفع بهذا المال، يريد أن يسدد به ديونا، يريد كذا، يريد أن يبني به بيتا لأهله، لكنه منعه من هذا الانتفاع. قالوا: مات ولم ينتفع به، فهذا ظلم لم يستدركه، إنما ينتفع به غيره بإدراكه. وبنوا هذا على أنه لو انتقل المال من واحد إلى واحد وتعدد الورثة، كانت المطالبة للجميع. أنا الآن إذا كان هذا بعض الناس -مثلا- يوقف إرثا، يوقف متعمدا -مثلا- تجد أن عنده الأوراق، وهذا إرث -مثلا- يريدون أن يبيعوه، فيموت الورثة والأوراق معه. أنا يموت واحد بعد واحد، والأوراق في بيته، قد يموت هو والأوراق تبقى مع ورثته، فتجد أن الظلم يتعدى إلى أكثر من وارث. قال: كانت المطالبة للجميع، أنا كلهم يطالبونه؛ لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلى كل واحد منهم؛ لكونه هو الوارث. أنا كان -مثلا- أحدهم -مثلا- كان يتمنى أن يذهب إلى الحج، معناه يقول: إذا أعطيت هذا الإرث سأذهب إلى الحج، والآخر يريد أن يتزوج، والآخر يريد أن يبني له بيتا، فهذه كلها الآمال يهدمها عليهم بسبب أنه موقف الأوراق عنده. قال رحمه الله: «لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلى كل واحد منهم؛ لكونه هو الوارث». وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد. قال: «وفصل شيخنا -أن الشيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله بين الطائفتين، فقال: إن تمكن المورث من أخذ ماله والمطالبة به، فلم يأخذوا حتى مات، صارت المطالبة به للوارث في الآخرة». أنا إذا كان لم يتمكن من أخذه، طالب وذهب إلى المحاكم وفعل وفعل، لكنه لم يستطع أن يأخذه، فلم يأخذه حتى مات، صارت المطالبة به للوارث في الآخرة، كما هي له كذلك في الدنيا. وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه، بل حيل بينه وبينه ظلما وعدوانا، فالطلب له في الآخرة. ومعنى ذلك أنه إما أن المورث هو الذي يطالبه في الآخرة، أو الوارث هو الذي يطالبه في الآخرة. وهذا معنى يبين أن شيخ الإسلام يؤيد القول الثاني أكثر، وأنه يطالب به يوم القيامة، ويدخل في حديث المفلس: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا دينار، قال: المفلس من يأتي يوم القيامة بأعمال، لكنه يأتي وقد شتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فتؤخذ من حسناته إلى سيئاته -غيره- حتى إذا فنيت حسناته، طرحت سيئات غيره عليه، وأدخل النار». قال: «وهذا التفصيل من أحسن ما يقال؛ فإن المال إذا استهلكه الظالم على المورث، وتعذر أخذه منه، وصار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل، وداره التي حرقها غيره، وطعامه وشرابه الذي أكله وشربه غيره، ومثل هذا إنما تلف على المورث، لا على الوارث». معنى: المورث لم ينتفع به، وهو الأب -مثلا-، ولهذا فهو يطالب به. فحق المطالبة لمن تلف على ملكه. فينبغي أن يقال: فإذا كان المال عقارا -العقار هو المكان الذي لا ينتقل، مثل الأراضي والبيوت، سمي عقار- معنى، قال: فإذا كان المال عقارا أو أرضا أو أعيانا قائمة باقية بعد الموت -أنا شيء أعيان، مثلا ثلاجة، شيء جهاز أو كذا- قال: فهي ملك للوارث، يجب على الغاصب دفعها إليه كل وقت؛ لأنها للوارث، ليست له. وإذا لم تدفع إليه عيان ما له، استحق المطالبة بها عند الله، كما يستحق المطالبة بها في الدنيا، هذا الوارث أيضا يطالبه. وكذلك إذا تمكن المورث من المطالبة ولم يجد شيئا، فهو أيضا يطالبه يوم القيامة. قال: «وهذا سؤال قوي، لا مخلص منه إلا بأن يقال: المطالبة لهما جميعا -الوارث والمورث- كما لو غصب مالا مشتركا بين جماعة، استحق كل منهم المطالبة بحقه منه؛ لأن المال هذا الذي أخذه والذي اغتصبه أو سرقه أو اختلسه، فإنه مال للمورث، ثم إذا مات المورث انتقل إلى الوارث، فلابد أن يدفعه له، فإذا لم يدفعه له صار أيضا مطالبا به، فكلهم يطالبونه يوم القيامة». قال: كما لو غصب مالا مشتركا بين جماعة، استحق كل منهم المطالبة بحقه منه. وكما لو استولى على وقف مرتب على بطون -على بطون- مثلا قبائل أو كذا، فأبطل حق البطون كلهم منه على موقوف -مثلا- على ذرية فلان وذرية فلان، فأبطلهم وجعله على ذريته فقط. قال: كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم، ولم يكن بعضهم أولى بها من بعض. والله أعلم أن كلهم يطالبونه يوم القيامة. فهذه المسألة مثل المسألة التي تقدمت في القتل، فهذا المراد أن بعض المطالبات أو الكبائر والذنوب تكون متعدية، ويكون أيضا حقها إلى يوم القيامة. وهذا من أعظم الذنوب التي تكون على الإنسان أنه يطالب بها يوم القيامة، يوم لا مال، لا درهم، ولا دينار، وإنما هي الحسنات والسيئات. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.