الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 759

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 759

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 759، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

طاعة الأئمة وشروطها في ضوء حديث ابن عمر

يشرح المقطع حديث ابن عمر عن وجوب طاعة الأئمة كجزء من طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً سنده ونسخ جملة الصلاة قعوداً. يستخلص فوائد منها أهمية التمهيد للكلام العظيم، وكون طاعة الولاة أصلاً لاجتماع الأمة مع شرط الطاعة في المعروف فقط لا في المعصية، وتطبيق ذلك على المستجدات كقوانين المرور والتأمين الإجباري التجاري.

حكم التأمين التجاري وآداب الإمامة في الصلاة

يحرم التأمين التجاري الاختياري لضعف التوكل على الله وخدش الاعتقاد بالقضاء والقدر، فالله يحفظ العبد بالأذكار والمعوذات. كما يجب اتباع الإمام في الصلاة حتى لو صلى جالساً، مع عرض خلاف العلماء في نسخ حديث "فإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً" بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم جالساً خلف أبي بكر.

الحميدي وتلقّيه عن الشافعي ومسألة صلاة المأموم خلف الإمام الجالس

يبيّن المقطع مكانة الحميدي كأخص تلاميذ الشافعي ورحلته معه إلى مصر، ويروي حرص الشافعي على تدوين الفوائد ليلاً. ثم يعرض الخلاف الفقهي في صلاة المأموم خلف الإمام الجالس مبيناً ثلاثة أقوال: النسخ (قول الجمهور)، والثبوت مطلقاً (قول الظاهرية وبعض الحنابلة)، والتفصيل بين ابتداء الصلاة جلوساً وحدوث الجلوس أثناءها (قول الإمام محمد).

