الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 661، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي يبين تحريم أهل الجاهلية للأطعمة بتقديرهم، وإرسال الله نبيه ليحل الحلال ويحرم الحرام. ويؤكد أن الأثر موقوف على ابن عباس بسند صحيح مستدلاً بآية ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾.
يقرر النص أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة لأن الله سخر ما في السماوات والأرض للإنسان، وأن ما سكت عنه الشرع يعد عفواً وحلالاً. ويستدل بقواعد فقهية ك "بقاء ما كان على ما كان" مخالفاً رأي المعتزلة في تحريم الأشياء قبل الشرع.
يؤكد المقطع أن الحلال والحرام واضحان والأصل في المجهول الإباحة حتى يثبت خلاف ذلك، مع توثيق صحة سند الأثر الموقوف. ويختم المؤلف بترجمة للشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمهُ الله.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى، أي: أبو داود السنجستاني، سليمان بن الأشعث بن بشير السنجستاني البغدادي، فأصله من السنجستان، لكن نزل بغداد. قال: حدثنا محمد بن داود بن صبيح، وهو كوفي ثقة. قال: حدثنا الفضل بن دكين، وهو ابن عيسى، الحافظ الكوفي. قال: حدثنا محمد، يعني: ابن الشريك المكي، وهو ثقة أيضًا، عن عمر بن دينار، وعمر بن دينار أيضًا ثقة ثبت، عن أبي الشعثاء، وهو جابر بن زيد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقديرًا. فبعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنزل كتابه، وحل حلاله، وحرم حرامه، فما حل فهو حلال، أي: ما حلّ كتاب الله وسنة رسوله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو. وتلا قوله جل وعلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ إلى آخر الآية. قال: هذا الأثر موقوف، وسنده صحيح. معنى موقوف: على ابن عباس، أي: من كلامه واستدلاله بهذه الآية. وإنما ذكره هنا؛ لأجل أن سبب النزول، أو ما يشبهه، يعتبره العلماء من الحديث المرفوع، يعتبره العلماء من المرفوع حكمًا. يقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذا الحديث: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقديرًا، تقدرونها بطباعهم، أو كذا. أحيانًا بعض الأشياء ما فيها شيء، تجد أن بعض القبائل مثلاً تقدرها، مثل ما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الضب: «إنه ليس من طعام قومي، إن قومي لا يأكلونه»، أي: لا يأكلون الضب. فالإنسان أحيانًا كان قد تعود على أنه لا يأكل هذا الشيء، تقديرًا، بخلاف الآخر الذي يأكله. فكان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقديرًا. فبعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، وأنزل كتابه، وحل حلاله، وحرم حرامه، فما حل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو. هذه قاعدة جاء فيها حديث، لكنه لا يصح، ومنها حديث أيضًا أبي ثعلبة الخشني: «إن الله فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم فلا تنتهكوها»، أو قال: «وسكت عن أشياء لكم، أو رحمة بكم». فالله عز وجل أحل الحلال وحرم الحرام، وسكت عن أشياء، وهذه الأشياء هي عفو. ولهذا أخذ علماء السنة قاعدة من القواعد العظيمة، بسبب هذا الحديث أو ما يشبهه، أخذوا قاعدة من القواعد الفقهية، أو أيضًا تدخل في الأصول، قواعد أصولية، وهي: أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن الأصل في الأعيان الطهارة، وأنها طاهرة، وكذلك أنها ليست حرامًا بل حلالًا، الأصل فيها الحلال حتى يأتي التحريم، حتى يأتي التحريم، خلافًا للمعتزلة. المعتزلة يقولون: إن الشيء قبل ورود شرع عليه يعتبر حرامًا، يعتبر حرامًا، وهذا كلام غير صحيح. والصحيح أنه حلال، الأصل في الأشياء أنها حلال؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه. فالأصل أن الله عز وجل سخر كل شيء لهذا الإنسان، إلا إذا كان الإنسان مثلاً يرتكب الحرام، وكذا. وإلا فالأصل أن الأشياء التي سكت عنها الله عز وجل، ولم يتكلم فيها ولا رسوله، فهي حلال، فهي حلال. وسكت عن الأشياء وهي عفو لكم. وهنا قال: وما سكت عنه فهو عفو، أي: عفو الله عز وجل عنه إذا فعله الإنسان، فلا يؤخذ عليه، وأنا يعتبر من قسم الحلال، من قسم الحلال. فقال: هو سكت عن الأشياء، وما سكت عنه فهو عفو. وكل شيء سكت عنه الشرع، فيعتبر حلالًا، لا يجوز أن يحرم، إلا إذا كان فيه شيء من أنواع التحريم؛ لأن التحريم إما أن يكون بنص صريح، وإما أن يكون بقاعدة أصولية، معناها ذكر لها العلماء أدلة. فبهذه القواعد أيضًا ممكن أنه يبين الحلال من الحرام. فمن القواعد: أن ما سكت عنه فهو حلال، ما لم يأتِ تحريمه. فالأصل فيه الحل، ما لم يأتِ تحريمه، فالأصل فيه الحل. وهذا أيضًا ذكر أهل الفقه مسائل أو قواعد كثيرة في هذه المسألة، منها مثلاً: بقاء ما كان على ما كان، والأصل بقاء الأصل. وأيضًا كذلك من هذه الأشياء التي تكون بين الناس. فهذا الحديث فيه، كما قلنا، أن الحلال بين، وأن الحرام بين، وما كان من أشياء لم يعرف حكمها فهي حلال، لم يعرف حكمها فالأصل فيها الحل حتى يتبين خلافه. طيب، قال المؤلف: هذا الأثر موقوف، سنده صحيح. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى، ترجمة الشيخ مقبل.