الجلوس مع الإمام في الصلاة وأثر حديث أبي بكر

يرى المعلق أن القول بالجلوس مع الإمام يجمع بين أدلة الأمر بالجلوس وحديث جلوس النبي صلى الله عليه وسلم بينما كان أبو بكر يسمع صوته. يُعتبر هذا الرأي أوفق للأدلة مجتمعة، والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام محمد رحمه الله: حدثنا أبو النظر، وأبو النظر هو هاشم بن القاسم يلقب بقيصر، قال: حدثنا عقبة، يعني ابن أبي الصهباء، وهو ثقة، قال: حدثنا سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر حدثه أنه كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نفر من أصحابه، فأقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا هؤلاء، ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم؟» قالوا: بلى، نشهد أنك رسول الله. قال: «ألستم تعلمون أن الله أنزل في كتابه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾؟» قالوا: بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله، وأن من طاعة الله طاعتك. قال: «فإن من طاعة الله أن تطيعوني، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم. أطيعوا أئمتكم، فإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً». قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح إلا عقبة بن أبي الصهباء، وقد وثقه ابن معين وغيره، وقال أبو حاتم: محله الصدق، كما في «تعجيل المنفعة». وقال: وقوله: «فإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً» منسوخ بفعلي صلى الله عليه وسلم في مرض موته، فإنه صلى الله عليه وسلم صلى قاعداً والناس يصلون بعده قياماً. فحكى البخاري عن شيخه الحميدي أن هذا ناسخ لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً»، والله أعلم. قالوا: الحديث أخرجه البزار كما في «كشف الأستار»؛ «كشف الأستار» هذا للهيثمي، «كشف الأستار في زوائد البزار». فهذا الحديث فيه عدة فوائد: فأولاً فيه تنبيه النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة على أمور مهمة في رسالته، وأنه مرسل من الله، وفي طاعته. وجعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا مقدمة لكلامه الذي أراده، وهو يعلم أنهم يعلمون أنه رسول الله، وأن من طاعته طاعة الله، لكن أراد أن يبين لهم أن من طاعته كذلك طاعة أئمتهم أو أمرائهم، سواء كان في الصلاة أو في خارجها. وأيضاً فيه أن الإنسان إذا أراد أن يتكلم بكلام مهم جداً، فيقدم له بمقدمات حتى يعلم أن ذلك الكلام مهم. فقدم النبي صلى الله عليه وسلم أولاً للرسالة، ثم الطاعة، ثم بين أن من طاعته طاعة أمراء المسلمين. وهذا أصل عظيم تجتمع به الأمة، لأن تفكك الأمة وتفرقها غالباً من عدم طاعتهم لأمرائهم. ولهذا لما وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقالوا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: «عليكم بالسمع والطاعة» أي لأمراء المسلمين. «عليكم بالسمع والطاعة»، وهي أيضاً من الوصايا الخمس التي أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته: منها السمع والطاعة، والحج، والجهاد، والهجرة، والسمع والطاعة. والسمع والطاعة أي: سمع كلام الأمة وطاعتهم فيما سمعوا، إن كان من طاعة الله. أما إن كان من معصية الله فلا سمع ولا طاعة لأحد في معصية الله. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: «إنما الطاعة في المعروف»، أي في ما هو خير وما هو معروف. أما مخالفة أمر الله فلا سمع ولا طاعة. ولهذا في نفس الحديث لما أمرهم أميرهم بشعال نار ثم أمرهم أن يدخلوا فيها، فلم يطيعوا في ذلك، فقالوا: نحن إنما نفر من النار. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو دخلوا فيها ما خرجوا منها»، لو دخلوا في هذه النار ما خرجوا منها، على أنهم سيكونون من أهل النار. «إنما الطاعة في المعروف». وجاء أيضاً عند أحمد وابن حبان وغيرهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا طاعة لمن عصى الله»، وجاء في لفظ: «لا طاعة للمخلوق في معصية الله». فلهذا فالسمع والطاعة يكون في المعروف، وفيما هو غير معصية، إما أن يكون طاعة، وإما أن يكون أمراً مباحاً، فيكون هذا الأمر المباح بأمر أمير المؤمنين وبأمر الحاكم واجباً. لهذا أفتى كثير من أهل العلم بوجوب بعض الأشياء المعاصرة، كاتباع إرشادات المرور وغير ذلك من الأمور المستجدة التي يفرضها ولي الأمر على الناس، فإن هذه تكون واجبة إلا إذا كانت فيها مخالفات شرعية ومعصية لله، فهذا لا سمع له ولا طاعة. إلا إذا أكره الإنسان على أمر لا يستطيع أن يخالف، وإلا سيؤدى، فهنا الإثم على من أكرهه. إن كان هو الحاكم أكره الناس على ذلك فالإثم عليه، مثل ما يحصل الآن في التأمينات، خاصة تأمين الموظف، التأمين التجاري، فيدفع التأمين وهو لا يريد أن يدفع، بمعنى يدفع بالإجبار، وهذا التأمين لا يجوز، هذا التأمين محرم، التأمين التجاري هذا محرم، بخلاف التأمين التعاوني. لكن قد يحصل من الإنسان أن يؤمن ليس لأجل أنه يريد هذا التأمين وإنما بالإجبار. أما إذا كان باختياره فهذا لا يجوز وهو آثم. إذا كان باختياره هذا التأمين يعتبر آثم. بعض الناس يقول: أذهب وأؤمن مستقبلي، أو أؤمن سيارتي، أو كذا من هذا القبيل، فهذا لا يجوز. وأيضاً فيه خدش في الاعتقاد، عنه ضعف في اعتقاد القضاء والقدر، وأيضاً فيه ضعف في مسألة الاعتماد على الله عز وجل في حمايته للعبد. فالله عز وجل يحمي العبد، له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله. فإذا أقبل العبد على ربه وذكره جل وعلا فإنه يحفظه. ولهذا جاءت الأحاديث المتكاثرة في حفظ الرب جل وعلا للعبد وحرزه، سواء كان من الشيطان أو من جميع الشرور. وسورة الفلق جعلها الله عز وجل أيضاً استعاذة من جميع الشرور: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ أي ذلك القمر إذا غاب، ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أي الساحرات والسحرة، ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾. وهكذا سورة الناس. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام أمر بطاعة أولي الأمر وأئمة الناس. وهنا لم يفرق بين الأئمة، أئمة الناس الذين يؤمهم في أمور الدنيا، وأئمة الصلاة، لأن أئمة الصلاة لابد أن تكون تحت إمرة الأمراء، أن أئمة الصلاة يكونون تحت إمرة الأمراء، أنهم يضعونهم أو نوابهم أو من ينوبهم يضع الإمام في الصلاة. ولهذا أجمع أهل العلم على أن حق الناس بالإمامة هو الحاكم، حق الناس بالإمامة هو الحاكم. أن لو جاء مثلاً إلى مسجد فإنه هو حق أن يقدم، لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته. معنى هذه المساجد التي تكون في المدن هي تحت إمرة الأمراء، تحت سلطانه، فإن جاء فهو حق بالإمامة، وإن نوب غيره فله ذلك. إن نوب غيره فله ذلك. مثلاً هؤلاء الذين يجعلون في المساجد أئمة، هؤلاء معنى إمام راتب، إمام راتب، فهو حق أن يؤم الناس، ولو كان هناك في الناس من هو خير منه وأفضل منه قراءة وأفضل منه علماً، فإنه ما دام أنه رتب لهذه الإمامة فهو مقدم على غيره. واستدل العلماء أيضاً بنفس الحديث: «لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس فيه على تكرمته إلا بإذنه». فلهذا ذهب جمهور أهل العلم أيضاً على أن الإمام لو نوب غيره، إذا كان إماماً راتباً وأذن لغيره فله ذلك. وكذلك الإمام الأعظم، الخليفة أو الحاكم، فله أن ينوب غيره، له أن ينوب غيره، ولا شك أنه لابد أن ينوب، لأن المساجد كثيرة، فلهذا ينوب أناساً يكونون أئمة للناس. أيضاً في هذا الحديث أن الناس، وخاصة في الصلاة، يتبعون الأئمة، إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبر، وإذا ركع فاركع، وإذا سجد فاسجد، وإذا انصرف فانصرف، وإذا صلى جلوساً فصلوا جلوساً أجمعون. إذا صلى الإمام جالساً فصلوا أنتم أيضاً جلوساً. وهذا اتباع للإمام: «فإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً». فالإمام يتبع في أفعاله ما لم يكن مخالفاً في الصلاة، فإنما الطاعة بالمعروف، وإلا فإنه يتبع على هذه الأفعال التي يفعلها، حتى لو ترك المأموم شيئاً من ترتيب الصلاة فلابد أن يتبع إمامه. ومن ذلك أنه إذا صلى قاعداً صلى جالساً. فقال هنا: «فصلوا قعوداً». وهذا حكم، ذكر الشيخ هنا عن الحميدي، قال: فحكى البخاري عن شيخه الحميدي أن هذا ناسخ لقول صلى الله عليه وسلم: «فإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً»، أي ناسخ لما صلى قاعداً والناس يصلون بعده قياماً في آخر حياته عليه الصلاة والسلام. لما خرج في آخر يوم، أو قبل آخر يوم من موته، وهو يوم الأحد، فخرج فوجد الناس يصلون، فجاء وجلس عند أبي بكر. وكان النبي عليه الصلاة والسلام في مرض موته، صلى الله عليه، قد بح صوته، أنا صارت عنده بح في الصوت، الصوت يخرج لكنه لا يكون فيه صدى، أو كذا يكون كما تعرفون البح التي تكون في الصوت. فبح صوته عليه الصلاة والسلام، فلهذا جلس عند أبي بكر، فكان يكبر، لكن الناس لا يسمعون تكبيره عليه الصلاة والسلام، وكذلك لشدة الألم الذي فيه، صلوات الله والسلام عليه، فكان يكبر، وكان أبو بكر قائماً عنده يسمع الناس تكبير النبي عليه الصلاة والسلام عنه، مبلغ التكبير. فأصل أن الذي يصلي هو النبي عليه الصلاة والسلام، هو الإمام، وأبو بكر تابع للإمام يكبر بتكبير النبي عليه الصلاة والسلام. فدل على أن الإمام كان نبي الله صلوات الله والسلام عليه، وأبو بكر يعتبر مأموماً، فصلى وهو جالس، ولم يجلسوا خلفه، ولم يجلسوا خلفه. فاستدل الشافعي رحمه الله، وكذلك غيره، بهذا الحديث على نسخ حديث: «فإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً». والحميدي يعتبر من أخص تلاميذ الشافعي، الحميدي يعتبر من أخص تلاميذ الشافعي في العراق، وذهب معه إلى مصر، لما خرج الشافعي إلى مصر خرج معه الحميدي، ثم رجع بعد ذلك إلى مكة. الحميدي يعتبر من أهل مكة، قرشي، أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، يعتبر قرشياً من أهل مكة، إمام من أئمة المسلمين، وحافظ من حفاظ الحديث، وأخذ العلم عن سفيان، سفيان بن عيينة، والشافعي. معنى أكثر علمه عن سفيان بن عيينة، وعن الشافعي. أو في بداية الأمر أنكر على أحمد أنه يذهب إلى الشافعي، قال: كيف تذهب إلى الشافعي وتترك سفيان بن عيينة؟ فقال له: وحدثت أيضاً مثلها مع إسحاق بن إبراهيم، فقال له الإمام أحمد رحمه الله: «لو فاتني حديث سفيان بن عيينة بعلو، أنا لم أسمعه منه، أخذته من أصحابه، أنا أخذته بنزول». هذا يقول لإمام أحمد: كأنه ما في فرق أني أخذه بعلو أو بنزول، ما دام أن الذي أخذه بنزول ثقة. يقول: أصحابه كثير، فسآخذ هذه الأحاديث من أصحابه. وقد أخذ الإمام أحمد أحاديث كثيرة من أحاديث سفيان من علي بن المديني. تجد في المسند أحياناً يروي الإمام أحمد عن سفيان مباشرة، سفيان بن عيينة، وأحياناً يروي عن علي عن سفيان، أو عن يحيى عن سفيان. فهذا يقول لإمام أحمد: إن فاتني حديث سفيان بعلو أخذته من أصحابه بنزول. لكن إن فاتني عقل هذا الفتى، يريد الشافعي، قال: «إن فاتني عقل هذا الفتى لعلي لا أجد مثله»، أو كما قال رحمه الله. ومن هذا الكلام الحميدي تعاظم عنده هذا الكلام، فجلس في حلقة أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، فلما جلس، نظر بهذا الكلام، بكلام الشافعي وذكائه واطلاعه وعلمه وتفسيره لأحاديث، فلزمه بعد ذلك أكثر مما لزمه أحمد. وكما قلنا حتى أنه ذهب معه إلى مصر. قال الحميدي: ذهبت مع الشافعي إلى مصر، قال: فكنت لم يأتني النوم تلك الليلة، فخرجت، فكنت أنظر إلى غرفة الشافعي، المكان الذي فيه الشافعي، قال: فأجد أنه يوقد السراج لحظة ثم يطفئ، يوقد ويطفئ، يوقد ويطفئ، وهكذا طول الليل على هذا. قال: فلما أصبح جاء الحميدي إلى الشافعي وقال: يا أبا عبد الله، ما لك ما تنام؟ ليش ما تنام؟ قال: وماذا؟ قال: رأيت المصباح يسرج ويطفأ، يسرج ويطفأ. قال: إنما كنت كلما ذكرت مسألة جاءت في ذاكرتي فأسرجت السراج وكتبتها، حرصاً على أن لا تضيع. أنا حرص على أن لا تضيع علي هذه الفائدة. الإنسان أحياناً يفكر في بعض الأشياء، في أحاديث في كذا، تأتي عليه فائدة، وهؤلاء إما مطلعون في اللغة وكذا، فقد يتأمل الحديث فتأتي له فوائد في الحديث، فلأجل أن لا ينساها يقوم يكتبها، حتى في الليل يقوم، وكان عندهم سرج، يسرج السراج، يأتي له بالزيت، المهم أنه سراج عندهم بالزيت، تشتغل بالزيت، فيسرجها ويكتب هذه الفائدة، ثم يطفئ هذا السراج، وهكذا. فالمهم أن الحميدي لعله أخذ هذه الفائدة من الشافعي رحمه الله. لكن هل هذا هو الصحيح في المسألة؟ المسألة فيها ثلاثة أقوال: منهم من قال مثل الشافعي أنه منسوخ، وهذا ينسب للجمهور. ومنهم من قال أنه ليس بمنسوخ بل ثابت أنه يصلى جالساً مع الإمام، وهذا قول الظاهرية، واختاره أيضاً بعض الحنابلة. وهناك قول ثالث هو قول الإمام محمد، أنه قال: إن جلس في أول الصلاة فهم يجلسون في أول الصلاة معه، إذا كان جلس الإمام صلى جالساً فإنه يصلي خلفه جلوساً على النص الذي جاء: «فإن صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون». لكن إن حصل له شيء في الصلاة، صلى بهم قائماً ثم حصل له شيء في الصلاة فجلس، فهنا قال: لا يجلسون معه. وجعل هذا الحديث، حديث جلوس النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي بكر، حديث أنس وغيره، فجعله في هذه الصفة: أنه إذا كان الإمام جاء أو جلس في أثناء الصلاة، في أثناء الصلاة، جمعاً بين الأدلة. لأن الأدلة التي جاءت في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلى جالساً فصلوا جلوساً»، جاءت من طرق كثيرة، وعند أكثر من صحابي. ومن هذا الحديث حديث عبد الله بن عمر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه عليهم حتى في الصلاة، بعد هذه المقدمات العظيمة. فلهذا فهذه المسألة ثابتة، فلا يقال أنها نسخ فعل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يأتِ ويصلي في بداية الصلاة جالساً. فلهذا إذا كان كذلك فجعل النسخ إذا جاء في أثناء الصلاة معناه، لأنه كان يصلي قائماً مع الناس، يصلي بالناس قائماً، ثم حدث له طارئ فجلس، فهنا لا يجلسون معه. وأما ابتدأ الصلاة وهو جالس فيصلون جلوساً معه. وهذا لعله أفضل للأقوال في هذه المسألة، لإعمال الأدلة جميعاً، إعمال أدلة الأمر بالجلوس مع الإمام، وكذلك هذا الحديث الذي جلس فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر كان يسمع الناس صوته. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.